
مصطفى عفيف
رغم مرور أكثر من عشرين سنة على إعلان مدينة خريبكة ضمن البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، لا يزال حي المراهنة يشكل استثناءً يثير الكثير من علامات الاستفهام، بعدما ظل قائماً داخل النسيج الحضري، محتضناً عشرات الأسر التي تعيش في مساكن هشة تفتقر إلى أبسط شروط العيش الكريم، في مشهد يتناقض مع الأهداف التي أُعلن عن تحقيقها منذ سنوات.
يذكر أن الزائر لحي المراهنة لا يحتاج إلى كثير من الوقت ليقف على حجم المعاناة اليومية التي يعيشها السكان. أزقة ضيقة، ومساكن متواضعة شُيدت بوسائل بسيطة، وأسر ما زالت تعتمد على السقاية العمومية للحصول على مياه الشرب، في وقت أصبحت مثل هذه الخدمات من أبسط الحقوق الأساسية داخل المدن.
ويؤكد عدد من سكان الحي أن معاناتهم لم تعد تقتصر على هشاشة السكن، بل امتدت إلى تفاصيل حياتهم اليومية، حيث يواجهون صعوبات مستمرة في الحصول على الخدمات الأساسية، وسط شعور متزايد بأن ملفهم ظل عالقاً لسنوات دون حلول عملية، رغم الوعود المتكررة.
وتزداد أوضاعهم تعقيداً مع حلول فصل الشتاء، حين تتحول الأمطار إلى مصدر خوف حقيقي بسبب هشاشة الأسقف والجدران، وما قد تخلفه من تسربات وانهيارات جزئية، فيما تتحول المساكن خلال فصل الصيف إلى فضاءات خانقة بفعل ارتفاع درجات الحرارة، في ظل غياب أبسط شروط السلامة والراحة.
ويعيد استمرار هذا الحي إلى الواجهة سؤالاً ظل يتردد منذ سنوات: كيف استمر وجود تجمع سكني بهذه المواصفات داخل مدينة أُعلن رسمياً أنها تخلصت من السكن الصفيحي؟ وهل كان حي المراهنة مشمولاً ببرامج إعادة الإسكان والتأهيل الحضري ولم تستكمل مراحل تنفيذها؟ أم أنه بقي خارج هذه البرامج لأسباب قانونية أو عقارية أو تقنية؟ أم أن الواقع الميداني لم يكن مطابقاً للصورة التي قُدمت عند الإعلان عن تحقيق أهداف البرنامج؟
كما يثير السكان قضية أخرى يعتبرونها مصدر إحساس بعدم الإنصاف، إذ يؤكد بعضهم أن عدداً من القاطنين تمكنوا من الحصول على وثائق إدارية سهلت لهم استكمال إجراءات ربط مساكنهم بشبكتي الماء والكهرباء، بينما يؤكد آخرون أنهم لم يستفيدوا من المعاملة نفسها، رغم تشابه أوضاعهم. وهي معطيات تبقى بحاجة إلى توضيحات رسمية، لكنها تطرح في المقابل تساؤلات حول المعايير التي تم اعتمادها ومدى احترام مبدأ المساواة بين المواطنين.
وفي مقابل استمرار هذه الأوضاع، تتجه الأنظار أيضاً نحو المجالس الجماعية المتعاقبة والسلطات المختصة، لمعرفة طبيعة التدخلات التي تم القيام بها لفائدة الحي، وما إذا كان قد أُدرج ضمن برامج إعادة الإسكان أو التأهيل الحضري، وما هي الأسباب التي حالت دون إنهاء هذا الملف إلى اليوم.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن استمرار حي المراهنة بهذا الشكل لا يرتبط فقط بإشكال عمراني، بل يطرح أيضاً سؤالاً حول فعالية السياسات العمومية الخاصة بمحاربة السكن غير اللائق، ومدى تتبع تنفيذ البرامج الحكومية بعد الإعلان عن إنجازها، خاصة وأن البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح” كان يهدف إلى القضاء النهائي على هذا النوع من السكن وتمكين الأسر من ظروف عيش تحفظ كرامتها.
كما يثير هذا الملف تساؤلات حول مدى مواكبة مختلف المتدخلين لتطور أوضاع الحي خلال السنوات الماضية، خصوصاً في ظل التحولات العمرانية التي عرفتها مدينة خريبكة، والتي جعلت حي المراهنة يبدو وكأنه خارج مسار التنمية الذي شهدته المدينة.
وبينما يطالب السكان بفتح هذا الملف من جديد، فإنهم يؤكدون أن مطلبهم لا يتجاوز الحق في السكن اللائق والاستفادة من البرامج العمومية على قدم المساواة مع باقي المواطنين، بعيداً عن أي اعتبارات انتخابية أو حسابات ظرفية.
واليوم، وبعد مرور أكثر من عقدين على إعلان خريبكة مدينة “بدون صفيح”، لا يزال حي المراهنة يفرض نفسه كواحد من أبرز الملفات الاجتماعية والعمرانية العالقة، ويعيد طرح أسئلة مشروعة حول أسباب استمرار هذا الواقع، وحول المسؤوليات المرتبطة به، وحول موعد طي هذا الملف بشكل نهائي، بما ينسجم مع أهداف البرنامج الوطني، ويضمن لسكان الحي حقهم في العيش الكريم داخل مدينة يفترض أنها تجاوزت مرحلة السكن الصفيحي منذ سنوات.




