حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرفسحة الصيف

 المغرب بعيون الآخرين… أندري شوفريون رحلة إلى المغرب

شكل كتاب “رحلة إلى المغرب” للكاتب الفرنسي أندري شوفريون، الذي قام بزيارة للمغرب سنة 1905، وثيقة عن المغرب قبيل سقوطه ضحية الاستعمار الفرنسي. نقرأ في المرحلة الأولى لهذه الرحلة بعض ملاحظات الكاتب: “… وبعد ساعتين من ذلك بلغنا مدينة العرائش… بيضاء بياضا ثلجيا وهي تنحدر من جرف نحو مصب النهر الأزرق. وكلما اقتربنا منها كانت تنكشف لنا أسوارها المسننة البيضاء أيضا التي تغلفها بكاملها بحيث تخفيها عن ناظرنا، كما لو كان ذلك غلاف عش إنساني موضوعا هناك ومربوطا إلى هذا الشاطئ القفر. وفي داخلها من دون شك ضجيج وصخب دفين كما الزنابير المتجمعة في كيس لصيق بالصخر. ومن الجهة الأخرى، وبدءا من جذر السور، ثمة الوحدة والبحر والبادية المشرقة الخالية إلى ما لا نهاية.

مقالات ذات صلة

رست السفينة عند مدخل المرفأ قرب السياج البدائي. يا له من منظر بسيط وشاسع ! لا وجود للأشجار ولا للتفاصيل. فقط الزرقة الرائعة للنهر، والمنعطف الكبير الخالص بشطيه عبر السهل، والمرعى الطويل اللانهائي الذي تقوده التلال المحاذية نحو الشرق، والذي سوف نسير منه بعد غد نحو داخل البلاد.

 

 عن حدائق الهسبريد المسحورة

ما كنت أتخيله خلف الأسوار هو الحياة الكثيفة المزدحمة. وفي الصباح عند الإفاقة من النوم، في غرفة صغيرة تطل على الزقاق الأكثر ازدحاما في السوق، أسمع جلجلة الدواب والعراك وأصوات سائسي الحمير: “بلاك، بالاك”. أسمع الصياح بالعربية، وهمهمة الناس كما لو كانت دندنة هائجة على زجاج النوافذ. يا لها من حياة وقادة في فورانها الباكر القريب من أذني. ينبعث منها تأثير حيوي، وهو ما يطرد عني شكوك الإفاقة من النوم، كما لو أن أشعة الشمس الإفريقية تشعل في الشمال النور الوهاج للظهيرة منذ الساعة الأولى من الصباح.

جاءني أول ضيف فرنسي (من مواليد الرباط)، وهو الفرنسي الوحيد المقيم هنا. وهذه الغرفة الضيقة التي أقيم بها ذات أثاث أوروبي، غير أن بها روائح وعطورا لطيفة ليست آتية من أوروبا. هل هي منبعثة من حوانيت السوق القريب؟ لا، لأنني أدركت أن آثار العطر قد تبقى هنا كما لو أنها ظل الغرفة، منذ أن وجد هذا البيت.

إنها الروح العربية للدار المغربية التي تنبعث من عمق الحيطان، ورائحة الأخشاب النادرة، وربما كان ذلك خشب الأرز الذي استعمل في سقف الدار. يكفيني أن أشمه كي يستثير ذلك في نفسي الشرق: فقد تشبعت به في حوانيت دمشق والقاهرة، مخلوطا ببخور صمغ جاوة مع دفق الجمال الرائعة التي كانت تمر تحت الأقواس البخورية.

فتحت الستائر وأطللت من النافذة. لم تعد الشقشقة التي كانت تتسلل إلى نومي من قبل تثير في نفسي الدهشة. ففي الساعة السابعة صباحا، كان سكان العرائش بكاملهم يتكدسون في هذا الزقاق الضيق. وهم بين أكياس الحبوب والقفف المقلوبة وركام الفصة والحمير الملتصقة بالحيطان عبارة عن زحام وخليط من اليهود بعباءتهم السوداء، والنساء المتلفعات مثل الرزم، والصبيان العراة، والبدو اللابسين الخرق، والبرجوازيين المغاربة. كل هذه الجمهرة من الناس التي تتعارك، وتساوم البضائع وهي تتضارب بالأكتاف وتجري في العتمة الخصبة في قعر هذا السرداب.

وحين رفعت عيني، كان علي للتو إغلاقهما قبل أن أتمكن من التعرف على البياض الناصع الذي يتراءى أمامي: سطوح ثلجية تحت نور الشمس، غير أنها مائلة إلى الزرقة بشكل خفي على الإدراك، كما لو أن ما تحت ذلك الثلج يكاد يلامس شفافية المرآة، وبعيدا من هناك، خلف خط من الألوان البيضاء المحززة، تمتد الزرقة الباهرة والثقيلة للمحيط الأطلسي السديمي، وإذا ما أنا أدرت رأسي شيئا ما نحو الشمال ثمة مصب نهر اللوكوس ذي الزرقة الملساء، حيث يمتد اللون الذهبي للرمل، ثم المجرى الأول للنهر وهو يتمدد بسعة في السهل. يقال بأن هذه الحلقات الرائعة من بين أجمل أشجار البرتقال في العالم قد أوحت للقدماء بفكرة التنين، الذي كان يحرس فيما وراء أعمدة هرقل حدائق الهسبريد المسحورة”.

 

 على مشارف أسوار مدينة فاس

ها هي فاس تظهر لنا.

كانت كُوَم من الصخر تحجب عنا رؤيتها، في سفح الموجة الكبيرة من الأحجار التي تحمر أكثر فأكثر في المساء. انعطف الطريق الذي كنا نتبعه. وهذه الثنية في الأرض التي تتجه يسارا، كما قماش ديكور مسرحية، سارت لتمتزج بالجبل. حينها ظهر خط من الفتحات ذو طابع متوحش تتباعد فيه الأبراج، ومن الوراء قلاع وصومعتان خضراوان بالفسيفساء. لكن شيئا أثار دهشتنا، فكل هذا الذي يلمع بحدة في شمس الأصيل يبدو من غير عمق. ثمة خطان أو ثلاثة للدفاع، ولا مدينة وراء ذلك، حت الفاصل بين تسننات الأسوار، والفراغات المخضرة للسماء (يبدو أن فاس تنتشر في حافة السهل، ومن الجانب الآخر تنساب عبر الوادي في وهادٍ عميقة لا نراها).

ها نحن حاذيناه، ذلك السور الغامق من الآجر والطين، وهو مشع في المساء أكثر من الأزرق الباهت للصوامع. والمراعي تصل حتى أعتابه الشريفة، بدائية كما هي عشرين فرسخا أبعد من هنا، بادية من العشب كما هنالك في جانب المحيط الأطلسي حيث أرى أفقها يتمدد، وحقول البحر تحت أسوار المرسى لا تبدو متوحشة إلى هذا الحد.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى