
لم يعد تعثر المشاريع الاستراتيجية الكبرى مجرد خلل تقني عابر، أو تأخير إداري يمكن تجاوزه بواسطة قرارات إدارية، مع ملاحظات على الهامش، بل أضحى الأمر يشكل كلفة باهظة تتحملها الدولة والمجتمع معا، خاصة حين يتعلق الأمر بقطاعات حيوية وحساسة مثل الماء، والصحة، والقضايا الاجتماعية. فهذه المشاريع لا تُبرمج من قبل مؤسسات الدولة للترف أو الاستعراض والمزايدات السياسية، وإنما هي عبارة عن مخططات استراتيجية تعالج قضايا وإشكالات مستقبلية في العمق.
إن رصد مليارات الدراهم من الميزانية العامة لإنجاز مشاريع كبرى، يفرض بالمقابل أعلى درجات الصرامة في التنفيذ والتتبع والمحاسبة، كما جاء في الدستور المغربي والتعليمات الملكية السامية، لأن كل تعثر أو تأخر لا يعني فقط تعطيل مرفق عمومي أو تأخير تنفيذ أهداف استراتيجية، بل يترجم مباشرة إلى استنزاف إضافي للموارد، وإلى كلفة مضاعفة تتحملها الدولة لاحقا لمعالجة نتائج الإخفاق، بدل السرعة والنجاعة في جني ثمار التخطيط المستقبلي.
إن الجهات العليا بالدولة، حين تتعثر المشاريع الكبرى، تجد نفسها مضطرة إلى بذل مجهودات جبارة ومضاعفة لمواجهة الأوضاع الطارئة من تعبئة الموارد البشرية واللوجستية، وتنفيذ عمليات الإنقاذ والإيواء، وتوفير شروط السلامة، وحماية الأرواح والممتلكات، والتدخل للحفاظ على السلم الاجتماعي. وهي مجهودات طارئة ومكلفة، كان بالإمكان تفاديها، أو على الأقل الحد من حدتها لو تم احترام آجال الإنجاز، وضمان جودة التنفيذ، والتقيد الصارم بدفاتر التحملات.
إن الوقت الحالي لا مجال فيه للارتباك أو التساهل، خاصة في مشاريع الماء التي تشكل اليوم عنوان الأمن الاستراتيجي المائي للمغرب. لأن ندرة المياه، وتوالي سنوات الجفاف، واشتداد التقلبات المناخية، تجعل من كل قطرة ماء ثروة وطنية، ومن كل مشروع مائي رهانا سياديا، يتطلب المحاسبة في كل اختلال في هذا المجال، لأن الأمر بالفعل يتعلق بمسؤولية كبيرة جدا واستراتيجية تستوجب المساءلة والمحاسبة.
وكما تم التنبيه مرات من خلال التعليمات الملكية السامية، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إطلاق المشاريع أو الإعلان عنها والقدرة على تمويلها، بل في ضمان تتبعها بجودة وفعالية، والتدخل في الوقت المناسب لتصحيح المسار، وربط المسؤولية بالمحاسبة في كل ما يثبت فيه التقصير أو سوء التدبير. حيث يظل التنزيل الأمثل للتعليمات الملكية السامية، التي ما فتئت تؤكد على النجاعة، والحكامة الجيدة، وخدمة المواطن، شرطا أساسيا لإنجاح هذه الأوراش الكبرى.
ولعل البعض يحسب كلفة تعثر المشاريع فقط بحجم الخسائر المالية، ويهمل ما يتركه الأمر من آثار اجتماعية بأبعاد متعددة، وما تفرضه التدخلات الاستعجالية لمعالجة تبعات التعثر والاختلالات من أعباء إضافية على الدولة والمواطن. ومن هنا، يصبح الحزم في التتبع، والصرامة في المحاسبة، والالتزام بالجودة خيارا لا رجعة فيه، في تحويل المشاريع الكبرى إلى رافعة حقيقية للتنمية والأمن والاستقرار.





