
حين تمكن الإنسان من أن يقف على قدميه، وبدأ في تطوير يديه لقطف الثمار من الأشجار، ولاستعمال الأدوات الأولى التي كان يصنعها من حجر الصوان، بدأت مكانة القدم في الجسد وتمثلاته تتراجع، بقي الإنسان البدائي في حاجة لقدميه ليهرب من خطر يهدده، لينتقل من مكان لآخر سعيا وراء قوته، ليجري وراء طريدة، لكنه لا يأكل بقدميه وإنما بيديه، ولا يزيح بهما الأشواك التي علقت بجسده، ولا يستعمل بهما الأدوات التي يدافع بها عن نفسه، أو يقضي بها حاجاته.
اليد والقدم ولدتا معا، وفرق بينهما التطور والوظائف الفيزيولوجية والاجتماعية، ولأن اليد قريبة من وجه الإنسان، وبإمكانها أن تتعهده، ولأنها قريبة من الدماغ، ولأنه صار يعتمد عليها في كل ما يؤمن به بقاءه، فإن الإنسان لم يعد يقدر القدم حق قدرها، نسي فضل انتصابه واقفا، ونسي فضائل حركيته، فصار في لغته واستعاراتها يقرن اليد بالقوة والعون والمشاركة والسمو، ويقرن القدم بالتراب والضآلة والانحطاط. تعرضت القدم في التاريخ لخيانة أكيدة، لم ينصفها لا الشعر ولا الفلسفة ولا السير، حاول الطب الصيني التقليدي الذي حسم أمره، واعتبر بأن مآل صحة الإنسان لا تكمن في جوفه وإنما في قدميه، غير أن ذلك لم يكن كافيا، ثم ولدت كرة القدم كتكفير متأخر عن نسيان القدم، كصلاة متأخرة في محراب عضو لم يعد مهما.
معظم الألعاب التي ابتكرها الإنسان ليرفه بها عن نفسه، ليمرن بها جسده، ولينافس بها الآخرين، هي ألعاب تقوم فيها اليد بالدور الأساس (المصارعة، الملاكمة، المسايفة، رفع الأثقال، كرة اليد، كرة السلة، الكرة الطائرة..)، يبقى للقدم الجري في ألعاب القوى والقفز بأنواعه، وهي ألعاب ليست عيدا ولا تكريما لها، لأن ما يقوم به الواحد وهو ينافس الآخرين لا ينفصل عما يقوم به في الواقع، الإنسان، ومنذ أن ظهر يجري ويقفز، وحدها كرة القدم ينجز بها الإنسان شيئا فريدا واستثنائيا بقدمه، شيئا تعاقب فيه اليد بالشلل، باستثناء الحارس طبعا، وتمنح الحرية الكاملة للقدم لتفعل ما تشاء بالكرة، طلب الغفران الدائم للقدم من خلال الكرة هو ما منح كرة القدم فرادتها وسحرها وقدرتها على إنجاز تسوية تاريخية للإنسان مع تاريخ جسده، إنها الأساس والبدء والخميرة الأولى للحركة، وحياة الإنسان في هذا العالم بدأت حين تمكن من أن يخطو خطوته الأولى. تعيد كرة القدم الإنسان دوما إلى ملحمة البدايات في فجر الأزمنة، لتلك اللحظة التي تبين فيها بأن مصير بقائه مرهون بخطواته وهو ينجو، وهو يبحث عن طعام، وهو يلجأ لملاذ آمن…





