
تشكل المقالع أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها دينامية البناء والتشييد، بما توفره من مواد حيوية لإنجاز المشاريع العمومية وتطوير البنيات التحتية، خاصة في ظل الأوراش الكبرى التي تشهدها المملكة في إطار مغرب 2030، حيث تزداد أهمية هذا القطاع بشكل كبير، غير أن هذه الأهمية لا تُخفي واقعا مقلقا يتسم بفوضى عارمة في تدبير واستغلال عدد من المقالع عبر مختلف الأقاليم، كما أكدت ذلك تقارير رسمية لمجلس الحسابات واحتجاجات ميدانية متكررة.
لقد أفرزت فوضى المقالع سلسلة من الاختلالات البيئية الخطيرة، أبرزها الاستنزاف المفرط للثروات الطبيعية وتلويث المياه الجوفية، فضلا عن تدمير الغطاء الغابوي وتخريب المناظر الطبيعية، وذلك لغياب الالتزام الصارم بدفاتر التحملات وتنصل الشركات من التزامات حماية البيئة، ما يستدعي عملا كبيرا لتصحيح الأمور.
وغالبا ما تختفي الجهات المستفيدة والجهات المعنية بمنح التراخيص والمراقبة خلف صمت مريب، عندما تتصاعد الاحتجاجات والاعتصامات من طرف السكان المتضررين، حيث تترك السلطات العمومية وجها لوجه مع الغاضبين وهي تقوم بمهامها في حفظ النظام العام، وهو الشيء الذي يستدعي تفعيل المحاسبة، حتى يتم تجنب الاحتجاجات من الأصل، من خلال تدابير استباقية تحمي حق المواطن وتضمن التنمية في معادلة متوازنة.
ولا تقتصر اختلالات المقالع على الأضرار البيئية والاجتماعية، بل تمتد إلى الجانب المالي، حيث يثار جدل واسع حول تعثر تحصيل المستحقات والضرائب لفائدة الجماعات الترابية المعنية، ما يحرمها من موارد مالية مهمة كان من شأنها دعم التنمية المحلية، كما يطرح الأمر تعقيدات الاستغلال السياسي لملف المقالع وما يخفيه الملف من فساد في التتبع وتفاصيل احترام المعايير البيئية.
إن الإصلاح الحقيقي لملف المقالع يمر عبر تحديث الإطار القانوني المنظم للقطاع، وتعزيز آليات المراقبة والتتبع، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل صارم، دون استثناءات تذكر، كما يقتضي الوضع اعتماد سياسات بيئية مستدامة توازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على الموارد الطبيعية، مع ضمان احترام معايير السلامة والصحة، وصون كرامة وحقوق السكان المجاورين للمقالع.





