
النعمان اليعلاوي
كشف فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، من مدينة فاس، عن أبرز ملامح التصور الذي يقترحه الحزب لمغرب 2031، مقدماً جملة من المقترحات والإجراءات التي تستهدف معالجة عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية والاستراتيجية، وفي مقدمتها القدرة الشرائية، والشباب، والصحة والتعليم، إلى جانب الأمنين المائي والطاقي واستدامة المالية العمومية.
وأكد لقجع أن حزب الأصالة والمعاصرة لا يقدم نفسه باعتباره «مالكاً للحقيقة المطلقة»، وإنما ينطلق من تجربته وممارسته السياسية لاقتراح حلول للإشكالات التي يعيشها المغاربة، داعياً مختلف الفاعلين السياسيين إلى الانخراط في نقاش عمومي حول طبيعة هذه الإشكالات وسبل معالجتها.
القدرة الشرائية.. المتقاعدون والأرامل في صلب المقترحات
ووضع حزب الأصالة والمعاصرة ملف القدرة الشرائية في مقدمة أولوياته، حيث استعرض لقجع عدداً من الإجراءات التي يقترحها الحزب لفائدة الفئات الاجتماعية المتضررة من ارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي هذا السياق، تحدث عن إجراءات تستهدف المتقاعدين والأرامل، من بينها الرفع التدريجي للمعاشات بالنسبة إلى الفئات التي تتوفر على معاشات محدودة، فضلاً عن العمل على تمكين المرأة التي تفقد زوجها من الحفاظ على مستوى التقاعد الذي كان سيستفيد منه الزوج، وفق التصور الذي قدمه.
ويرتبط هذا المقترح، بحسب لقجع، بإصلاح منظومة صناديق التقاعد، غير أن الحزب يشدد على ضرورة ألا تتحمل الطبقة الشغيلة كلفة هذا الإصلاح بمفردها، في ظل الإكراهات التي تواجهها منظومة التقاعد والحاجة إلى ضمان استدامتها المالية والاجتماعية.
وفي السياق نفسه، تطرق لقجع إلى وضعية الأسر ذات الاستهلاك المحدود للكهرباء، خصوصاً في العالم القروي، مقترحاً اعتماد آلية لدعم الأسر التي لا تتجاوز فاتورتها الشهرية 100 درهم، من خلال دعم يعادل قيمة الفاتورة، وفق التصور الذي عرضه أمام الحاضرين.
كما ربط القيادي في «البام» القدرة الشرائية بالإصلاح الضريبي، داعياً إلى إعادة النظر في منظومة الإعفاءات وتوسيع الوعاء الضريبي، بما يسمح بتوزيع العبء الضريبي بشكل أكثر تصاعدية وعدالة.
وانتقد لقجع، في هذا الإطار، استمرار وضعية يؤدي فيها عدد من الأجراء والمهنيين الضرائب من المنبع، في وقت توجد فيه أنشطة اقتصادية أخرى لا تؤدي التزامات ضريبية مماثلة، معتبراً أن توسيع دائرة الأنشطة الاقتصادية المصرح بها يشكل مدخلاً أساسياً لإعادة التوازن إلى المنظومة الضريبية.
ولم يفصل لقجع مسألة القدرة الشرائية عن إشكالية الأسعار، خصوصاً أسعار الخضر والفواكه والمواد الأساسية، منتقداً اتساع الهوة بين السعر الذي يبيع به المنتج سلعته والسعر الذي يصل به المنتج إلى المستهلك.
ودعا، في هذا الصدد، إلى معالجة الاختلالات التي تعرفها سلاسل التوزيع والوساطة، بما يضمن للفلاح والمنتج هامشاً عادلاً، وفي الوقت نفسه يتيح وصول المنتجات إلى المستهلك بأسعار معقولة.
300 ألف شاب يغادرون المدرسة سنوياً.. و«البام» يقترح إعادة صياغة سياسة الإدماج
ويحتل ملف الشباب مكانة بارزة في التصور الذي قدمه لقجع، خصوصاً في ظل ما وصفه بالتحديات المرتبطة بانقطاع أعداد كبيرة من الشباب عن الدراسة وعدم اندماجهم بالشكل الكافي في سوق الشغل والاقتصاد.
وقال لقجع إن المغرب يواجه تحدياً يتمثل في مغادرة نحو 300 ألف شاب للمدرسة سنوياً، معتبراً أن التعامل مع هذه الفئة لا ينبغي أن يتوقف عند حدود تسجيل الأرقام والإحصائيات، وإنما يجب أن ينتقل إلى مرحلة التأهيل والتكوين والإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
وبحسب التصور الذي قدمه، فإن المطلوب هو إعادة النظر في الطريقة التي تتعامل بها المؤسسات العمومية مع هذه الفئة، من خلال إصلاح مؤسساتي يضمن اندماج مختلف المؤسسات والقطاعات المتدخلة في مجال الشباب، بهدف الانتقال من منطق الرعاية إلى منطق الإنتاج والمساهمة في خلق فرص الشغل والثروة.
ويرى «البام» أن الشباب لا ينبغي أن ينظر إليه فقط باعتباره فئة تحتاج إلى الدعم والمواكبة، وإنما باعتباره أحد أهم موارد البلاد، وقوة قادرة على إنتاج الثروة والمساهمة في التنمية، شريطة توفير شروط التأهيل والاندماج.
وفي السياق الاجتماعي نفسه، وضع لقجع قطاعي الصحة والتعليم ضمن الملفات التي تحتاج إلى مراجعة عميقة، مقراً في الوقت ذاته بأن الحكومات المتعاقبة بذلت مجهودات في هذين القطاعين.
غير أنه شدد على أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بحجم الاستثمارات أو الأرقام المعلنة، وإنما بجودة الخدمات التي تقدم للمواطنين.
وفي قطاع الصحة، اعتبر أن المواطن يجب أن يجد في المستشفى العمومي خدمة تستجيب لانتظاراته، بينما شدد في التعليم على أن الإصلاح لا يمكن أن يستمر بمنطق الأرقام وحده، في إشارة إلى ضرورة الانتقال إلى معالجة جوهر المنظومة التعليمية ومكامن الخلل التي تحول دون تحقيق النتائج المرجوة.
ويضع هذا التصور الخدمات العمومية في قلب النقاش حول النموذج التنموي، من خلال ربط السياسات العمومية بمدى انعكاسها المباشر على الحياة اليومية للمواطن، وليس فقط بحجم الاعتمادات المالية أو عدد المشاريع المنجزة.
الأمن المائي والطاقي و350 مليار درهم لتنفيذ تصور «مغرب 2031»
في المحور الاستراتيجي، شدد لقجع على أن التحولات التي يعرفها العالم تفرض على المغرب تعزيز هامش اكتفائه الذاتي وتأمين حاجياته الأساسية، خصوصاً في مجالات الطاقة والماء والعلم والبحث العلمي.
وأكد أن الأمن المائي والطاقي لم يعد خياراً، وإنما أصبح ضرورة استراتيجية في ظل التقلبات الدولية واضطرابات الأسواق وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، توقف عند أهمية تحلية مياه البحر والاستثمارات المرتبطة بهذا المجال، معتبراً أن تطوير مصادر المياه وتأمينها يشكلان أحد الشروط الأساسية لاستمرار التنمية، خصوصاً في ظل الضغوط التي يعرفها المغرب على مستوى الموارد المائية.
كما دعا إلى تطوير المخزون الطاقي بما يسمح للمملكة بمواجهة اضطرابات الأسواق الدولية وتقلباتها، وتعزيز قدرتها على الصمود أمام الأزمات الخارجية.
وربط لقجع هذه الخيارات الاستراتيجية بضرورة الاستثمار في العلم والبحث العلمي، باعتبارهما مدخلاً لتقليص التبعية وتعزيز القدرة الوطنية على إنتاج الحلول والتكنولوجيا والمعرفة.
غير أن تنفيذ هذا التصور، وفق الأرقام التي كشف عنها لقجع، يحتاج إلى موارد مالية إضافية كبيرة. فقد قدر الكلفة الإجمالية الإضافية للبرنامج بحوالي 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، أي بمعدل 70 مليار درهم سنوياً.
وأوضح أن هذا المبلغ يتضمن برنامجاً لتجاوز ما وصفه بـ«المغرب ذي السرعتين»، من خلال تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، مع مساهمة من الميزانية العامة والجماعات الترابية.
وأكد أن الحزب وضع، بحسب عرضه، أرقاماً وتقديرات مرتبطة بكل مشروع، في محاولة للانتقال من مستوى الشعارات السياسية العامة إلى تقديم تصور مالي قابل للنقاش.
وفي ما يتعلق بالتوازنات الماكرو اقتصادية، أوضح لقجع أن التصور يقوم على اعتماد معدل نمو في حدود 5 في المائة، مع الحفاظ في المقابل على سلامة المالية العمومية وعدم تجاوز عجز في حدود 3 في المائة.
ويعكس هذا الجانب من التصور محاولة للجمع بين توسيع الإنفاق والاستثمار العمومي من جهة، والحفاظ على التوازنات المالية للدولة من جهة أخرى، خصوصاً في ظل ارتفاع كلفة البرامج الاجتماعية والاستثمارات المرتبطة بالماء والطاقة والبنيات الأساسية.
وختم لقجع عرضه بالتأكيد على أن تصور حزب الأصالة والمعاصرة لمغرب 2031 يقوم على معالجة الإشكالات الاجتماعية «بجرأة وموضوعية وبالمعقول»، ومنح الشباب المكانة التي يستحقها داخل المنظومة الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب تعزيز الأمنين المائي والطاقي وتهيئة شروط التنمية والاستثمار.
وأكد عضو المكتب السياسي لـ«البام» استعداد الحزب لمناقشة تفاصيل برنامجه مع مختلف الفاعلين، وقبول الملاحظات الموضوعية وتصحيح ما يمكن تصحيحه، معتبراً أن الهدف النهائي من هذا التصور يظل، بحسب تعبيره، «المغرب والمغاربة».





