
ليست الشوارع والأزقة والطرقات مجرد مسارات بين الأماكن، وليست معابر جامدة أحيانا وصاخبة أحيانا أخرى، حسب مستعمليها، بل هي ذاكرة حية للمدن والقرى، بل وأحيانا نقطة تلاقي بين الحاضر والماضي.
على الحيطان وفي إشارات التشوير تنبض حياة لا نراها هناك يتنفس التاريخ حين يصافح الجغرافيا، ويخلد العابرون رجالا ونساء عبروا.
الشوارع والطرقات العالمية تروي قصصا خالدة لزعماء ساهموا في كتابة تاريخ الشعوب فتسكنهم في وجدان المدينة، لا تقتصر أسماء معابرها على المفكرين والمقاومين بل على صناع التاريخ.
صحيح هناك مسطرة متبعة في إطلاق التسميات على الشوارع والطرق والأزقة والساحات العمومية التابعة لتراب الجماعات، في مكاتب رجال السلطة ورؤساء المقاطعات، دورية لوزير الداخلية تحدد مسطرة ومعايير تسمية المرافق الجماعية، والاختصاصات المهمة التي خولها القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات، سيما المادة 92 منه، للمجالس الجماعية التي تمارسها عن طريق التداول واتخاذ مقررات بشأنها نظرا لما تحمله من دلالات رمزية، كما تشرح كيفية مصادقة المجالس الجماعية على التسميات التي لا تمثل تشريفا عموميا أو تذكيرا بحدث تاريخي، لكن نادرا ما تتجاوز التمسية حدود ما هو محلي: مقاوم، كاتب، عسكري..إلى زعيم سياسي أجنبي له فضل على البلاد والعباد.
لذا لا تخلو شوارع باريس من مرفق يحمل اسم زعيم بريطاني أو صيني أو أمريكي، كما لا تخلو شوارع أمريكا من استحضار قادة خارج ولاياتها، الشرط الوحيد أن يكون للإسم تأثير على التاريخ.
طريق دونالد ترامب السريع.. ضربة معلم
نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، صباح الاثنين الماضي، كاشفا فيه عن «طريق دونالد ترامب السريع» الذي يجري إنشاؤه في المغرب، موجها الشكر للعاهل المغربي الملك محمد السادس.
وقال ترامب في تدوينة عبر منصته «تروث سوشيال»: «شكرا لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ملك المغرب، إنه لشرف عظيم! أتطلع إلى السفر عبر كامل امتداد هذا الطريق السريع العظيم يوما ما، وآمل أن يكون ذلك قريبا.
وقالت وكالة الأنباء المغربية «لاماب»، إن تدوينة الرئيس الأمريكي جاءت تفاعلا مع مقطع فيديو يستعرض مشروع الطرق الاستراتيجي الذي يمتد على مسافة تناهز 1055 كيلومترا، ويشكل أحد أكبر مشاريع البنية التحتية بالمملكة، نظرا لدوره في تعزيز الربط الطرقي بين شمال المغرب وأقاليمه الجنوبية.
كما يبرز مقطع الفيديو «الأهمية الاقتصادية والتنموية للطريق السريع تيزنيت–الداخلة، باعتباره رافعة لتسهيل حركة الأشخاص والبضائع، ودعم الاستثمار والتبادل التجاري، فضلا عن مساهمته في تنفيذ المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الوصول إلى الواجهة الأطلسية، بما يعزز التعاون الإقليمي ويرسخ موقع المغرب كحلقة وصل استراتيجية بين إفريقيا وفضائها الأطلسي».
هناك أيضا بعد تاريخي لهذه المبادرة، حيث إن العلاقة التي ربطت ملوك المغرب برؤساء الولايات المتحدة الأمريكية أعمق من أن نختزلها في صعود ترامب من جديد لسدة الحكم ومساندته لقضية الصحراء، فالمغرب هو أول بلد يعترف بأمريكا وذلك في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله.
العلاقات التي تربطنا بالولايات المتحدة الأمريكية تتجاوز السبق في الاعتراف بسيادتها، عام1777، وليس في كوننا أول دولة في العالم تعترف بالولايات المتحدة، بل تتعدى ذلك إلى تعاون واتفاقيات دفاع مشترك وإجراءات كانت هذه الخطوة حاسمة في دعم الدولة الأمريكية الناشئة في حروبها الأولى،
ومنذ فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، كان الرجل مصدر ارتياح في الأوساط السياسية المغربية، حيث ظل يعول عليه لاستكمال التزاماته تجاه المملكة المغربية، بعد تفعيل اعترافه بسيادة المغرب على صحرائه، وفي أفق فتح قنصلية أمريكية في الأقاليم الجنوبية، إلى جانب ضخ استثمارات حيوية تساهم في تنمية هذه المناطق وتطويرها، كما سبق وتعهد سلفا.
ليست طريق الصحراء هي التي حملت اسم ترامب، إذ سيحظى شارع النخيل بالرباط، باسم جديد، يتماشى مع تجديد المدينة وجعلها عاصمة عالمية، للتطورات التي شهدتها في البناء والتشييد، وإعادة تأهليها على كافة البنيات التحتية الأساسية، استعدادًا لدخول المغرب ضمن الدول الصاعدة ما قبل 2030.
ولعل التغيير الذي شهدته كافة الأحياء والشوارع بالرباط، دفع بتغيير اسم شارع النخيل بحي الرياض، إلى اسم رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، هذا الشارع المؤدي إلى المركب الأمني مما يؤكد على متانة العلاقات الأخوية التي تربط المملكة المغربية بالولايات المتحدة الأمريكية، والتعاون الأمني بين البلدين، وعلى كافة المستويات…
بدأت علاقة ترامب بالحسن الثاني في مدينة طنجة، قبل أن يدخل دونالد عالم السياسة، ومع اعتلاء الملك محمد السادس العرش في عام 1999، شهدت العلاقات المغربية الأمريكية تحولا ملحوظا، وقد عمل الملك على توسيع هذه العلاقة لتشمل العديد من المجالات السياسية والاقتصادية، حيث كانت أولى خطواته في هذا الاتجاه تهدف إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة أحد الحلفاء التقليديين للمغرب.
ومع وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة في عام 2017، شهدت العلاقات بين المغرب والإدارة الأمريكية انتعاشة قوية، إذ برزت هذه العلاقة بشكل خاص في عام 2020 عندما اتخذ ترامب خطوة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الثنائية، حيث أصدر مرسوما رئاسيا يعترف لأول مرة بسيادة المغرب على الصحراء المغربية، هذا القرار، الذي اعتبر تحولا تاريخيا في السياسة الأمريكية تجاه القضية المغربية.
جورج واشنطن.. أول رئيس أمريكي ينحت اسمه بأحد شوارع البيضاء
هو أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية، ويحمل اسمه شارع في قلب العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، كما تحمل مدرسة كبرى اسم «أكاديمية جورج واشنطن»
أكاديمية جورج واشنطن وهي مدرسة أمريكية يتبع التدريس فيها منهجا دراسيا أمريكيا، افتتحت سنة 1997 في منطقة دار بوعزة ضواحي الدار البيضاء، بحضور ممثلين للجالية الأمريكية في المغرب.
للمغرب علاقة وطيدة بالمغرب، وحسب الديبلوماسي جون لامب، المعروف بلقب «ميستر»، أي السيد، وهكذا فقد صارت الصفة لصيقة باسمه، إلى درجة أن كتاب وزراء الدولة العلوية الذين عاشوا هذه الواقعة سنة 1987، اكتفوا بتسجيل اسمه «ميستر»، ولم يهتموا كثيرا باسمه الكامل، جون لامب.
يقول عبد الهادي التازي، في مؤلفه الضخم، «التاريخ الدبلوماسي للمغرب»، وهو أحد أوائل الذين اطلعوا على الرسائل الأمريكية التي تؤرخ لهذه الواقعة، متحدثا عن الملتمس الذي وجهه الرئيس الأمريكي جورج واشنطن إلى السلطان محمد الثالث: «وقد رأينا كيف أن الكونغريس يقوم برفع طلب رسمي إلى الملك محمد الثالث بتاريخ 23 يونيو 1787 يضمنه التماس الرئيس الأمريكي جورج واشنطن بأن يقوم ملك المغرب بالتوسط لدى باي تونس وباشا طرابلس مؤكدا أن الشعب الأمريكي سوف يظل مدينا للمغرب بما يحققه من تقدم».
يقول عبد الهادي التازي، في مؤلفه: «في بداية الاتصال بين الرئيس الأمريكي جورج واشنطن والمولى محمد الثالث، وصولا إلى سنة 1790، تاريخ وفاته ومجيء ابنه المولى سليمان إلى السلطة، كانت العلاقات المغربية الأمريكية تعرف تناغما كبيرا، جعل المغرب يدخل التاريخ، ليس باعتباره أول بلد يعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية على عهد المولى محمد الثالث، ولكن بحكم أن المغرب فعلا أول بلد طلبت منه أمريكا بعد تأسيسها أن يدعمها في الساحة الدولية لكي تؤسس الاقتصاد القوي الذي لا تزال تتربع على عرشه، إلى اليوم».
وما يظهر قوة المغرب دبلوماسيا في ذلك التاريخ، وحسب ما تشير إليه وثائق في الأرشيف الدبلوماسي الأمريكي، أن الأمريكيين رغبوا في شن حرب ضد طرابلس بعد أن تكررت عمليات هجوم على سفن أمريكية، وتدخل المغرب، بقرار من السلطان محمد الثالث، لكي يخبر الأمريكيين أن مساعدتهم في هجوم على طرابلس ليس واردا نهائيا، وأن تعاليم الدين الإسلامي تمنع على السلطان المغربي أن يرفع سلاحه في وجه مسلمي طرابلس، لكنه تدخل إيجابيا، وجنب الأمريكيين والليبيين حربا ضروسا، وفرض فعلا السلم في البحر الأبيض المتوسط.
ظل الأمريكيون مدينين للسلطان المغربي، خصوصا وأنه كان الوحيد الذي وقف إلى صف الأمريكيين، عبر العالم، لتجاوز أزمتهم الداخلية بعد إسقاط الحكومة الأولى وانتخاب حكومة أخرى وأعضاء مجلس التشريع الأمريكي. وكان من أولى القرارات التي اتخذها هذا المجلس، الحفاظ على العلاقات الودية مع المغرب لضمان استمرار عبور السفن الأمريكية لمنطقة البحر المتوسط دون أن تتعرض لأي هجوم من القراصنة.
كينيدي.. رئيس وضع اسمه في ثلاثة شوارع بالمغرب
الرئيس الأمريكي جون كينيدي، قد يكون محظوظا أكثر من باقي الرؤساء، لأن اسمه حاضر في ثلاثة شوارع بثلاث مدن مختلفة: في الرباط، العاصمة الإدارية، وفي الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية إضافة إلى مدينة آسفي.
وحين زارت أرملته جاكلين المغرب بعد وفاة زوجها، وقضت أسبوعا في مدينة مراكش رفقة رجل الأعمال اليوناني أرسطو أوناسيس، وتلا ذلك زواجها من أوناسيس عام 1968، واستمر ذلك الزواج إلى وفاته عام 1975، أصرت على زيارة الشارع الذي يحمل اسم زوجها.
وشاءت الصدف أن يزور الملك الحسن الثاني الولايات المتحدة الأمريكية في مارس سنة 1963، ويلتقي الرئيس الأمريكي جون كينيدي وزوجته جاكلين، قبل ثمانية أشهر عن اغتيال الرئيس الأمريكي، وتحديدا في 22 نونبر من العام نفسه.
زار الرئيس الأمريكي وزوجته، ملك المغرب في مقر إقامته بواشنطن، وكان مرفوقا بسفير المغرب في الولايات المتحدة والمبعوث الدائم للمملكة في مقر الأمم المتحدة وسفير أمريكا في المغرب. قال كينيدي للحسن الثاني إنه «على الرغم من المحيط الواسع الذي يفصل دولتينا، إنهما مرتبطتان معا على طول التاريخ». وعبر ملك المغرب عن امتنانه لحفاوة الاستقبال، وتمنى أن تجمع البلدين علاقة تعاون حقيقية دون أنانية.
ضحك كينيدي كثيرا حين سمع هذه العبارة وطالب بتوضيحات أكثر، قبل أن يرد الملك ردا دبلوماسيا: «قصدي تعاون لأجل مصلحة قضايا الحرية والسلام والكرامة الإنسانية في جميع أنحاء العالم». وذكر الحسن الثاني نظيره الأمريكي بحكاية الاعتراف المبكر للمغرب بالولايات المتحدة الأمريكية. «المغرب هو أقدم صديق لأمريكا، ولا يزال إلى اليوم أقوى حلفائنا في المنطقة»، جاء رد كينيدي دبلوماسيا أيضا: «نحن نعلم أن زيارتك ستعود بالنفع على بلدينا وشعبينا».
أشارت جاكلين كينيدي في مذكراتها إلى هذه الزيارة، وقالت: «عندما يأتينا رئيس من دولة إفريقية يجلس إليه جون كينيدي، وبعد المقابلة البروتوكولية يدفع الرئيس الإفريقي بورقة مطالب للرئيس الأمريكي، وبعدها يتم النقاش مباشرة في كيفية تلبية تلك المطالب، ولكن الأمر مختلف مع ملوك إفريقيا لم يتم تقديم مطالب مكتوبة وحين يئس كينيدي وجه سؤالا مباشرا، وقال: «أليس لديك مطالب، فأجابه بالنفي».
روزفلت زار البيضاء مؤتمرا فخلد اسمه في العاصمتين
حمل شارع في الدار البيضاء أنفا اسم الزعيم فرانكلين روزفلت، غير بعيد عن فندق أنفا الذي احتضن مؤتمر أنفا، كما حمل شارع في الرباط اسمه.
زار الرئيس الأمريكي الأمريكي فرانكلين روزفلت مدينة الدار البيضاء في 12 يناير 1943، حيث استقر في فيلا لا تبعد كثيرا عن فندق أنفا، الذي احتضن في اليوم الموالي مؤتمر أنفا بحضور الرئيس الأمريكي، والرئيس الفرنسي الجنرال شارل دوغول، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والجنرال الفرنسي هنري جيرو، ثم السلطان محمد الخامس وولي عهده مولاي الحسن، إلى جانب القاضي محمد بن إدريس العلوي.
كان موضوع الاجتماع الطارئ، هو التنسيق بين الحلفاء في السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، التي ستنتهي بعد مؤتمر أنفا بعامين، كما كان اللقاء فرصة لطرح موضوع استقلال المغرب، الذي ساهم في انتصارات الحلفاء بانتداب جيش من المغاربة حاربوا في صفوف الفرنسيين، وبالنسبة إلى الحلفاء، فقد كان المؤتمر مناسبة لتحديد الإجراءات العسكرية التي يتعين اتخاذها ضد الجيوش الألمانية.
في 14 يناير 1993، زارت لورا المغرب، واستقبلها الملك الحسن الثاني الذي كان شاهدا على العصر، وحكى لها تفاصيل تسمعها لأول مرة عن سفر جدها إلى المغرب، حيث أوضح لها بأن اللجنة المنظمة للمؤتمر ارتأت أن يقيم في فيلا، لأنه كان مقعدا ويعتمد على كرسي متحرك، في زمن لم يكن فيه بفندق أنفا مصعد وولوجيات للأشخاص في وضعية إعاقة..
سألت لورا، حفيدة روزفلت، الحسن الثاني، عما إذا كان بإمكانها زيارة فندق أنفا؟ لكن الملك كان يعرف جيدا أنها على علم باختفاء هذه المعلمة ومسحها خطأ من خريطة مدينة الدار البيضاء، رغم أنها تعد معلمة تاريخية، فرد عليها قائلا:
«ما يهمك أكثر بصفتك حفيدة الرئيس روزفلت، هو رؤية البيت الذي أقام فيه جدك أولا والشارع الذي يحمل اسمه»، مضيفا بأن كل الترتيبات قد اتخذت لتنظيم زيارة إلى هذا المكان التاريخي.
تحدث الحسن الثاني إلى لورا حول مؤتمر أنفا، وكيف أن جدها أكد لوالده محمد الخامس، على مشروعية مطالب الحركة الوطنية، ليتمكن بذلك من انتزاع اعتراف منه بحق المغرب في نيل استقلاله والحصول على حريته كاملة، كما أشار إلى أن فرانكلين زار مدينة مراكش، مباشرة بعد انتهاء أشغال المؤتمر وقضى فيها يومين رفقة ونستون تشرشل، حيث أصر هذا الأخير على رسم صورة لفرانكلين على سفح الجبل.
أصغت لورا باهتمام كبير لدروس التاريخ التي قدمها الملك، خاصة حين حدثها عن موقف والده محمد الخامس، الذي رفض طلبا تقدمت به حكومة فيشي الفرنسية يقضي بتقديم المغاربة اليهود لفرنسا، لكن السلطان أجاب بأنه «لا يوجد يهود هنا، فقط مواطنون مغاربة».
قالت لورا إنها اكتشفت خلال لقائها مع الحسن الثاني، بأنه يعرف أدق تفاصيل شخصية الرئيس روزفلت، سيما حين تحدث لها عن هوسه بالقراءة والكتابة، «من المحتمل ألا يصل أي رئيس أمريكي إلى مستوى روزفلت، حيث كان يتصفح الكثير من الكتب في يوم واحد، وكتب أكثر من اثني عشر مؤلفا».
بعد مرور 76 سنة على مؤتمر أنفا، عادت لورا إلى المغرب، لإحياء الحدث بدعوة من السفير الأمريكي في الرباط، لكنها كانت تتأبط كتابا عن جدها يروي رحلته إلى المغرب.
بعد عودته من المنفى، اختار الملك محمد الخامس القيام بزيارة رسمية للولايات المتحدة سنة 1957، استغل هذه الزيارة للقيام بجولة في حديقة ديزني لاند، التي كانت قيد الاستكمال. قادت الرحلة ملك البلاد إلى كل من ويليامزبرغ، ودالاس ولوس أنجلوس وسان فرانسيسكو، وأوماها، وشلالات نياغرا، ونيويورك قبل عودته إلى المغرب.
زار محمد الخامس الولايات المتحدة الأمريكية بدعوة من الرئيس إيزنهاور، وعرفت مناقشات سياسية في شأن التواجد العسكري الأمريكي في المغربي وخصوصا في القنيطرة، على امتداد زيارة العاهل المغربي لهذا البلد، حرص على الظهور بزيه التقليدي «جِلابة وطربوش».
التقى محمد الخامس بالرئيس الأمريكي داويت روزفيلت مرتين، اللقاء الأول حين رافق هذا الأخير فرانكلين روزفلت إلى مدينة الدار البيضاء في 12 يناير 1943، لحضور مؤتمر أنفا. أما اللقاء الثاني فيعود لـ24 فبراير 1957، وهي الزيارة الأولى التي قام بها الملك محمد الخامس للولايات المتحدة الأمريكية، حيث أقام في فندق «ماي فلاور» بوسط العاصمة واشنطن، واستقبل ضيوفه في القاعة التاريخية «بال روم» التي تناول فيها سلطان المغرب عشاء بطقوس مغربية على شرف الرئيس داويت إيزنهاور ونائب الرئيس آنذاك ريتشارد نيكسون، ولازالت في بهو الفندق صورة تؤرخ للقاء التاريخي.
بعد أربعة أيام عن وصوله لواشنطن، تلقى ملك المغرب دعوة من جامعة جورج تاون، التي منحته الدكتوراه الفخرية، وهي شهادة شرفية تكريمية وليست أكاديمية، وبدون رسالة أو مناقشة، وتعطى للشخص تقديرا لجهوده في مجالات معينة، أو كتعبير عن الشكر أو العرفان بالجميل أو الإنجازات العلمية أو الاجتماعية، ولا يشترط فيها التخصص، ومنحت لمحمد الخامس لدوره في تحقيق السلم، خاصة حين رفض تسليم اليهود المغاربة للألمان وتصديه لتوصيات فيشي.
قضى محمد الخامس حوالي ثلاثة أسابيع في الولايات المتحدة، تجول بين ولاياتها، حيث ألقى خطابا مؤثرا بالأمم المتحدة، دعا فيه شعوب العالم إلى طي صفحة الاستعمار والانتقال إلى الجهاد الأعظم.
كان محمد الخامس معجبا بالحس الفلسفي لإيزنهاور، خاصة نظرته للسباق نحو التسلح وقولته الشهيرة: «كل بندقية تصنع وكل سفينة حربية تدشن، وكل صاروخ يطلق هو في الحسابات الأخيرة عملية سرقة للقمة العيش من فم الجياع ومن أجساد الذين يرتجفون من شدة البرد ويحتاجون إلى الكساء».
الرئيس لينكولن.. حين استفز جماعة البيضاء مرتين
أغضب فندق لينكولن بالدار البيضاء، الذي بني عام 1917 بتصميم المهندس الفرنسي هيبير بريد، مجلس الجماعة الحضرية مرتين:
فقد احتجت السفارة الأمريكية على محاولة مسح هذا الفندق التاريخي من خريطة الدار البيضاء، كما احتجت فعاليات مهتمة بالثراث المعماري البيضاوي، فاضطرت الجماعة إلى اللجوء لأشغال الترميم، في أفق افتتاحه كفندق 5 نجوم.
وفي المرة الثانية أثار اسم لينكولن الجدل، حين تمت المطالبة بإطلاق اسمه على الزقاق المتاخم للفندق والمتفرع عن شارع محمد الخامس، لكن المطلب ظل أسير رفوف وزارة الداخلية.
لا يمكن الحديث عن تاريخ الوجود السياحي في مدينة من حجم الدار البيضاء، دون الحديث عن فندق لنكولن، الذي يحتل موقعا هاما في قلب شارع محمد الخامس بالدار البيضاء، إنه تاريخ معلمة معمارية موغلة في القدم لكن تعيش منذ سنوات حالة التخلي والإهمال واللعنة أيضا، بعد أن كان في زمن ما ملتقى للعديد من الشخصيات العالمية والوطنية، إبان فترة الحماية، تحول بقدرة قادر إلى مأوى لأطفال وشباب وشيوخ الشوارع.
حتى لا يبتلعه المضاربون العقاريون، أصدرت وزارة الثقافة قرارا (رقم 411.00) في رابع مارس من عام 2000، يقضي بكون «واجهات بناية فندق لنكولن بالدار البيضاء، من المباني التاريخية، والمواقع والمناطق المرتبة في عداد الآثار بولاية الدار البيضاء»، وهو القرار الذي صدر القرار بالجريدة الرسمية رقم 4795 في 15 ماي من نفس السنة.
توجد هذه البناية التاريخية، التي وضع تصميمها المهندس الفرنسي هيبير بريد سنة 1917، على مساحة تقدر بحوالي ثلاثة آلاف متر مربع، تعتبر أول بناية بشارع محمد الخامس (شارع المحطة سابقا)، قبالة السوق المركزي (مارشي سنطرال)، إلا أنها سرعان ما بدأت تفقد بعضا من أجزائها بعد 70 سنة على تشييدها، إذ تعرضت بعض جدران الفندق للانهيار عدة مرات منذ سنة 1984 مرورا بسنة 1989 ثم 2009 و2011.
عاش فندق لينكولن أزهى أيامه في الفترة ما قبل الاستقلال، إذ كان قبلة لفرق أجنبية حلت بالدار البيضاء لمواجهة الوداد واليسام واليوسا والراك وغيرها من الفرق التي كانت تمارس في البطولة بصيغتها الاستعمارية، وحسب “لوبوتي ماركان”، فإن الفندق كان المكان المفضل لجلسات فيليب الفرنسي الذي يحمل إسم «سطاد فيليب» اسمه، وهو من كبار مسيري اليسام.
تحول الفندق في مارس 1965 إلى غرفة للعمليات أثناء الإضراب الشهير لتلاميذ الدار البيضاء، حيث كانت خطط التصدي للغضب الطلابي تتم في جلسة بمطعم مكسيمس، أسفل الفندق، حيث عقد الجنرال محمد أوفقير سلسلة من الاجتماعات مع إدريس بنعمر، عامل مدينة الدار البيضاء، كما جالس بصفته مديرا عاما للأمن الوطني شخصيات عسكرية ومنهم فرقة مرعبة كانت تعرف ب”زيان” تتدخل بشكل عنيف.
ولأن اسم لينكولن يوحي إلى تحرير العبيد، فقد اتخذه كثير من الأفارقة مقاما لهم خلال زيارتهم للمغرب، منهم وزراء ومخبرون وسماسرة.
المغني الأمريكي جيم موريسون ارتبط اسمه بالصويرة فخلدته
يهتم الباحثون في تاريخ الفن العالمي بزيارة جيمي هندريكس إلى المغرب في نهاية الستينات، وتحديدا إلى قرية ديابات بالقرب من مدينة الصويرة على الساحل الأطلسي، لكنهم لا يهتمون كثيرا بعبور أسماء أخرى لها مكانتها في الفن العالمي. لقد حظيت زيارات جيم موريسون وبول ماكارتني وروبرت بلانت إلى المغرب في الستينات والسبعينات من القرن الماضي بتوثيق دقيق.
يعد جيم المغني الرئيسي لفرقة «دي دورز» من أكثر الشخصيات المؤثرة في موسيقى الروك. اشتهر مع فرقته في الستينات لفترة قصيرة، إلا أن الموت لم يمهله طويلا فمات سنة 1971 بسبب فشل القلب وهو في ريعان شبابه، مات في سن الثامنة والعشرين ومن المرجح أن تكون الوفاة مرتبطة بجرعة زائدة من المخدرات.
في كتاب «شاعر في المنفى» من تأليف رايموند مانزيريك، يقر الكاتب بتوجه موريسون إلى جزر السيشيل، وزيارته لقرية في المغرب قال الباحث إنها قريبة من مراكش، والحال أن الأمر يتعلق بمدينة الصويرة خاصة قرة ديابات التي تعد نقطة جذب للبوهيميين والمغنيين المتطرفين.
في المؤلف ذاته يربط رايموند بين سحر الفضاء وعشق جيم موريسون للبحر خاصة الأماكن العذرية التي زارها، بمهنة والد جيم الذي كان بحريا حيث قضى سنوات في البحار والمحيطات ما جعل أفراد أسرته يعشقون نسائم الشطآن.
في زيارته للصويرة رفقة صديقه كليمير، قضى جيم أياما في شاطئ المدينة وعاش حياة خلوية بين البحر والغابة والجبل، ويقول رايموند في مؤلفه إن الفنان الأمريكي تنقل بين مراكش والصويرة وكان يود دخول جزيرة قبالة شواطئ عاصمة العرعار دون أن يفلح في مسعاه، بينما ذهبت كتابات أخرى حول سيرته إلى وجود صديقته «باميلا كورسون» معه خلال زيارته للصويرة. وهناك من قال إن أغنيته الشهيرة «عندما تنتهي الموسيقى» التي كتبها موريسون عام 1969، قد كتبت في ديابات وهي القطعة التي قال عنها: «في كل مرة أسمع فيها هذه الأغنية، تعني شيئا جديدا لي. لقد بدأت كأغنية وداع لفتاة، لكني أرى أنها نوع من توديع الطفولة. حقًا لا أعرف، أعتقد أنها معقدة بما فيه الكفاية لكي تصبح أي شيء تريده».
قدر المغني الرئيسي لفرقة «دي دورز»، جيم موريسون، الذي أطلقت عليه مجلة «رولينغ ستون» لقب مغني جميع العصور، أن يموت سنة 1971، تماما مثلما مات عدد من الفنانين العالميين، حيث لف الغموض نهايته، «لم يتمكن أحد من رؤية جثة موريسون باستثناء صديقته «باميلا كورسون»، وذلك ما دفع البعض للشك في حقيقة موت المغني. وتفيد إحدى النظريات أن موريسون زيف موته، وذلك استنادا لما ورد من جانب آخر، يعتقد البعض أن ألفيس بريسلي ومايكل جاكسون لم يتوفيا، بل قاما بالأمر ذاته».
وذكر الكاتب برنيت في كتاب صدر له باللغة الفرنسية بعنوان «نهاية جيم موريسون» عن صدمته لدى رؤية المغني الشهير الوسيم الآتي من كاليفورنيا، وقد تحول إلى كومة هامدة داخل حجرة الحمام الضيقة في الملهى. وأضاف: «أعتقد أن اثنين من مروجي المخدرات حملوا جثة موريسون إلى بيته حيث تركوه في حوض الاستحمام».





