
تظاهر بنيعيش باللامبالاة ورفع بصره إلى السماء في انتظار أن يمر المنبهي أو يوجه إليه كلاما قاسيا.. لكن الرجل الذي كان يرافق بنيعيش، وهو من جيش البخاري، نصحه ألا يواجه المنبهي أو يتعامل معه بندية..
يونس جنوحي
ذكاء المهدي المنبهي ظهر جليا في سلوكاته التي تزامنت مع قيام تمرد «بوحمارة».
فعندما انقلب عليه الصدر الأعظم غريط، وكان ذلك في النصف الأول من سنة 1901، برز اسم ادريس بن يعيش البخاري، المقيم في تطوان، والذي أراد له الصدر الأعظم أن يحل محل المنبهي، وجاء به إلى القصر.
لكن وبحكم أن الانقلاب فشل، أصبح بنيعيش ورقة محروقة.
السيناريو المتوقع كان أن ينتقم المنبهي من بنيعيش الذي حل فعليا محله لأسابيع خلال فترة الانقلاب التي كان فيها المهدي مسافرا إلى بريطانيا على رأس الوفد المغربي.
اللقاء الملغوم
عندما شاع خبر وصول المنبهي إلى مراكش واستعادته لسطوته، كان بنيعيش أكبر المتضررين من هذا التحول في الأحداث، وتوقع الجميع أن يُعلق رأسه على باب من أبواب مراكش.
المشهد كان كما لو أنه مقتطف من فيلم سينمائي.. خرج المنبهي إلى ساحة القصر، في كوكبة من رجاله المسلحين، وكان بنيعيش، قايد المشور والمشاورية، في قلب الساحة.
تظاهر بنيعيش باللامبالاة، ورفع بصره إلى السماء في انتظار أن يمر المنبهي، أو يوجه إليه كلاما قاسيا. غير أن الرجل الذي كان يرافق بنيعيش، وهو من جيش البخاري، نصحه ألا يواجه المنبهي أو يتعامل معه بندية..
وما إن وصل المنبهي إلى المكان الذي كان يقف فيه بنيعيش، حتى قفز الأخير لمعانقة الوزير كما أن شيئا لم يكن، واستقبله المنبهي بحفاوة وتعانقا بل وتبادلا التهاني.. وقال المنبهي لبنيعيش إنه في غاية السعادة عندما علم بخبر ترقيته من تطوان التي كان منفيا إليها ومهمشا من طرف دار المخزن لسنوات.
وما إن تفارقا، حتى أرسل المهدي إلى بنيعيش هدايا كثيرة، وعقد معه تحالفا قويا، بل تعاهدا على أن يعينه بنيعيش على مواجهة المؤامرات التي تحاك ضده في الخفاء، وفي قلب دار المخزن.
كان موظفو المفوضية البريطانية في طنجة الدولية على دراية بهذا التحالف، خصوصا وأن بنيعيش كان شخصية معروفة لدى الإنجليز بحكم اشتغاله في تطوان.. إذ رغم أنه كان مهمشا لدى السلطة المركزية، إلا أنه كان يحظى بشهرة في الشمال، وانتبه الإنجليز إلى أهميته.. حتى أنه عندما وصل خبر تعيينه في مكان المنبهي، لم يتسرع الإنجليز لتهنئته أو ربط الاتصال به، وانتظروا ما سوف تؤول إليه الأحداث.. لكن الأكيد أنهم لم يتوقعوا أن يستقطبه المنبهي إليه ويصبح في صفه.
بداية العمليات
حدث كل هذا وثورة الجيلالي الزرهوني، بوحمارة، تُطبخ على نار هادئة. وصل خبر تحرك «الروگي» إلى الإنجليز في طنجة الدولية، في الوقت نفسه الذي وصل فيه الخبر إلى دار المخزن بمراكش.
وقتها كان المنبهي يحس وكأن استعادته لمنصبه في وزارة الحرب امتحان أكبر من الانقلاب نفسه، رغم أن المصادر البريطانية في مراسلات الخارجية من طنجة الدولية، نقلت أن المنبهي قلل في البداية من شأن «بوحمارة»، واعتبر أن القضاء على حركته لن يستغرق سوى ساعات قليلة يتحرك فيها المخزن، معززا بقوات الجيش البخاري، ليعتقل بوحمارة أو يزيله من المنافسة على السلطة. إلا أن ما وقع أظهر أن المخزن قلل من أهمية «بوحمارة»، رغم أن المعارك الأولى التي خاضها المخزن ضده، لم تُظهر مقدار القوة الحقيقية لهذا الثائر، بقدر ما أظهرت أن المنبهي كان أساء تقدير الأمور من بدايتها.
وللتاريخ، فإن المنبهي كان ورث وزارة الحرب، التي كانت تعاني من مشاكل واختلالات في التمويل، وحاول أن يعيد هيكلة بعض القوات، خصوصا الوحدة الشهيرة التي كان يترأسها بنفسه، والمكونة أساسا من رجال البخاري.. لكن مع بداية سنة 1901، كان مشكل الجيش يتعاظم، سيما مع تفاقم العجز في ميزانية الدولة، وعجزها عن أداء أجور القوات المغربية بانتظام.
كان المنبهي متحالفا مع القايد ماكلين، وكان هذا الأخير أمل المهدي، وأمل المخزن، في تطوير قوات الجيش المغربي، بحكم أن ماكلين، الأسكتلندي الجنسية، خبير عسكري سابق، ومشهود له بالكفاءة في دار المخزن منذ أيام المولى الحسن الأول الذي عيّنه لإصلاح الجيش، ونجح نسبيا في مهمته، ما جعل المخزن يتبناه ويتيح له ما يشبه إقامة دائمة في دار المخزن.
هذا التحالف بين الرجلين نتجت عنه قرارات حملت في طياتها الكثير من الأخطاء.. إذ إن ظروف سنة 1902 كانت مختلفة تماما عن سياق سنة 1880 التي تألق فيها القايد «ماكلين»، عندما أصلح صفوف الجيش السلطاني، وأدخل عليه تعديلات في المظهر والجوهر أيضا.
كان المنبهي، بشهادة موظفي المفوضية البريطانية في طنجة الدولية، أصيب بنوع من الغرور.. وكان يعتقد أنه يوجد فعليا على رأس أقوى جيش في المنطقة، وأن إخماد تمرد «بوحمارة» لن يكون سوى نزهة في السفوح الشرقية لناحية فاس.. غير أن الحقيقة كانت أبعدت من ذلك بكثير، فقد كان الرجل يسير بنفسه إلى المحطات الأخيرة من وجوده في قلب السلطة، وكان يوشك وقتها على توديع المجد.





