
الأخبار
لم يعد ما تعيشه مدينة مهدية مجرد تعثر عادي في التدبير الجماعي، بل تحول إلى نموذج صارخ لفشل الحكامة المحلية، بعدما وصلت البنية التحتية والكورنيش والشاطئ إلى وضعية توصف بالكارثية، وسط غضب متزايد من الساكنة بسبب اهتراء الطرقات، انتشار الظلام، وتراجع جاذبية المدينة الساحلية التي كان يفترض أن تتحول إلى قطب سياحي واستثماري بإقليم القنيطرة.
هذا الوضع دفع عامل إقليم القنيطرة إلى التدخل بشكل مباشر لإعادة ترتيب الأولويات وانتزاع بساط التسيير فعلياً من رئيس المجلس الجماعي، بعدما كشفت وثائق إعادة البرمجة حجم الاختلالات في تدبير المال العام، وتوجيه الملايين نحو مشاريع اعتبرها متتبعون بعيدة عن انتظارات الساكنة وعن الأولويات الحقيقية للمدينة.
الوثائق أظهرت أن المجلس الجماعي كان يستعد لصرف أكثر من 502 مليون سنتيم لبناء مقر جديد للجماعة، و400 مليون سنتيم لتهيئة ملعب لكرة القدم، رغم أن جمعية كوكب مهدية تستفيد أصلاً من دعم سنوي يقارب 100 مليون سنتيم، إضافة إلى 250 مليون سنتيم لتهيئة المحجز الجماعي، واعتمادات أخرى لاقتناء الشاحنات والأعمدة والأسلاك، في وقت تغرق فيه المدينة في الحفر والظلام وتدهور الكورنيش والشاطئ.
كما تضمنت البرمجة اعتمادات مهمة لاقتناء الأراضي ومصاريف مرتبطة بمرافق ثانوية، مقابل استمرار تراجع البنية الأساسية التي تشكل العمود الفقري لأي تنمية حقيقية. وهو ما اعتبره متابعون دليلا واضحا على غياب رؤية تنموية قادرة على تحويل مؤهلات مهدية البحرية والسياحية إلى فرص للاستثمار وخلق مناصب الشغل وتحريك الاقتصاد المحلي.
ويرى فاعلون محليون أن ما وقع بمهدية يكشف فشلا واضحا للمجلس الجماعي في تنزيل الأوراش التنموية المنوطة به، وعدم الجدية في مواكبة التوجهات الوطنية المرتبطة بالحكامة وربط الإنفاق العمومي بالأثر التنموي الحقيقي، حيث تم تفضيل مشاريع ذات طابع استهلاكي أو انتخابي على حساب مشاريع مرتبطة بتأهيل الطرقات، تحسين الإنارة العمومية، حماية الشاطئ، وإنقاذ الكورنيش الذي يشكل الواجهة السياحية الأولى للمدينة.
وفي ظل هذا الوضع، جاء تدخل عامل الإقليم كرسالة قوية بأن مرحلة التدبير العشوائي لم تعد مقبولة، خصوصا بعد تزايد الانتقادات المرتبطة بطريقة صرف الاعتمادات الجماعية، وارتفاع الأصوات المطالبة بربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة وأن رئيس المجلس الجماعي يوجد بدوره في قلب جدل قضائي مرتبط بشكايات تتحدث عن شبهات ابتزاز وطلب عمولات مقابل التساهل في أداء مستحقات متأخرة مرتبطة باستغلال حمام شعبي، وهي الملفات التي ما تزال موضوع بحث وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل.
ويعتبر متابعون أن تدخل السلطة الإقليمية لم يكن مجرد إعادة تقنية للبرمجة المالية، بل خطوة عملية تعكس فقدان الثقة في قدرة المجلس الجماعي على تدبير أولويات المدينة، بعدما أصبح واضحا حجم التراجع الذي عرفته مهدية على مستوى البنية التحتية والخدمات وجاذبية المدينة السياحية.
كما يرى متابعون أن إعادة توجيه الاعتمادات نحو مشاريع مرتبطة بالتهيئة والبنيات الأساسية تمثل محاولة متأخرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعد سنوات من سوء ترتيب الأولويات وهدر الزمن التنموي، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على صورة المدينة وعلى قدرتها في استقطاب الاستثمار والسياحة وإنعاش الاقتصاد المحلي.





