
يونس جنوحي
هذا الأسبوع نشر صندوق النقد الدولي تقريرا مفصلا عن أداء السياسة النقدية المغربية، وإصلاحات إطار السياسة النقدية.
يتعلق الأمر بورقة بحثية، نشرها صندوق النقد الدولي بهدف تسليط الضوء على جديد السياسة النقدية في المغرب، بعد تبني إصلاحات تحديث إطار السياسة النقدية الذي شُرع فيه سنة 2018.
تسلط الورقة الضوء على تداعيات ونتائج مرونة أسعار الصرف، واتصالات البنك المركزي لمواجهة تهديد التضخم.
الملاحظ أن التقرير ليس موجها إلى «المراقبين»، بقدر ما هو موجه أساسا إلى الأكاديميين والمتخصصين في شؤون السياسات النقدية.
الأسواق الناشئة حول العالم تثير دائما اهتمام «حيتان» خبراء البنك الدولي والمتخصصين في تقييم السياسات المالية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالقارة الإفريقية.
في العام 2008، في عز الأزمة المالية العالمية، اتضح أن الخبراء كانوا ينحنون للعاصفة عندما يتعلق الأمر بانتقاد السياسة المالية لدولة بقوة ألمانيا، أو الولايات المتحدة، بينما يتحولون إلى «مُشخصين» لأعطاب اقتصاد الدول النامية، خصوصا الدول الإفريقية، ولا يتأخرون في التعبير عن ضرورة إدخال الإصلاحات.
هؤلاء الخبراء، لا يجنون المال بشكل مباشر من وراء بيع «الخبرة» إلى من يطلبها، لكنهم يحصدون التعويضات عن طريق بيع الاستشارات والدراسات التي تتبناها مكاتب دراسات توجد مقراتها في نيويورك ولندن.
اللغة الإنجليزية تعتبر لدى غالبية المسؤولين الماليين في الدول الإفريقية نصف الحل.
اعتماد مكاتب دراسات ناطقة بالإنجليزية ليس «موضة» وحسب، بل هو بحث عن بقعة ضوء في عتمة الأزمة الخانقة التي تطوق اقتصاد دول تخضع لتحديات الديون وطرق السداد التي يفرضها البنك الدولي.
هناك نفور من مكاتب الدراسات الفرنسية، خصوصا في دول إفريقيا جنوب الصحراء.. النماذج الإفريقية التي حققت إقلاعا اقتصاديا بعد سنة 2010، ارتبطت كلها بالسوق الدولية الحرة الناطق باللغة الإنجليزية. في حين أن الفرنسية بقيت حبيسة عقود الديون وعقود الشركات الفرنسية، التي احتكرت السوق الإفريقية بقوة منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
بالعودة إلى دراسات صندوق النقد الدولي، اهتمت أيضا بموضوع إعانات الطاقة النظيفة في شمال إفريقيا والعالم العربي بشكل عام.
ودراسة أخرى عن مخاطر إعادة التدوير ونقل المخاطر الصناعية.
عندما يتعلق الامر بالسياسة النقدية، يكون التقرير محايدا، وينسب ما جاءت به الدراسة إلى الجهات التي أجرتها.
لكن عندما يتعلق الأمر بمواضيع تتعلق بمصالح الشركات العالمية، خصوصا في أوروبا، فإن التقارير تتحول إلى ما يشبه توصيات تنجزها مكاتب دراسات بارزة. القائمون على صندوق النقد الدولي يحبون دائما إعطاء الدروس، واقتراح الحلول أمام الحكومات. لكن في النهاية، لا يملك خبراؤهم إلا أن يقفوا متفرجين على تقلبات السوق العالمية.
سياسات صندوق النقد الدولي، وحدود اختصاصاته، تبقى دائما محط انتقاد من طرف خبراء عالميين ومراقبين.
ويدرس التقرير الصادر هذا الأسبوع حول المغرب، في 42 صفحة كاملة، مدى فعالية نقل السياسة النقدية، لكنه أغفل الإجابة عن التساؤلات المتعلقة بتطلعات الاستثمار.
ورغم أن منصات دولية تضع المغرب في صدارة الدول الإفريقية التي يضع عليها المستثمرون الأجانب أعينهم، إلا أن أغلب المؤسسات المالية الدولية تتجنب الإقرار بالمكانة التي يشغلها المغرب في ترتيب الدول الإفريقية التي تشجع على الاستثمار.
غالبا ما يتحاشى صندوق النقد الدولي نشر دراسات تسلط الضوء على الأداء الاقتصادي والسياسة المالية لدول متقاربة يجمعها الحيز الجغرافي قبل أرقام الاقتصاد. لكن دراسات من هذا النوع تبقى مطلوبة، خصوصا أن جنوب إفريقيا، التي أظهرت مواقف معادية للمغرب ووحدته الترابية في أكثر من مناسبة، تعرف منافسة قوية من دول إفريقية صاعدة، خصوصا في مجال الخدمات، كانت إلى وقت قريب لا تُذكر إلا في نشرات الأخبار باعتبارها مناطق توتر وحروب أهلية.





