حمضي يضع علاقة المواطن بالمؤسسات تحت المجهر
عدم مواكبة الدولة لزمن الناس يتسبب في خسارة ثقتهم و مشروع الدولة الاجتماعية يمكن أن يعيد بناء العلاقة بين المواطن والدولة

النعمان اليعلاوي
في كتابه الجديد «زمن الناس وتوقيت الدولة»، يفتح عبد الرفيع حمضي نقاشا يتجاوز حدود المقالات السياسية والاجتماعية إلى مساءلة طبيعة العلاقة التي تربط المواطن بالمؤسسات، وما يعتري هذه العلاقة من اختلالات، حين تتباعد إيقاعات الحياة اليومية عن زمن القرار الإداري والسياسي. فمن خلال سبعين مقالا تتناول قضايا الأسرة والطفولة والتعليم والصحة والانتخابات والهجرة والتحولات الدولية، يحاول الكاتب التقاط أثر التحولات الكبرى في تفاصيل حياة المغاربة، بعيدا عن الاكتفاء بالأرقام والخطابات الرسمية.
في هذا الحوار، يقدم حمضي تصوره لمعنى الدولة التي تجعل الإنسان في صلب سياساتها، معتبرا أن التحدي لا يكمن، فقط، في الاعتراف القانوني بالحقوق، بل، كذلك، في تمكين المواطنين من ممارستها فعليا، وفي جعل الإدارة فضاء لتيسير الخدمات لا مصدرا إضافيا للمعاناة. ويتوقف حمضي، أيضا، عند حدود مشروع الدولة الاجتماعية وشروط تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، ويناقش أزمة الثقة في الأحزاب السياسية، وعلاقة الشباب بالمؤسسات والتحولات التي تعرفها الأسرة المغربية.
حاوره: النعمان اليعلاوي
لكتابكم الجديد اخترتم عنوان «زمن الناس وتوقيت الدولة»، ما الذي أردتم التعبير عنه من خلال هذا التباعد بين زمن المواطن وزمن المؤسسات؟
التوقيت يقسم اليوم أما الزمن فتمنحه الحياة معنى. بإمكاننا ضبط ساعاتنا على العقرب نفسه، إلا أن لكل منا زمنا داخليا تصنعه الذاكرة والرغبة والانتظار. يمكن أن تمر ساعة خفيفة على من يعيش الفرح وتثقل على من ينتظر خبرا عن مريض.. وللزمن، كذلك، بعد روحي؛ ففي لحظة صفاء يمكن أن يستعيد الإنسان ما بددته أيام من الركض، ومن شأن غياب عزيز أن يشعره بأن شيئا من زمنه توقف، فيما تواصل الساعة دورانها. لذلك أرى أن التوقيت ينظم وجودنا في العالم، بينما يكشف الزمن كيف نعيش هذا الوجود، وما الذي يتركه فينا.
حين ننتقل إلى العلاقة بين المواطن والإدارة في مختلف تجلياتها، يأخذ هذا التمييز معناه السياسي. فالدولة تشتغل وفق زمن التخطيط والتشريع والميزانية، وتحتاج قراراتها إلى التدرج والتراكم. أما المواطن فيعيش حاجته في حاضر لا يستطيع تعليقه: للطفولة سنوات يتشكل فيها المصير، وللمرض لحظة تستدعي العلاج وللشباب طاقة تحتاج إلى أفق. وقد ينتهي الانتظار على الورق بصدور قرار، لكنه يترك في حياة الإنسان أثرا لا يمحوه القرار دائما.
لا أفترض أن زمن الناس واحد أو أن توقيت الدولة يتأخر عنه بالضرورة، فقد تستبق الدولة تحولات المجتمع وتفتح بإصلاحاتها إمكانات لم تكن متاحة.. إلا أن مسؤولية السياسة أن تصل بين ضرورة البناء على المدى الطويل وحق الإنسان في أن يجد لحياته مكانا داخل هذا البناء. فالمواطن يحتاج إلى أن يفهم ما ينتظره، وأن يلمس ما يتحقق وأن يشعر بأن ما يبذله من صبر يقابله التزام.
هذا هو السؤال الذي أردت أن يحمله العنوان: كيف يصبح التقدم الذي تسجله المؤسسات تقدما يعيشه الناس؟ وكيف نمنح المستقبل حقه في التخطيط، من دون أن نفقد الحاضر قيمته؟ فالدولة تخطط لمستقبل جماعي، والإنسان يعبر نحوه بعمر واحد؛ ومن مسؤولية السياسة أن تجعل هذا العبور جديرا بالأمل.
يتضمن الكتاب سبعين مقالا تتناول قضايا تبدو متباعدة، من الأسرة والطفولة إلى السياسة والانتخابات والهجرة والتحولات الدولية.. ما الخيط الناظم الذي يجمع هذه الموضوعات؟
قد تبدو الموضوعات متباعدة إذا قرأنا عناوينها، لكنها تتقارب حين ننظر إلى الإنسان الذي يعيشها. فالطفل داخل الأسرة هو نفسه التلميذ في المدرسة، ثم الشاب الباحث عن عمل وربما المهاجر أو الناخب أو المحتج. نحن الذين قسمنا حياته إلى قطاعات وملفات، بينما يعيشها هو بوصفها حياة واحدة مترابطة.
أكتب عن السياسة حين أتحدث عن المستشفى، وعن الإنصاف حين أستعيد حكاية مطعم مدرسي وعن المجتمع حين أتوقف عند جنازة أو نكتة أو مباراة كرة. والخيط الذي يجمع هذه الموضوعات هو محاولة فهم ما يتغير في حياتنا، وكيف تتفاعل معه المؤسسات، وما يكسبه الإنسان أو يخسره خلال هذا التحول.
هل يمكن اعتبار الكتاب محاولة لكتابة تاريخ المغرب المعاصر من خلال تفاصيل الحياة اليومية، بعيدا عن الروايات الرسمية الكبرى؟
لا أدعي لنفسي عمل المؤرخ، فللتأريخ أدواته ومقتضياته في التوثيق والمقارنة. ما أقدمه أقرب إلى شهادة كاتب عاش بعض هذه التحولات، وكان أحيانا داخل المؤسسات، وأحيانا في موقع مساءلتها.
لكنني أعتقد أن تفاصيل الحياة اليومية تحفظ شيئا قد لا تحفظه الوثائق الكبرى: كيف كان الناس ينتظرون، ومم كانوا يخافون، وكيف كانوا يتضامنون ويختلفون. فقرار إنشاء مدرسة يخبرنا عن سياسة عمومية، أما حكاية طفل داخلها فقد تخبرنا بما فعلته تلك السياسة في حياته. لذلك لا أضع هذه الكتابة في مواجهة الرواية الرسمية، إنما أبحث عما لا تتسع له عادة وعن الأصوات التي تخفت حين نكتفي بالأرقام.
لماذا اخترتم العودة إلى مقالات كُتبت على هامش الأحداث، وإعادة جمعها في كتاب؟ هل تمنح المسافة الزمنية الكاتب قدرة أكبر على فهم ما جرى؟
أكتب مقالة الرأي لأن حدثا ما يوقظ في ذهني سؤالا، أو يستدعي تجربة أو يدفعني إلى اتخاذ موقف. يمنح الحدث الكتابة مناسبتها، غير أن السؤال الذي يفتحه قد يظل معنا بعدما تتراجع تفاصيله من الذاكرة. لذلك وجدت، عند العودة إلى هذه النصوص، أن ما كتبته في مناسبات متفرقة يجمعه انشغال مستمر بعلاقة الإنسان بالمؤسسة، وبما يتغير في مجتمعنا وطريقة عيشنا معا.
جمع المقالات في كتاب يتيح قراءة هذه الصلات؛ فقد تكشف مقالة معنى في أخرى، وقد يظهر من تجاورها سؤال لم يكن واضحا بالقدر نفسه لحظة كتابة كل واحدة منها. بهذا المعنى يصبح الكتاب فرصة لإعادة التفكير في ما كتب، ولتقاسم هذا التفكير مع القارئ.
أما المسافة الزمنية فتمنح الكاتب فرصة للتحرر قليلا من ضغط اللحظة وحرارتها. قد يرى ما غاب عنه، أو يكتشف أنه استعجل حكما أو منح واقعة أكثر مما تستحق. وأعتقد أن كاتب الرأي يحتاج إلى هذه العودة، لأن صدق الموقف لا يضمن دائما دقة القراءة. لا أعود إلى مقالاتي لأبحث عما يثبت أنني كنت على حق؛ يهمني أيضا أن أفهم لماذا رأيت الأمور بتلك الطريقة، وما الذي أراه اليوم على نحو مختلف.
سبق أن أصدرتم كتابي «مقالات في السياسة والمجتمع» و«قراءات في مغرب التحول».. ما الذي يميز هذا العمل الجديد عن تجربتكم السابقة في قراءة المجتمع المغربي؟
أراه امتدادا للتجربة أكثر مما أراه قطيعة معها. ما زلت أنطلق من واقعة أو حكاية، وأحاول أن أصل منها إلى سؤال يهم المجتمع. وما زلت أكتب من موقع يجمع تجربة القانون والإدارة والعمل الحقوقي، بما يحمله هذا الجمع من معرفة وما يثيره من أسئلة وتوترات أيضا.
ربما يتميز هذا العمل بأن السؤال الذي يجمع النصوص أصبح أوضح: كيف يعيش الناس التحولات التي نتحدث عنها؟ ففي «قراءات في مغرب التحول» كان التركيز على مغرب يتغير؛ وهنا أتوقف أكثر عند أثر هذا التغير في حياة الناس، وعند المسافة بين ما تقرره المؤسسة وما يصل إلى المواطن. إنها مواصلة للسؤال من زاوية أقرب إلى التجربة اليومية.
يتكرر في عنوان الكتاب سؤال الزمن، هل تعتقدون أن أحد أعطاب الإدارة المغربية يكمن في عدم قدرتها على مواكبة إيقاع التحولات الاجتماعية وانتظارات المواطنين؟
في تقديري يتجاوز عطب الإدارة مسألة التأخر عن التحولات الاجتماعية، ليشمل مدى مواكبتها للتحولات الاقتصادية والسياسية أيضا. ولا أحد ينكر المجهودات المبذولة لتحديثها، من الرقمنة إلى تبسيط المساطر وتحسين الاستقبال.. لكن أثر هذه المجهودات يظل رهينا بتغيير أعمق في الثقافة الإدارية، وفي نظرة الإدارة إلى المواطن وإلى وظيفتها تجاهه.
فالإدارة وجدت لخدمة المواطن وتيسير ممارسته لحقوقه. وحين تتحول إلى عبء عليه، يدفع وقته وجهده وماله لتجاوز تعقيداتها، يصبح السؤال متعلقا بفهمها لسبب وجودها. هل تعتبر مهمتها البحث عن الحل القانوني الممكن، أم تكتفي بالبحث عن المانع الذي يبرر رفض الطلب؟
ومن مظاهر هذا الخلل أن ينظر إلى المرتفق بشك مسبق، كأنه جاء ليتحايل على المسطرة أو لينتزع امتيازا، حتى عندما يكون بصدد طلب حق. وعندها تتكاثر مطالب الإثبات، ويصبح على المواطن أن يبدد الريبة قبل أن يناقش موضوع طلبه. التحقق ضروري لحماية القانون والمال العام، لكن افتراض سوء النية في الجميع يرهق المواطن، ويضعف الثقة ولا يضمن بالضرورة منع التحايل.
لهذا أرى أن الرقمنة، على أهميتها، تحتاج إلى مراجعة طريقة التفكير والعمل. فإذا نقلنا المسطرة المعقدة والنظرة المرتابة نفسيهما إلى منصة إلكترونية، نكون قد غيرنا وسيلة التعطيل أكثر مما غيرنا تجربة المواطن.
وأعرف، من تجربتي داخل الإدارة، أن فيها كفاءات وموظفين حريصين على الخدمة، يحتاجون بدورهم إلى وضوح المسؤوليات وإلى تنظيم يشجع المبادرة ويسند القرار السليم. الإصلاح الحقيقي أن يصبح البحث عن الحل هو الأصل في العمل الإداري، وأن يقاس احترام القانون بقدرته على حماية الحقوق وتيسير ممارستها.
تتحدثون عن الحقوق والإنصاف والمسؤولية، كيف يمكن الانتقال من الاعتراف الدستوري والقانوني بالحقوق إلى ضمان ممارستها فعليا؟
يبدأ الانتقال حين يصبح الاعتراف بالحق التزاما يمكن للمواطن أن يطالب بتنفيذه، وتكون هناك جهة مسؤولة عن ضمانه، ووسيلة فعالة للتظلم عند الإخلال به. فقوة النص القانوني تحتاج إلى مؤسسات وموارد وإجراءات تجعل أثره ملموسا في الحياة اليومية.
هنا ينبغي التمييز بين إتاحة الحق والقدرة الفعلية على ممارسته. قد تكون المدرسة مفتوحة للجميع، لكن بعد المسافة أو غياب النقل يحرم بعض الأطفال من الوصول إليها. وقد تكون التغطية الصحية متاحة، بينما يتعذر الحصول على موعد أو تحمل كلفة التنقل والعلاج. لذلك تقتضي المساواة الانتباه إلى اختلاف أوضاع الناس، وإزالة الحواجز التي تجعل الحق أقرب إلى بعضهم منه إلى آخرين.
وتوضح مقالة «حماية الطفولة.. إنصاف معلن… وإنصات مؤجل» أهمية استكمال البناء المؤسساتي بالنصوص التطبيقية ووسائل التدخل. فالتأخر، الذي يبدو تقنيا في مسار مؤسسة، قد يعني استمرار تعرض طفل للخطر. هنا تظهر الصلة بين ضمان الحق واحترام الزمن الذي يحتاج إليه صاحبه.
يقتضي الانتقال أيضا تغيير العلاقة بين الإدارة والمرتفق: أن يستقبل باعتباره صاحب حق، وأن تكون المعلومة واضحة، والإجراءات ميسرة والقرار معللا وقابلا للمراجعة. ويتحقق المعنى العملي للحقوق حين يستطيع أضعف الناس موقعا أن يمارسها بكرامة، من دون حاجة إلى وساطة أو نفوذ.
هل أصبح المواطن المغربي أكثر وعيا بحقوقه وانتظاراته من المؤسسات، أم أن ارتفاع سقف المطالب لا يواكبه تطور مماثل في الثقة في الفعل السياسي؟
نعم، يمكن أن يرتفع الوعي بالحقوق فيما تتراجع الثقة في قدرة العمل السياسي على ضمانها. فالوعي يتغذى من التعليم وتداول المعلومات والمقارنة واتساع إمكانات التعبير، أما الثقة فتتكون من التجربة: هل احترم الوعد؟ وهل استجابت المؤسسة؟ وهل أفضت المشاركة إلى نتيجة؟
بل إن ارتفاع الوعي يجعل المواطن أكثر انتباها إلى المسافة بين الخطاب والممارسة. لهذا لا ينبغي تفسير النقد المتزايد باعتباره دليلا تلقائيا على فقدان الاهتمام بالشأن العام؛ فقد يعبر عن رغبة قوية في التأثير، تقابلها صعوبة في العثور على قناة يثق صاحبها بجدواها.
وتبرز في «جيل زد… زمن المؤسسات» هذه المفارقة بين الحضور في النقاش والفضاء الرقمي، والفتور تجاه بعض أشكال المشاركة المنظمة. وفي «سبتة… حرقة الأسئلة»، يحضر مطلب الاعتراف: حاجة الشاب إلى أن يكون مسموعا، وأن يجد لرأيه قيمة ولمبادرته مكانا. فالثقة تتصل أيضا بطريقة معاملة الإنسان، وبشعوره بأنه شريك في تقرير ما يمس حياته.
لذلك يحتاج العمل السياسي إلى استقبال ارتفاع سقف المطالب باعتباره حافزا لتحسين الأداء، وإلى إتاحة مشاركة يظهر أثرها في القرار. فالوعي بالحقوق يتحول إلى ثقة حين يجد مؤسسات تستجيب، ومسؤوليات واضحة، ونتائج يمكن تقييمها ومحاسبة أصحابها.
يحتل مفهوم الدولة الاجتماعية مكانة مهمة في النقاش العمومي المغربي، هل نحن أمام تحول فعلي في طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن، أم أن الأمر لا يزال في مرحلة بناء البرامج والآليات؟
أعتبر مشروع الدولة الاجتماعية من التحولات الكبرى التي يمكن أن تعيد بناء العلاقة بين المواطن والدولة، لأنه يجعل الحماية من المرض والفقر ومخاطر الحياة مسؤولية عمومية، ويمنح المواطن قدرا من الأمان يستطيع أن يبني عليه مستقبله. وهذه أهمية تتجاوز تقديم المساعدة إلى ترسيخ الشعور بالانتماء: أن يعرف الإنسان أن بلده لن يتركه وحيدا حين تضيق به السبل.
لكن الامتحان الحاسم لهذا المشروع هو الديمومة. فالأسرة التي ترتب حياتها على دعم، والمريض الذي يبدأ علاجا، يحتاجان إلى ضمان الاستمرار. من هنا تأتي أهمية التمويل المستدام، وجودة التدبير، وعدالة الاستفادة، ومواكبة الحماية الاجتماعية بخدمات عمومية قادرة على تلبية الحاجات. فهذه شروط تمنح المشروع رسوخه، وتحميه من أن يتسع في الوعود ثم يضيق عند التطبيق.
في «مي عايشة والدولة الاجتماعية» استعدت مطعم مدرسة الحدادين بوزان، وتلك المرأة التي بقيت عنايتها بالأطفال حاضرة في ذاكرتي بعد نصف قرن. استحضرت الحكاية لأبين كيف يترك الفعل الاجتماعي أثره في حياة الإنسان. والطموح اليوم أن تصبح هذه العناية حقا مضمونا، تتوافر له الموارد والمؤسسات التي تكفل استمراره عبر الأجيال والحكومات. فالدولة الاجتماعية تترسخ حين يستطيع المواطن أن يطمئن إلى حماية الغد، كما يستفيد من حماية اليوم.
كيف تقيمون التوازن بين توسيع الحماية الاجتماعية من جهة، وتحسين جودة الخدمات العمومية، خصوصا في الصحة والتعليم، من جهة أخرى؟ وهل يمكن بناء دولة اجتماعية مع استمرار الفوارق؟
في تقديري يقع تقليص الفوارق في صلب معنى الدولة الاجتماعية، لأن وظيفتها تتجاوز مساعدة من تعثروا إلى تصحيح الشروط التي تجعل فئات ومناطق أكثر عرضة للتعثر من غيرها. وإذا استمرت المدرسة وسوق الشغل والخدمات في إعادة إنتاج التفاوت، فسنظل نعالج نتائج الهشاشة بينما تتجدد أسبابها.
هنا تبرز أهمية التمييز بين المساواة والإنصاف. قد نمنح طفلين الحق نفسه في التعليم، لكن أحدهما يجد المدرسة قرب بيته، بينما يقطع الآخر كيلومترات للوصول إليها. الحق واحد في النص وفرص ممارسته مختلفة في الواقع. لذلك قد يقتضي الإنصاف تخصيص موارد أكبر للمناطق والفئات التي تراكم فيها الحرمان، حتى تصبح المساواة ممكنة فعلا.
وللفوارق المجالية أثر يتجاوز نقص التجهيزات؛ فقد تتحول إلى تفاوت تتوارثه الأجيال في فرص الحياة. فحين تجتمع في منطقة واحدة مدرسة ضعيفة، وصعوبة في الحصول على العلاج وندرة في فرص العمل، تصبح البداية أصعب وتضيق إمكانات الترقي الاجتماعي. وعندها يكون لمكان الولادة وزن يفوق ما ينبغي أن يكون له في تحديد مستقبل الإنسان.
لهذا أرى أن بناء الدولة الاجتماعية يقتضي الجمع بين حماية الناس من مخاطر الحاضر وتوسيع قدرتهم على تغيير مستقبلهم: دعم يقي من الحاجة، وتعليم يفتح الفرص، وعلاج يحمي الأسرة من الاستنزاف واستثمار يخلق عملا في المناطق التي تحتاج إليه.. كما يقتضي عدالة في توزيع أعباء التضامن، بحسب القدرة على المساهمة.
لا يعني ذلك انتظار اختفاء الفوارق حتى نبني الدولة الاجتماعية؛ إنما يعني أن نقيس نجاحها بقدرتها المستمرة على تقليصها. فالرهان أن تتحسن حياة من يحتاج إلى الدعم اليوم، وأن تصبح حاجة أبنائه إليه أقل غدا.
إلى أي حد تعكس الاحتجاجات الاجتماعية المتكررة إخفاقا في التواصل بين المؤسسات والمواطنين، أم أنها تكشف اختلالات أعمق في السياسات العمومية؟
في أصل الاحتجاج، هناك اختلال في سياسة عمومية، أو حاجة لم تجد استجابة أو شعور بالحيف لم يجد من ينصفه. ومن يخرج للمطالبة بالماء أو العلاج أو التعليم يعبر عن مشكلة يعيشها، ويطلب أن تصبح أولوية لدى المسؤولين عن معالجتها. لذلك يبدأ الجواب بفهم أسباب الاحتجاج وتحمل المسؤولية في معالجتها.
الاحتجاج السلمي مظهر حضاري من مظاهر المشاركة في الشأن العام؛ يتيح للمجتمع أن يعبر عن مطالبه، وللمؤسسات أن تنتبه إلى ما تعثر في أدائها. إلا أن غياب التواصل، أو تأخره، قد يخرج الاحتجاج عن مساره الطبيعي. فحين لا يجد الناس مخاطبا، أو تتكرر الوعود دون أثر، يتراكم الغضب، وتضيق مساحة الثقة ويصبح احتواء التوتر أصعب.
لهذا نحتاج إلى تواصل يقوم على الإنصات والمشاركة وتبادل المعطيات: أن يفهم المسؤول حقيقة ما يعيشه المواطن، وأن يعرف المواطن الإمكانات المتاحة والإكراهات القائمة والآجال الواقعية للحل. من هذا الحوار يمكن ترتيب الأولويات، وبحث البدائل والاتفاق على التزامات واضحة، مع إشراك المعنيين في متابعة تنفيذها.
فالناس يستطيعون تفهم صعوبة الحل حين يشعرون بأنهم شركاء في البحث عنه، وبأن ما يقال لهم صادق وما يتفق عليه يجد طريقه إلى التنفيذ.
يتناول الكتاب السياسة والانتخابات ضمن قضايا المجتمع، هل ما زالت الأحزاب السياسية قادرة على تأطير المجتمع والتعبير عن انتظاراته، أم أنها أصبحت متأخرة عن التحولات التي يعرفها؟
لا ديمقراطية من دون أحزاب. هذه من أسس البناء الديمقراطي، لأن الأحزاب تتيح للمجتمع أن يحول اختلاف مصالحه وأفكاره إلى اختيارات سياسية، وأن يتنافس على تدبير الشأن العام وفق قواعد مشتركة. ومحاولات تجاوزها تترك، في النهاية، فراغا في التمثيل والمساءلة، مهما بدا خطاب الاستغناء عنها جذابا.
لكن السؤال هو: عن أي أحزاب نتحدث؟ الحزب، في أصله، تعبير عن توجه داخل المجتمع، وعن فئات تتقارب في تصورها للعدالة والحرية وتوزيع الثروة ودور الدولة. من هنا يستمد التعدد الحزبي معناه: أن يجد اختلاف المجتمع تعبيره في برامج واختيارات يستطيع المواطن أن يميز بينها، وأن ينحاز إلى أحدها عن اقتناع.
حين تضعف هذه الصلة، ويتقدم البحث عن المقاعد على بناء الموقف وتأطير الناس، يصبح من الصعب على المواطن أن يعرف ما الذي يميز حزبا عن آخر، ولماذا يمنح صوته لهذا دون ذاك. تناولت في الكتاب هذا التردد بين الحفاظ على هوية سياسية واضحة والانشغال بالحساب الانتخابي. فالسعي إلى الفوز مشروع، لكن قيمته السياسية تتحدد بما يحمله الحزب إلى موقع المسؤولية، وبما يريد إنجازه من خلاله.
في المغرب أعتقد أن تطور المؤسسات والبناء الاقتصادي يحتاج إلى أحزاب تستعيد قدرتها على مواكبته: تفهم التحولات، وتناقش الاختيارات، وتعبر عن آثارها المختلفة في فئات المجتمع وتقترح البدائل. فكلما اتسعت الأوراش، ازدادت الحاجة إلى السياسة وإلى من يصل بينها وبين انتظارات الناس.
صحيح أن وسائل التأثير تغيرت، وعلى الأحزاب أن تتقن الحضور في المنصات الرقمية، وأن تجدد لغتها وطرق تنظيمها، وتفتح المجال للأجيال الجديدة. إلا أن تجديد الوسائل ينبغي أن يخدم وظيفتها الأساسية: بناء الاقتناع، وتنظيم المشاركة وإعداد من يتحملون المسؤولية. الحاجة إلى الأحزاب قائمة، واستعادة الثقة فيها تمر عبر استعادتها لهذه الأدوار.
لماذا تتسع المسافة، أحيانا، بين الخطاب السياسي والواقع اليومي للمواطن؟ وهل تتحمل الأحزاب مسؤولية ذلك أكثر من المؤسسات المنتخبة أم أن المسؤولية مشتركة؟
المسؤولية مشتركة، لكن ينبغي تحديدها بدقة حتى لا تصبح هذه العبارة وسيلة لإعفاء الجميع. الحزب مسؤول عن وعوده ومرشحيه، والحكومة عن اختياراتها وتنفيذها، والمنتخب عن ممارسته لاختصاصاته، والإدارة عن قراراتها وأداء خدماتها. ويؤطر ذلك كله المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة.
غير أن تفعيل هذا المبدأ يحتاج إلى وضوح في التمييز بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الإدارية. فالمسؤول السياسي يختار بين بدائل، ويدافع عن برنامج ويتحمل نتائج تنفيذه. ولذلك يخضع للمساءلة السياسية أمام المؤسسات التمثيلية، وتخضع حصيلته وحصيلة حزبه لحكم الناخبين، فضلا عن الرقابة المالية والقضائية وسائر أشكال المحاسبة القانونية. أما المسؤول الإداري فيحاسب عن مشروعية قراراته وجودة تدبيره واحترامه لاختصاصاته، وفق آليات الرقابة والمساءلة المقررة.
من هنا أرى أن المنصب السياسي يجب أن يتحمله شخص يقبل مسؤوليته السياسية كاملة. قد يأتي من الإدارة، وقد تكون له كفاءة تقنية عالية، لكن انتقاله إلى موقع سياسي يرتب عليه التزامات تتجاوز حسن تدبير الملفات. عليه أن يشرح اختياراته، ويدافع عنها، ويستمع إلى الاعتراض عليها، ويتحمل تبعات نجاحها أو تعثرها. فلا يستقيم أن يمارس سلطة سياسية، ثم يحتمي بصفة الإداري أو التقني حين يحين وقت المساءلة.
هذا الخلط يوسع المسافة بين الخطاب والواقع، لأنه يجعل القرار حاضرا وصاحبه السياسي غائبا. والمواطن يحتاج إلى أن يعرف من اختار، ومن نفذ، ومن يحاسب، وعلى أي أساس.
السياسة تستعيد احترامها حين يقول صاحب المسؤولية بوضوح: هذا ما التزمت به، وهذا ما أنجزت، وهذا ما تعثر وهذه مسؤوليتي فيه. أما أن نمنح شخصا صلاحيات المنصب السياسي ونعفيه من كلفته السياسية، فذلك إفراغ لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من معناه.
كيف تقرؤون علاقة الشباب بالسياسة في المغرب؟ هل يتعلق الأمر بعزوف عن المشاركة، أم برفض لأشكال الوساطة السياسية التقليدية؟
أعتقد أن السؤال أصبح أكبر من ثنائية العزوف والمشاركة. فالشباب المغربي، بحجمه وبتكوينه وتنوع خبراته وقدرته على فهم ما يجري داخل بلده وفي العالم، لم يعد يقبل موقع المتفرج. لقد ولى زمن مطالبته بالانتظار، كما ولى زمن الحديث عن إشراكه باعتباره شعارا نرفعه في المناسبات. نحن أمام طاقات تريد أن تجد مكانها في تدبير الحاضر وصناعة المستقبل.
حين يناقش الشباب التعليم والصحة والشغل والعدالة، فهم يعبرون عن اهتمام بالشأن العام، حتى إن فعلوا ذلك خارج القنوات المعتادة. والمطلوب أن ننصت إلى مضمون كلامهم، وأن نفهم أولوياتهم وأن نتيح لهم المشاركة في صياغة الأجوبة عنها. لا يكفي أن نستدعيهم إلى لقاء ثم نعود إلى اتخاذ القرارات بالطريقة نفسها؛ ينبغي أن يظهر أثر مشاركتهم في البرامج والاختيارات وفي تحمل المسؤولية.
من هنا أفهم الأهمية التي أعطتها التوجيهات الملكية لموضوع الشباب، ولضرورة أن يحتلوا مكانة خاصة في عمل الحكومة وبرنامجها خلال الولاية الحالية. إنها أولوية تستدعي ترجمة عملية في فرص التعلم والعمل والمبادرة، وفي فتح مواقع القرار أمام الكفاءات، وفي إشراك الشباب في إعداد السياسات التي تمس حياتهم وتقييم نتائجها.
وهنا تقع على الأحزاب والمؤسسات مسؤولية تجديد طرق عملها، حتى تتسع لهذه القدرات ولأشكال التعبير الجديدة. ويقع على الشباب أيضا أن يحولوا معرفتهم وطاقتهم النقدية إلى اقتراح وتنظيم وممارسة للمسؤولية.
الشباب عنصر أساسي في المغرب الجديد، وعلى مؤسساتنا أن تعكس هذه الحقيقة في طريقة اشتغالها. فالبلد يحتاج إلى قدراتهم الآن، وبناء الثقة يبدأ حين يجدون أن صوتهم مسموع، وأن كفاءتهم تفتح لهم بابا وأن مشاركتهم تستطيع أن تغير قرارا.
ما أبرز التحولات التي تعرفها الأسرة المغربية، وما الذي تكشفه عن تغير القيم؟
أرى أن الأسرة المغربية تعيش تحولا في توزيع السلطة والمسؤولية داخلها. لم تعد قرارات الدراسة والعمل والزواج تتخذ بالطريقة نفسها، وأصبح الأبناء يناقشون اختيارات كانت تحسم أحيانا دون مشاركتهم. كما تغير موقع النساء وتطلعاتهن، وأصبحت الحياة الأسرية تحتاج إلى قدر أكبر من الحوار والتوافق على الأدوار.
في مقالة «الزواج… المسكوت عنه»، توقفت عند مفارقة أننا نستعد كثيرا للعرس، وأقل منه للزواج. ننشغل بالحفل وتفاصيله، وقد نؤجل أسئلة سترافق الزوجين سنوات: كيف سيدبران المال؟ وكيف سيتقاسمان مسؤوليات البيت وتربية الأطفال؟ وأين تنتهي تدخلات العائلتين وتبدأ خصوصية الزوجين؟ هذه الأسئلة تكشف أن استمرار الأسرة يحتاج إلى استعداد ومعرفة، إلى جانب العاطفة وحسن النية.
لا أقرأ هذه التحولات كلها بوصفها تفككا؛ فبعض ما نسميه أزمة يعبر عن صعوبة تعلم علاقات أكثر إنصافا، يصبح فيها لكل فرد صوت وحقوق ومسؤوليات. لكن الأسرة تتحمل أيضا أعباء ثقيلة: تعثر استقلال الأبناء، ورعاية المسنين، وكلفة المرض والسكن والتربية.
لذلك دعوت في المقال إلى التفكير في تأهيل المقبلين على الزواج ومواكبتهم قبل تفاقم الخلافات. حماية الأسرة تبدأ بالاهتمام بشروط حياتها اليومية، وبمساعدة أفرادها على فهم بعضهم وتحمل مسؤولياتهم، مع عناية خاصة بالأطفال حين يتعثر التفاهم بين الكبار.
هل نحن أمام تحول في القيم أم صراع بين القديم والجديد؟
أعتقد أننا أمام إعادة تشكل للقيم، يصاحبها توتر وتناقض، ولا يمكن اختزالها في مواجهة بين جيل محافظ وآخر متحرر. فالقديم والجديد يتجاوران داخل الشخص نفسه؛ قد ندافع عن الاستحقاق ثم نبحث عن وساطة، ونطالب باحترام حريتنا ثم نضيق باختيار مختلف يمارسه غيرنا.
في «التراويح… خشوع الداخل وارتباك الخارج»، انطلقت من مشهد سيارات تعرقل الطريق قرب المسجد، لأتساءل عن المسافة بين القيمة التي نؤمن بها والسلوك الذي نمارسه. كيف يستقيم الحرص على العبادة مع إغفال حق الآخرين في المرور؟ هنا لا يتعلق الأمر بصراع بين قيم قديمة وأخرى جديدة؛ فمراعاة الغير قيمة أصيلة، لكن امتحانها يقع في تفاصيل الحياة.
وحين أستعيد في الكتاب طقوس رمضان أو «لوزيعة» و«تمشرط»، أحاول فهم ما كانت تؤديه من وظائف في التضامن وتقوية الروابط، وما يمكن أن يبقى منها أو يتجدد مع تغير المجتمع. فالذاكرة تساعدنا على الفهم، لكنها لا تعفينا من مساءلة الماضي؛ فقد عرف التضامن، وعرف أيضا الإقصاء والصمت المفروض.
السؤال الذي يشغلني هو: كيف نحافظ على العناية بالآخر، ونوسع في الوقت نفسه حريته وحقه في الاختلاف؟ وأرى أن الجواب يبدأ حين تتحول القيم التي نعلنها إلى التزامات نطبقها على أنفسنا، خاصة عندما تتعارض مع مصلحتنا أو راحتنا.
كيف أثرت التحولات ووسائل التواصل في علاقة الشباب بالمجتمع والمؤسسات؟
أصبح الشاب يعيش في محيط تتجاوز حدوده أسرته ومدرسته ومدينته. يرى تجارب الآخرين، ويقارن فرص التعلم والعمل وأنماط العيش، ويكون رأيا في ما يجري. كما أصبح قادرا على نشر تجربته ومساءلة المسؤول وحشد الاهتمام بمطلب، دون أن ينتظر المرور عبر الوسائط التقليدية.
في «جيل زد… زمن المؤسسات»، توقفت عند المفارقة بين هذا الحضور في النقاش والفضاء الرقمي، وبين الفتور تجاه بعض أشكال المشاركة المنظمة. وهي مفارقة تدعونا إلى مراجعة معنى المشاركة، وإلى التساؤل عما إذا كانت مؤسساتنا تتيح للشباب تأثيرا يوازي ما تطلبه منهم من انخراط.
لكن سرعة التعبير والتعبئة لا تفسر وحدها ما يجري. ففي «سبتة… حرقة الأسئلة»، طرحت سؤالا أراه أساسيا: لماذا تجد دعوة متداولة في المنصات من يستجيب لها؟ البحث في مصدر الدعوة مهم، لكنه يحتاج إلى فهم ما يجعلها مقنعة لشاب يبحث عن أفق أو اعتراف أو مكان داخل المجتمع.
لهذا لا تكفي مواكبة المؤسسات بفتح حسابات رقمية. عليها أن تراجع طريقة الإنصات والجواب، وأن توسع فرص المشاركة والمبادرة. وفي المقابل تحتاج المدرسة والأسرة إلى مساعدة الشباب على التحقق من المعلومات وفهم ما وراء الصور والوعود. فالرهان أن تتصل قدرتهم المتزايدة على التعبير بقدرة فعلية على الفهم والاقتراح والتأثير في القرار.
هل الهجرة مشروع فردي لتحسين شروط العيش أم تعبير عن أزمة أمل؟
من تجربتي مع قضايا الهجرة، تعلمت الحذر من تفسيرها بسبب واحد. فقد تكون مشروعا للدراسة أو العمل أو الالتحاق بالأسرة، وقد تكون رغبة في تجربة حياة مختلفة، وقد تعبر أيضا عن ضيق الأفق داخل البلد. وتختلف هذه الدوافع، وقد تجتمع لدى الشخص نفسه.
في «سبتة… حدود الحلم»، استعدت نقاشا مع خبير إيطالي كان يدرس هجرة القاصرين، واقترح دعما ماليا للأسر يساعد على إبقاء أبنائها في المغرب. كان جوابي أن هجرة القاصر قد تكون مشروع أسرة كاملة، تعبئ له مواردها وتعلق عليه آمالها. لذلك يصعب فهمها بالاقتصار على دخل الفرد أو على منحة قد تعرض عليه للبقاء.
فالناس يقارنون أيضا جودة الخدمات، وتقدير الكفاءة، وإمكان الترقي، والإحساس بالكرامة. وقد تصبح صورة الخارج مؤثرة في تطلعاتهم، حتى حين لا يعرفون كلفته وصعوباته بما يكفي. ومن هنا جاء السؤال في المقال: كيف نجعل الحلم بالمغرب كبيرا بالقدر نفسه؟
وفي «الدياسبورا… زمن اقتصاد المعرفة»، يتسع النظر إلى مغاربة العالم بوصفهم رصيدا من الخبرات والمعارف والصلات التي يمكن أن تسهم في مستقبل البلد. لذلك أرى أن المطلوب هو توسيع أسباب البقاء والعودة والتواصل، مع احترام اختيار الهجرة. فالانتماء يستطيع أن يستمر عبر الحدود، وتقوى معانيه حين يشعر الإنسان أن بلده يقدر كفاءته ويتيح له المشاركة، أينما أقام.
كيف نحافظ على التماسك الاجتماعي ونحترم الاختلاف؟
أرى أن التماسك الاجتماعي يقوم على شعور الناس بأن لهم مكانا وحقوقا داخل المجتمع، وبأن اختلافهم لا يعرضهم للإهانة أو الإقصاء. نستطيع أن نتقاسم وطنا وقواعد للعيش المشترك، وأن نختلف في الأذواق والآراء وطريقة النظر إلى الحياة.
في مقالة «هركاوة… «الشعيبية» تهزم حسن الفد»، تناولت التوتر والعنف اللفظي وصعوبة تقاسم الفضاء العام. وهي أمور تبدو صغيرة قياسا إلى الأوراش الكبرى، لكنها تحدد كيف يعيش الناس معا: كيف نختلف داخل العمارة؟ وكيف نتعامل في الشارع والإدارة ومواقع التواصل؟ وهل نقبل للآخر الحق الذي نطالب به لأنفسنا؟
وفي «إنت تطلع ابن مين؟»، ناقشت وجها آخر للمسألة: أن يحاسب الإنسان على فعله، وألا يحميه اسم أسرته أو يتحول إلى عقوبة إضافية عليه. فالإنصاف يقتضي مقاومة الامتياز، كما يقتضي مقاومة التشهير والانتقام الجماعي. ويضعف التماسك حين يشعر بعض الناس أنهم فوق القواعد، أو يشعر آخرون أنهم محرومون من حمايتها.
لهذا أرى أن احترام الاختلاف يحتاج إلى قانون عادل، ومدرسة تعلم الحوار، وثقافة توسع قدرتنا على فهم تجارب غيرنا، وسياسات تقلص الشعور بالحيف. ويتعلم المجتمع الاطمئنان إلى اختلافه حين يثق أفراده بأن كرامتهم وحقوقهم مصونة. وبين ما يقال وما لا يقال… نحتاج إلى أن نختلف من دون أن نفقد الإحساس بأن هذا الوطن يتسع لنا جميعا.
+++
عبد الرفيع حمضي في أسطر
كاتب وباحث مغربي مهتم بقضايا السياسة والمجتمع والإدارة والحقوق، راكم تجربة مهنية تجمع بين الاشتغال داخل المؤسسات والانخراط في النقاش العمومي حول قضايا الحكامة والإصلاح. صدرت له مجموعة من المؤلفات، من بينها «مقالات في السياسة والمجتمع» و«قراءات في مغرب التحول»، قبل أن يعزز رصيده الفكري بكتاب «زمن الناس وتوقيت الدولة»، الذي يضم سبعين مقالا تتناول قضايا متنوعة، من الأسرة والطفولة إلى السياسة والانتخابات والهجرة والتحولات الدولية.
ينطلق حمضي في كتاباته من تفاصيل الحياة اليومية لفهم التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، مسلطا الضوء على العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وعلى المسافة الفاصلة بين الاعتراف القانوني بالحقوق وممارستها الفعلية. كما يهتم بقضايا الدولة الاجتماعية، وإصلاح الإدارة، وتجديد العمل الحزبي وتعزيز الثقة في المؤسسات، مستندا إلى مقاربة تربط التحليل السياسي والاجتماعي بالتجربة الإنسانية.
+++
نوافذ
++
ارتفاع الوعي يجعل المواطن أكثر انتباها إلى المسافة بين الخطاب والممارسة. ولهذا لا ينبغي تفسير النقد المتزايد باعتباره دليلا تلقائيا على فقدان الاهتمام بالشأن العام
يقع تقليص الفوارق في صلب معنى الدولة الاجتماعية، لأن وظيفتها تتجاوز مساعدة من تعثروا إلى تصحيح الشروط التي تجعل فئات ومناطق أكثر عرضة للتعثر من غيرها
الأسرة المغربية تعيش تحولا في توزيع السلطة والمسؤولية. لم تعد قرارات الدراسة والعمل والزواج تتخذ بالطريقة نفسها، وأصبح الأبناء يناقشون اختيارات كانت تحسم دون مشاركتهم.
أصبح الشاب يعيش في محيط تتجاوز حدوده أسرته ومدرسته ومدينته. يرى تجارب الآخرين، ويقارن فرص التعلم والعمل وأنماط العيش، ويكون رأيا في ما يجري.








