حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

سبعون عاما في دقيقتين

يونس جنوحي

ما الذي يجعل مسؤولا يُقدم على هدم باب تاريخي حتى لو كان يعرقل المرور عبر زقاق ضيق؟

لا يوجد مبرر نهائيا لهدم باب «المعهد الإسلامي» في تارودانت، والذي أسسه الملك الراحل محمد الخامس ووضع حجره الأساس بيده. ارتبط المعهد الإسلامي، والذي سُمي لاحقا بمعهد محمد الخامس للتعليم الأصيل، بالزيارة التاريخية، والوحيدة، للملك الراحل محمد الخامس إلى مدينة تارودانت.

بالكاد يستطيع المرء بلع مصائب تشويه السور التاريخي للمدينة، الذي يُعتبر رسميا ثالث أطول سور في العالم، ومحاولات فصله عن «الفطريات الإسمنتية» التي التصقت به في إطار البناء العشوائي، حتى يُصدم بخبر هدم باب المعهد الإسلامي الذي يفترض أن يكون معلمة وطنية.

رحم الله عمر الساحلي، أول مدير للمعهد، والمختار السوسي، وزير الأوقاف وقبل ذلك وزير التاج، اللذين اضطلعا معا بإخراج فكرة هذا المعهد إلى النور. في العام 1957 كان تأسيس معهد للتعليم الأصيل في تارودانت يعني حربا باردة مع أهل فاس. المدارس العتيقة توحد صفوفها في مواجهة القرويين. تنافس مُعلن، وغير معلن أحيانا، لاحتلال الصدارة العلمية في المملكة الشريفة.

التقى الرجلان في مراكش، وليس في تارودانت التي يفترض أنها مهد الفكرة. كان الساحلي يحضر دروس المختار السوسي، التي جرت على الأخير حكما بالنفي خارج مراكش، بسبب مناهضة خطابه لفرنسا. انتبه المختار السوسي إلى نباهة الساحلي، فاقترحه لكي يدرس أبناء خليفة السلطان في مراكش، ونمت بين الرجلين علاقة وطيدة، وكلاهما كانا في الصف الأول للأسماء المثقفة التي تبحث عن مكان تحت الشمس المغربية، خلال أربعينيات القرن الماضي.

كان تأسيس المعهد الإسلامي في تارودانت إعادة اعتبار لهذه المدينة المظلومة. في مراكش، لديهم مدرسة «ابن يوسف»، وفي فاس لديهم «القرويين»، أما في الرباط فلديهم ثانوية مولاي يوسف، ثم المدرسة المولوية. أما في تارودانت فكان لديهم وقتها الكثير من أطلال المدارس العتيقة، وما تبقى من الراغبين في إعادة الاعتبار إلى التعليم الأصيل.

حتى لو لم يتعلق الأمر بهذا المعهد، وطال الهدم باب مؤسسة تعليمية تعود إلى فترة الخمسينيات، فإن الأمر سيكون خسارة فادحة للذاكرة.

عندما سعى الوطنيون لبناء المعهد بدؤوا من البوابة، ولولا مجيء الملك الراحل محمد الخامس إلى تارودانت بنفسه لإطلاق فكرة المشروع ووضع حجره الأساس، لضاع الملف بين الرفوف. فحتى المختار السوسي، رغم قربه من الملك والمسؤوليات التي تحملها، عانى هو الآخر من حاجز الجغرافيا، ولم تكن كل مبادراته وأفكاره تجد طريقها إلى من يهمهم الأمر. كثيرا ما اشتكى المختار السوسي بين سطور كتاباته من الإقصاء الجغرافي الذي عانى منه أكبر إقليم في المغرب، رغم أنه لم يكن يؤمن بلغة الشكوى، وتجاوزها إلى ممارسة التوثيق وجمع ما تفرق من روايات شفهية كان له الفضل في جعلها اليوم وثائق تاريخية تحت تصرف الباحثين.

لم يكن العلامة المختار السوسي، وعمر الساحلي الذي كان يراقب التلاميذ ويعطي الأوامر الصارمة لإغلاق الباب وعدم فتحه في وجه المتأخرين، يتوقعان أن تنتهي قصته بهذه الطريقة المُستعجلة.

ففي الوقت الذي تحتاج فيه تارودانت إلى ترميم وإصلاح لأكثر من «باحة» في ذاكرتها حتى لا تصاب بالزهايمر المزمن، ها هي تقتلع جذورها بهذه العشوائية المرعبة. سبعون عاما كاملة، تسقط في أقل من دقيقتين.

هدم باب المعهد التاريخي لا يحتاج أكثر من جرافة، وما أكثر الجرافات في تارودانت هذه الأيام.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى