
شغلت مهمة مدرس متمرن في مكناس، هلا حدثتنا عن تلك الفترة؟
حين نفد مخزوني المالي قررت عرض قضية الإقامة على مدير ثانوية الفشتالي لعله يجد لي مخرجا، فنصحني بالإقامة في داخلية المعهد الديني المجاورة للثانوية. فتوجهت عند مدير المعهد واسمه عاشور وهو رباطي الأصول، وعلى الفور ساعدني على تدبير هذه المرحلة ووفر لي غرفة في الداخلية.. وبالتالي تم إعفائي من أداء واجب الإقامة في أحد فنادق وسط المدينة.
كيف قبلت الاشتغال في عمل إداري؟
صحيح تم تعييني موظفا متمرنا في إدارة ثانوية الفشتالي بمكناس، لكنني رفضت هذه المهمة لأنني أمقت الروتين الإداري، وأجد نفسي في عمل يجعلك في مواجهة الناس وليس الأوراق والسجلات. خلقت لأكون مبدعا وألقن ما أحمله في دواخلي للتلاميذ. ولأنني كنت مغتربا في مكناس، على الأقل في نظر عائلتي، فوجئت ذات يوم بإطلالة، إذ زارني والداي وأنا في الثانوية، جاءا للاطمئنان على وضعيتي وأنا أعيش مرحلة صعبة من حياتي، لمسا حجم معاناتي بمكناس، خاصة حين أخبرتهما بأن وزارة التربية والتعليم لم تسلم لنا أجور الفترة التي قضيناها في تعليم النشء، لذا طلبا مني القطع مع المحنة والاغتراب والعودة إلى طنجة.
نعود إلى الفصل الدراسي، لنسألك عن يوميات معلم متدرب يقيم في داخلية..
تصور أن مدرسا قادما من مدينة طنجة، يجد نفسه فجأة يلقن الدروس لتلاميذ أغلبهم إن لم أقل كلهم من الأطلس المتوسط، من خنيفرة وتيغسالين وعين اللوح وولماس وتيداس والحاجب وأزرو وغيرها من المناطق الجبلية. في هذه المؤسسة لم أكن أدرس إلا للطلبة الأمازيغ، وأنا الذي لا أفهم كلمة واحدة من معجم الأمازيغية. رغم ذلك ربطتني بتلاميذي علاقات إنسانية تجاوزت الواجب التعليمي والتربوي، إذ كنت أسافر معهم في العطل إلى حيث يقطنون، وكانوا يؤدون نيابة عني تذاكر السفر من جيوبهم، لأرافقهم في رحلاتهم.. ومنهم تعلمت العديد من الأغاني الخالدة لروائع الأطلس المتوسط، وتعرفت على مناطق لم يسبق لي أن زرتها وقدر لي أن أكتشف عذرية الطبيعة في هذه التجربة. تعرفت، أيضا، على أساتذة لن أنسى أثرهم ما حييت، على غرار أستاذ علم النفس التربوي بودريس بلعيد، وهو من المناضلين الكبار في التيار الأمازيغي وأحد أعمدة الحركة الحقوقية، ومن الأعضاء البارزين في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وهو، على ما أذكر، من نواحي ولماس.
رغم استئناسك بالجو العام للثانوية، ستعود مرة أخرى إلى منطلقك بطنجة، دون أن تكمل تجربة المدرس المتمرن..
عدت إلى طنجة في نهاية الموسم الدراسي، حيث التحقت بمركز تكوين المدرسين، واخترت شعبة اللغة العربية، بينما اختارت رفيقة دربي شعبة اللغة الفرنسية. كنت متسلحا بتجربتي في مكناس حيث استأنست بالفصول الدراسية والحياة الطلابية، لذا لم أجد صعوبات خلال فترة التكوين، خاصة أثناء الحصص التطبيقية.
لكن قدر لك أن تعود إلى الدار البيضاء مدرسا، بعد أن غادرتها رئيس تحرير صحيفة حزبية..
لحسن الحظ وسوئه، أن تعييننا بعد التخرج سيكون في الدار البيضاء، إلا أن التعيين على مستوى المؤسسات فرقنا، بين حي سباتة حيث سأصبح مدرسا في ثانوية وادي الذهب، بينما تم تعيين رفيقة دربي مدرسة للغة الفرنسية بثانوية عبد المالك السعدي. في بداية الأمر استأجرنا غرفة في أحد الفنادق بشارع الجيش الملكي، وكنا نستيقظ باكرا، حيث نركب الحافلة رقم 6 من ساحة «ماريشال»، إلى نهايتها في درب السلطان ومنها نركب الحافلة رقم 42 لبلوغ الثانوية، وبعدها ألتحق بحي سباتة.
كانت المهمة متعبة فعلا..
أجل لكن كانت هناك أشياء تجعلني أصرف النظر عن المعيقات، حين وجدت نفسي أمام تلاميذ من أسر بسيطة في حي شعبي، لهم شغف التعلم. في تلك الفترة كانت سباتة آخر منطقة في هامش الدار البيضاء، أي أن المؤسسة كانت محاطة بالحقول، لذا غرست في تلاميذي حب الشعر، بعد أن اكتشفت أن لهفة معرفية تسكنهم. لا أخفيك معاناتنا ونحن نتنقل يوميا عبر الحافلات، قبل أن يخبرني أحد زملائي في الثانوية بأنه انتهى من ترميم مسكن له بحي بورنازيل وأنه يبحث عن مدرس في ثانوية عبد المالك السعدي يقبل بأن ينتقل إلى ثانوية وادي الذهب ويتيح له فرصة التواجد بالقرب من مسكنه. كانت هدية من السماء، على الفور أتمت زوجتي الإجراءات الإدارية وحصل التبادل. آنذاك قررنا استئجار شقة في درب يسمى «جميلة الخامسة»، بأثاث بسيط جدا، أي بالاعتماد على أساسيات العيش.





