حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقارير

محمد بن حدو أعطّار (1681-1682): خمر و«اختلاط».. هكذا حاول الملك تشارلز إحراج أعطّار في مأدبة ملكية (3/5)

يونس جنوحي

مقالات ذات صلة

كان غريبا ألا يشير المؤرخ المغربي عبد الرحمن ابن زيدان، وهو الذي اشتغل على كم هائل من المخطوطات المخزنية، وأنجز جردا بأسماء السفراء المغاربة في عهد المولى إسماعيل، إلى اسم السفير محمد بن حدو أعطّار ضمن لائحة السفراء المغاربة الذين اعتمدهم القصر الملكي في مكناس، خلال ذلك العهد، نحو عدد من الدول الأوروبية..

هل السبب أن رسائل هذا السفير اختفت أو ضاعت مع ما ضاع من وثائق من عهد السلطان المولى إسماعيل؟

حسنا، لحسن الحظ أن الإنجليز وثقوا لزيارة بن حدو إلى بريطانيا ولقائه التاريخي مع الملك تشارلز الثاني.

انشغل سكان لندن ببن حدو أعطار، واهتموا به أكثر مما اهتموا بالملك تشارلز الثاني.. فبعد أن كانت عادة فضوليي جيران «هايد بارك» أن يراقبوا بوابة القصر لتحية ملكهم في خرجاته اليومية، انصرفوا كليا إلى متابعة بن حدو، ومراقبة مشيته بالجلباب والبلغة المغربية، وطريقة ركوبه الخيل..

هنا تجدر الإشارة إلى أن الملك تشارلز وضع حصانا أصيلا رهن إشارة بن حدو، ليتنقل به بين القصر ومقر الإقامة الذي وضع تحت تصرفه.. هكذا كانت الجولة اليومية للسفير المغربي بن حدو، الذي بقي منذ 11 يناير 1682 -تاريخ لقائه مع الملك تشارلز- يتجول يوميا، ولأسابيع، بقصد استئناف المفاوضات مع الملك تشارلز ووزرائه.

من أطرف ما وقع مع سفيرنا بن حدو أن جمهورا من سكان لندن اجتمعوا حوله وهو في طريقه من إقامته إلى حديثة «هايد بارك»، مزاولا حصته اليومية من رياضة الفروسية، فإذا به يفاجأ بجمهور عريض من النساء والرجال والأطفال، اصطفوا لمتابعته وهو يتجول بفرسه في جنبات الحديقة ويطلق العنان لمواهبه في الفروسية.. حتى أن رساما بريطانيا شهيرا أحضر أغراض الرسم وشرع يرسم السفير المغربي وهو يقفز بفرسه على حاجز من الشجيرات، متأبطا رمحا، كما لو أنه مُحارب وليس سفيرا لدى الملك تشارلز الثاني.. ولا تزال اللوحة التي أنجزت لابن حدو أعطار في حديقة «هايد بارك» موجودة في المتحف البريطاني.

تحدثت البريطانيات، على وجه الخصوص، عن وسامة محمد بن حدو أعطار.. إلى درجة أن أزواجهن تملكتهم الغيرة من هذا الضيف الدبلوماسي الذي حل في بلادهم. فالأرستقراطي «جون إفلين»، الذي حضر مراسيم تقديم السفير بن حدو أعطار لرسالة المولى إسماعيل في قصر لندن، وصف السفير بالوسيم، وأشار، في مذكراته التي تحمل اسمه، إلى أن السفير المغربي خلق نوعا من الفضول والافتتان في أوساط النساء البريطانيات اللواتي أعجبن بهندامه المغربي الأصيل، وعنايته بمظهره واحتشامه.

ففي يوم 25 يناير، قرر الملك تشارلز الثاني أن يقيم مأدبة عشاء فخمة على شرف السفير بن حدو أعطار ومرافقيه المغاربة، ودعاهم إلى قصر آخر في ملكية إحدى بناته، اللواتي أنجبهن تشارلز الثاني خارج زواجه.

ورجح إفلين أن تكون الدعوة محاولة لجعل بن حدو غير مرتاح للتأثير عليه.. فقد أبدى، خلال الأيام العشرة الأولى التي قضاها في ضيافة الملك تشارلز الثاني، صلابة في الموقف و«عنادا» دبلوماسيا كبيرا في النقاش حول الاتفاقيات المزمع عقدها بين المغرب وبريطانيا.

بدأت مأدبة العشاء بإقامة حفل موسيقي، وراقب البريطانيون بن حدو الذي لم يرتبك، رغم أنها كانت المرة الأولى في حياته التي يحضر فيها حفلا من هذا النوع.. وأظهر إعجابه بالعزف، وبقي جالسا مع أعضاء الوفد المغربي في المكان المخصص لهم.

حاول الملك تشارلز الثاني إحراج بن حدو، وذلك بتوزيع الجالسين فوق الكراسي المصفوفة في انتظار الضيوف. فقد وضع، عمدا، سيدة بين كل عضوين من أعضاء سفارة بن حدو.. لكن الوفد المغربي، بشهادة «السير إفلين»، لم يظهر عليه أي ارتباك نهائيا ولم يلتفت أي منهم لرؤية السيدة الجالسة بجانبه.

يؤكد «إفلين» أن النساء اللواتي وضعهن الملك تشارلز الثاني بين كل ضيفين مغربيين في المأدبة، كن في الحقيقة بناته، لكن لم تكن أمهن هي الملكة.. وهو موضوع كان دائما مسألة محرجة في ما يتعلق بالحياة الخاصة للملك تشارلز الثاني.

مسألة أخرى حاول من خلالها الملك تشارلز الثاني إحراج بن حدو أعطار، وتتعلق بتناول الخمر. فقد كانت هناك قنينات من الخمر المعتق -بشهادة الدبلوماسي والسياسي إفلين في مذكراته- وضعت فوق طاولة تغص بالأطباق البريطانية، لكن بن حدو لم يظهر أي ارتباك أو احتجاج على وجود الخمر فوق طاولة المأدبة.. واتجه نحوها بثبات هو ومرافقوه -كان بينهم فقهاء وموظفون ينحدرون من القرويين- واختاروا ما يناسبهم من الطعام، واتجهوا نحو المكان المخصص لجلوسهم دون أن يقربوا قنينات الخمر أو يظهروا أي رد فعل بشأنها.

نجح أعطار، إذن، في الاختبار.. إلا أن رحلته في بلاد «الإنجليز».. كانت في بدايتها فقط.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى