
النعمان اليعلاوي
تتصاعد وتيرة النقاش حول ضرورة مراجعة مدونة الشغل، بعد مرور أكثر من عقدين على دخولها حيز التنفيذ، في ظل مطالب متزايدة من النقابات وممثلي الشغيلة بإدخال تعديلات جوهرية على عدد من مقتضياتها، التي يعتبرون أنها لم تعد قادرة على مواكبة التحولات العميقة التي يعرفها سوق العمل الوطني.
وأكد يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، في جلسة الأسئلة الشفوية التي عقدها مجلس النواب، الاثنين الماضي، أن الحكومة ملتزمة بموجب الاتفاق الاجتماعي أبريل 2024 لفتح ورش مدونة الشغل. وكشف السكوري أنه راسل النقابات في شتنبر الماضي، وتوصل منها بأجوبة، مشددا على أن الحكومة تريد الذهاب نحو ورش التعديل بالإجماع، مشيرا إلى وجود خيارين، إما أن تقوم الحكومة بإخراج مشروع قانون لتعديل مدونة الشغل يتضمن إصلاحات، أو تقديم مقترح قانون من طرف الفرق البرلمانية في حال عجز الحكومة عن تعديل المدونة.
وكشفت مصادر نقابية أن وزارة التشغيل كانت قد راسلت المركزيات من أجل إعداد مذكرات حول منهجية الاشتغال على تعديل مدونة الشغل، وتقديم مقترحاتها بخصوص التعديلات المرجوة، في أفق الإعداد لجولة الحوار التي ستنطلق في الأشهر القادمة. وتأتي هذه الدعوات في سياق اجتماعي واقتصادي يتسم بارتفاع حوادث الشغل وتزايد الإصابات داخل عدد من المقاولات، مقابل محدودية إمكانيات أجهزة تفتيش الشغل، التي تجد صعوبة في تغطية مختلف القطاعات ومراقبة مدى احترام القوانين المنظمة لعلاقات العمل، ما يطرح تساؤلات حول نجاعة الإطار التشريعي الحالي في حماية الأجراء.
وفي هذا السياق، تقدم الفريق الاشتراكي بمجلس النواب بمقترح قانون يرمي إلى تعديل المادة 272 من القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل، في خطوة وصفها أصحابها بأنها استجابة للتحولات الحقوقية والاجتماعية والدستورية التي شهدها المغرب خلال العقدين الأخيرين.
ويقضي هذا المقترح برفع مدة الغياب المسموح بها بسبب المرض من 180 يوما إلى 270 يوما متواصلة، مع إمكانية تمديدها إلى سنة كاملة في الحالات المرتبطة بالأمراض المزمنة أو الخطيرة التي تستدعي علاجات طويلة الأمد، شريطة الإدلاء بشهادة طبية صادرة عن السلطات الصحية المختصة، بهدف ضمان التوازن بين حماية الأجير والحفاظ على استمرارية المقاولة.
ويؤكد الفريق البرلماني أن هذا التعديل ينسجم مع مقتضيات الدستور، سيما الفصل 31 الذي ينص على الحق في العلاج والعناية الصحية، والفصل 34 الذي يلزم السلطات العمومية بوضع سياسات عمومية تراعي حاجيات الفئات الهشة، وفي مقدمتها الأجراء الذين يجدون أنفسهم مهددين بفقدان مناصب شغلهم بسبب ظروف صحية خارجة عن إرادتهم.
وفي سياق متصل، كان وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، شدد، في أكثر من مناسبة، على أن إصلاح مدونة الشغل يعد ورشا مركزيا ضمن الجولة الأخيرة من الحوار الاجتماعي، مؤكدا أن المراجعة الشاملة لهذا النص القانوني ستسهم في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وبناء مجتمع متوازن يضمن حقوق جميع الأطراف.
وأشار الوزير إلى أن النسخة الحالية من المدونة لم تعد قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها سوق الشغل، سواء من حيث بروز أشكال جديدة للعمل، أو تطلعات الأجيال الصاعدة نحو ضمانات اجتماعية أوفر، وحماية أكبر في مواجهة الهشاشة المهنية.
وبينما تتباين المواقف بين من يرى في مراجعة مدونة الشغل ضرورة ملحة لتعزيز حماية الأجراء وتحسين شروط العمل، ومن يحذر من تعديلات قد تثقل كاهل المقاولات وتؤثر على قدرتها التنافسية، يبدو أن هذا الملف بات مطروحا بإلحاح على طاولة النقاش السياسي والاجتماعي.





