حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

مذكرات حفيظ بنهاشم…تلاميذ رهن الاعتقال

كانت الطريق الرابطة بين مقر سكنى عائلتي والمدرسة مجرد مسلك طرقي لا يخلو من المخاطر، خاصة في فصل الشتاء حيث يتحول المعبر إلى ممر صعب تغمره الأوحال، سيما في المساء حين يسدل الليل ستائره على القرية. أما في باقي الفصول فالسير بالمسلك المحاذي للمقبرة يعد مغامرة بسبب انتشار الزواحف من سحالي وثعابين وعقارب، ويزداد حجم الرعب حين تنتشر، في هذا المعبر، الكلاب الشرسة التي تقابلني بنباح لا ينقطع، فأطلق ساقي للريح، خاصة وأنني كنت التلميذ الوحيد القادم من المنزه إلى المدرسة الإسلامية.

مقالات ذات صلة

كلاب المرحوم بوشتة كانت تتربص بي، لأن «خيمة» الرجل توجد بجوار طريقي مباشرة، قبل أن يتم بناء حاجز أمامي لمضايقتي من جميع الجهات. كان عبوري يفرض علي مواجهة نباح الكلاب بالركض جاعلا من محفظتي درعا واقيا، حتى ولو سقطت منها كتبي ودفاتري وأقلامي وطباشيري. لحسن الحظ لم أتعرض يوما لعضة كلب، لأنني أسعى لصد هجومها ونباحها بالاستعانة بالحجارة المتوفرة في المسلك.

كان مساري الدراسي جيدا بشهادة المدرسين الذين تعاقبوا على تعليمي في المدرسة الإسلامية لبوفكران، وأخص بالذكر آخرهم رونيه كوشينو الذي ساهم في بناء شخصيتي، وعمل بكل إخلاص ليأخذ بأيدي أبناء بوفكران ويساهم في تنشئتهم.

كان هذا المدرس الفرنسي عاشقا للمغرب، جعل منه وطنه الثاني، وهو يتنقل بين مكناس ومسقط رأسه «بياريتز» في منطقة الباسك جنوب فرنسا، ظل بعد تقاعده يسجل مذكرات عبوره في بلدتنا.. وهو المتيم بالصيد والقنص، العاشق لبحيرات وغابات  وجبال الأطلس المتوسط، هذه الأمكنة التي ارتبط بها وجدانيا. أنا مدين لهذا الرجل بكثير من أفضاله علي وعلى أبناء المنطقة، عكس مدرس اللغة العربية، الذي نصب لنا كمينا أنا وأربعة زملاء في الفصل الدراسي.

ترجع الحكاية إلى شهر دجنبر عام 1955، في يوم طقسه بارد جليدي كنا نتأفف من لسعاته.

في هذه الصبيحة وصلت إلى المدرسة على متن دراجتي الهوائية بتأخر طفيف، أملته الظروف الجوية المضطربة الأوحال، وعجلة الدراجة تأثرت من شدة الأوحال.

ما أن وصلت المدرسة حتى فوجئت، وأنا أضع دراجتي في جنبات الفصل، بوجود أربعة «مخازنية» عند باب القسم، وكبرت مفاجأتي حين لمحت إنزالا غير معهود للسلطة داخل الفصل الدراسي، حيث جلس كل من القائد والمراقب المدني ومدرس اللغة العربية.

قبل السماح لي بالجلوس في مقعدي، طلب مني القائد مغادرة الفصل، إلى جانب أربعة من زملائي. ما أن غادرنا الباب حتى استقبلنا «مخزني» يمتطي حصانا بنيا، تلف جسده قطعة جلدية تقيه من تساقطات المطر.

دون مقدمات أعطانا أوامره الصارمة من فوق صهوة الحصان بنبرة قاسية.

دعانا بلغة آمرة إلى أن نسير خلفه في صف متراص الواحد منا خلف الآخر، دون أن نسأل عن الوجهة المقصودة، أو نتجرأ على استفساره حول السبب وراء هذا القرار.

كنا مضطرين لتتبع تعليمات مساعد السلطة الذي يقودنا نحو مصير نجهله، كان يمتطي حصانه ونحن نتعقب أثره على الأقدام تحت زخات المطر، نتبادل نظرات ناطقة بأسئلة مؤجلة الجواب، قطعنا حوالي 15 كيلومترا من قرية بوفكران إلى مدينة مكناس.

كان مقر «بيرو عراب» وجهتنا، هذه البناية ستتحول، بعد حصول المغرب على الاستقلال، إلى مقر لدائرة مكناس، قبل أن تصبح مقرا للمركز الجهوي للاستثمار.

حين توقف حصان «المخزني» أمام هذه البناية، بالقرب من الفندق التاريخي عبر المحيط (ترانس أتلانتيك)، كنا منهكين بعد أن استنفدنا طاقتنا بعد ساعتين ونصف من المشي الشاق.

وصلنا منهكي القوى بوجوه منكسرة من شدة الصقيع، بطون جوفاء من أثر الجوع، أمرنا مرافقنا بوضع وجوهنا قبالة جدار مشبع بالرطوبة.

قضينا ساعتين من الانتظار ونحن في هذه الوضعية، لا نتواصل مع بعضنا، لا نجلس لنستريح من تعب رحلة العذاب، من بوفكران إلى مكناس، لا نعلم ما ينتظرنا في هذه البناية التي يسكنها الصمت.

التحق بنا أولياء أمورنا دون أن يسمح لهم بدخول «بيرو عرب»، وبعد ساعتين فتح باب كبير، فظهر رجل يضع على كتفيه عباءة أوقف نبض الجميع. صاح كبير المساعدين باسم الحاكم المراقب المدني لمكناس والضواحي، طلب من قواته الاصطفاف على الطريقة العسكرية، راح الرجل يتفحصنا بعينيه الثاقبتين تتطاير منهما شظايا العداء، التفت إلى حراسه وقال لهم بصوت خافت بلغة عربية هجينة:

«قوموا بتقليم شجرة الزيتون وهي لا تزال ناشئة».

 

 

 

 

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى