
بموازاة مع الجهود المبذولة لجرد المواد الغذائية والوسائل اللوجستية الخاصة بالمسيرة الخضراء المرتقبة، انكبت وزارة الداخلية، أيضا، على انتقاء وتكوين عناصر من رجال السلطة، في سرية تامة، حيث تمت دراسة ملفات الأطر بشكل دقيق دون إثارة الشكوك حول هذا الاستنفار الذي شهدته مصالح الموارد البشرية.
المجهود نفسه قامت به القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية في اختيار وتأهيل أطر الدرك الملكي والجيش على غرار باقي أجهزة الدولة المعنية مباشرة بالمسيرة.
بعد الانتهاء من عملية انتقاء رجال السلطة، الذين سيتم الاعتماد عليهم في تأطير ومرافقة متطوعي المسيرة، تقرر إخضاعهم لتدريب مستعجل في القاعدة العسكرية لابن جرير، دون أن يعلموا بدواعي هذه الدورة التكوينية، بل تم إشعارهم، بشكل غير مباشر، بتأهيلهم لمناصب مسؤوليات جديدة على المستوى المركزي أو في باقي الأقاليم والعمالات، تستوجب تكوينا يراعي مستجدات الوظائف المنتظرة.
خلال الدروس الملقاة في دورة بن جرير التأهيلية، جرى التركيز على مواضيع تتعلق أساسا بالتمدن والتعامل الحضاري وفض المنازعات، وتأطير التجمعات وتقنيات استتباب الأمن العام، وغيرها من المحاور التي تعزز الشخصية القيادية لرجل السلطة.
على امتداد فترة التكوين، تم الحرص على إحاطة الدورة بكامل السرية، إذ تقرر أن يكون التأهيل في معسكر مغلق، مع منع تام لكل وسائل التواصل مع المحيط الخارجي للمشاركين في الدورة، حيث منعوا من استخدام الهواتف الثابتة أو المراسلات البريدية أو أي شكل من أشكال التواصل مع الأهل والأحباب والزملاء.
من الصعب جدا ضرب حزام من السرية على تظاهرة ستشغل العالم، وأن تحرص على أن تبقى في طي الكتمان، طيلة شهر كامل. كان هذا الرهان، المنبثق عن تعهد جماعي أعقب الاجتماع المنعقد ليلة 26 شتنبر في القصر الملكي، معجزة حقيقية في بداية التحضير لحدث كوني.
لم يعلم رجال السلطة، وهم في معسكر بن جرير، بما كان يطبخ في مطبخ وزارة الداخلية وفي أجهزة الدولة المعنية، إلا حين أعلن الملك الحسن الثاني، رحمه الله، عن تنظيم المسيرة الخضراء، حينها فهموا سر التكوين التأهيلي المستعجل وإصرار المنظمين على عزلهم وجعل الدورة خارج سياق الزمن.
أعلن الملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه، يوم 16 أكتوبر، عن تنظيم المسيرة الخضراء، وذلك في خطاب أبرز فيه التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، لمسيرة أرادها أن تكون منظمة ومنضبطة.
حدد الملك موعد انطلاق المسيرة الخضراء في 6 نونبر 1975، معلنا عن صنع حدث القرن بامتياز، إن على الصعيد السياسي أو على الصعيد اللوجستي والتنظيمي، خاصة حين حدد عدد المتطوعين في 350 ألف مواطن.
لم تكن المسيرة مجرد وسيلة عبقرية فقط لطرد المستعمر الإسباني من الصحراء المغربية، بدون إراقة الدماء ولا أسلحة مدمرة.. وباعتماد السلاح الثلاثي الفريد والمتمثل في (القرآن، العلم الوطني، صورة الملك الراحل).. لم تكن مجرد رسالة مفتوحة للتأكيد على أن المغاربة مستعدون للدفاع عن وحدتهم الترابية، وتحصين حدود التراب والهوية.. ولم تكن فقط دروسا وعبرا مجانية لكل شعوب العالم، التي تابعت مراحلها بإعجاب وتقدير على مدى ثلاثين يوما.. وأصيبت بالذهول بعد نجاح مهمتها.. أكثر من هذا وذاك.. كانت المسيرة الخضراء تدريبا وتأهيلا في الوطنية استفاد من دروسه ومناهجه المشاركون المغاربة والأجانب المتطوعون.
فتحت مكاتب التسجيل في كل المناطق بالمغرب للمتطوعات والمتطوعين، ليتم تحديد العدد المخصص بالنسبة لكل عمالة وإقليم وكل جهة، والذي كان يتراوح ما بين 500 و30 ألف متطوع.
خصصت للدار البيضاء «الكوطة» الأعلى من حيث المتطوعين (30 ألف متطوع ومتطوعة)، وكان نصيب إقليم الشاون الحصة الأقل (500 متطوع ومتطوعة)، وبالفعل تطوع 350 ألف مواطن ضمنهم 35 ألف امرأة.
قدم الملك الحسن الثاني، في ندوة صحافية، بعض الأرقام، وكشف عن سر نسبة 10 في المائة المخصصة للنساء، وهو اختيار غير بريء إذ إن هذا الرقم كان يمثل عدد المواليد المسجلة في المغرب سنويا خلال تلك الفترة أي وثائق 1974/1975.
في غمرة هذا الحدث، عاش المغرب فورة حماس لم يشهدها منذ الرعشة الوطنية الكبرى لسنة 1955، حين خرج المغاربة عن بكرة أبيهم لاستقبال بطل التحرير محمد الخامس، طيب الله ثراه، بعد عودته من المنفى السحيق.
بعد يوم واحد عن افتتاح مكاتب تسجيل المتطوعين والمتطوعات في جميع ربوع الوطن، تجاوز عدد المسجلين الأعداد المحددة، وتبين أن الإقبال سيتجاوز التوقعات.
في اليوم الثالث أكدت المعطيات الرقمية، التي توصلت بها وزارة الداخلية، تجاوز مليوني متطوع، ما أجبرها على توقيف عملية التسجيل.





