مذكرة قانون مالية 2027.. الحكومة ترسم الأولويات الاقتصادية للحكومة المقبلة
الاستثمار والتشغيل والحماية الاجتماعية والأمن المائي في صدارة التوجيهات.. في ظل الإكراهات المالية

تشكل المذكرة التوجيهية التي أصدرها رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، بشأن إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، أول وثيقة رسمية ترسم ملامح السياسة المالية للدولة خلال السنة المقبلة، وتحمل معها دلالات خاصة بالنظر إلى كونها تؤطر إعداد آخر قانون مالية في الولاية الحكومية الحالية، قبل أشهر قليلة من الاستحقاقات التشريعية.
ولا تقتصر أهمية هذه المذكرة على كونها وثيقة تقنية موجهة إلى القطاعات الحكومية، بل تتجاوز ذلك إلى كونها تعكس رؤية الحكومة لأولويات المرحلة المقبلة، وتحدد المجالات التي ستستفيد من الاعتمادات العمومية، كما ترسم حدود الإنفاق العمومي في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بتمويل الأوراش الاجتماعية الكبرى والحفاظ على التوازنات الماكرو- اقتصادية.
وتأتي المذكرة في سياق اقتصادي يتسم باستمرار تداعيات التقلبات الدولية، وضغط متطلبات تمويل ورش الحماية الاجتماعية ومواصلة تنزيل الإصلاحات الهيكلية، إلى جانب الرهانات المرتبطة بالتحضير للاستحقاقات الرياضية الكبرى التي ستحتضنها المملكة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
إعداد النعمان اليعلاوي
تكتسب مذكرة إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 بعدا سياسيا خاصا، لأنها تؤطر آخر مشروع قانون مالية ستعده الحكومة الحالية قبل انتهاء ولايتها. ولذلك لا ينظر إليها باعتبارها مجرد وثيقة لتوزيع الاعتمادات المالية، بل باعتبارها مؤشرا على الكيفية التي ترغب بها الحكومة في إنهاء ولايتها، وعلى الأولويات التي تسعى إلى تثبيتها قبل عرض حصيلتها على الناخبين.
فالميزانية ليست مجرد أرقام، وإنما هي الترجمة المالية للبرنامج الحكومي، إذ تكشف طريقة توزيع الموارد العمومية عن ترتيب الأولويات الحقيقية أكثر مما تعكسه الخطب السياسية. لذلك تحظى المذكرة التوجيهية بأهمية خاصة لدى المتتبعين، لأنها تمنح صورة مبكرة عن الاختيارات التي ستؤطر مشروع قانون المالية قبل وصوله إلى البرلمان.
وتعكس المذكرة، كذلك، حرص الحكومة على تقديم قانون مالية يجمع بين الوفاء بالالتزامات الاجتماعية ومواصلة الإصلاحات الكبرى، مع تفادي أي اختلال قد يمس التوازنات المالية أو ينعكس على مؤشرات الاقتصاد الوطني.
تسريع الاستثمار وإنعاش التشغيل
احتلت قضية الاستثمار موقع الصدارة ضمن التوجيهات الواردة في المذكرة، انسجاما مع التوجهات الملكية الرامية إلى جعل الاستثمار قاطرة للنمو الاقتصادي وإحداث فرص الشغل.
ودعت المذكرة مختلف القطاعات الحكومية إلى مواصلة تحسين مناخ الأعمال، وتسريع تنزيل مقتضيات ميثاق الاستثمار، ومواكبة المشاريع الاستثمارية الكبرى والعمل على الرفع من مردودية الاستثمار العمومي، مع التركيز على القطاعات ذات القيمة المضافة العالية والقادرة على خلق فرص الشغل.
ويأتي هذا التوجه في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة، سيما في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وهو ما يجعل التشغيل أحد أبرز الرهانات المطروحة أمام الحكومة خلال السنة المالية المقبلة.
وشددت المذكرة، كذلك، على ضرورة تعزيز دور القطاع الخاص في خلق الثروة وفرص العمل، مع مواصلة إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، وتحسين حكامة الاستثمار العمومي وربط الاعتمادات المالية بنتائج ملموسة.
استكمال ورش الدولة الاجتماعية
من بين أبرز الأولويات، التي تضمنتها المذكرة، مواصلة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية باعتباره أحد أكبر الإصلاحات الاجتماعية التي يشهدها المغرب خلال العقود الأخيرة.
في هذا الإطار، أكدت الحكومة ضرورة مواصلة تعميم التأمين الإجباري عن المرض، واستكمال تنزيل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، ومواصلة إصلاح المنظومة الصحية، إلى جانب تعزيز إصلاح التعليم وتنزيل خارطة الطريق الخاصة به ومواصلة إصلاح منظومة التكوين المهني.
ودعت الحكومة إلى تعبئة الموارد الضرورية لضمان استدامة هذه الأوراش، مع الحرص على تحسين جودة الخدمات العمومية وربط الإنفاق العمومي بمؤشرات النجاعة والأثر الاجتماعي.
الأمن المائي والطاقي في صلب الأولويات
لم تغفل المذكرة التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية، إذ وضعت الأمن المائي ضمن الأولويات الاستراتيجية للدولة.
ودعت المذكرة إلى مواصلة إنجاز السدود، وتسريع مشاريع تحلية مياه البحر، وتعزيز الربط بين الأحواض المائية وترشيد استعمال الموارد المائية، إلى جانب مواصلة الاستثمار في الطاقات المتجددة والانتقال الطاقي، بما يساهم في تعزيز الأمن الطاقي وتقليص التبعية للخارج.
ويأتي هذا التوجه في ظل استمرار تأثير سنوات الجفاف وارتفاع الطلب على المياه، وهو ما جعل قضية الأمن المائي تنتقل من مستوى التدبير القطاعي إلى مستوى الأمن الاستراتيجي للدولة.
ترشيد النفقات وتعزيز التوازنات
إلى جانب توسيع الاستثمار والإنفاق الاجتماعي، شددت المذكرة على ضرورة التحكم في النفقات العمومية والحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية.
ودعت المذكرة القطاعات الحكومية إلى ترشيد النفقات العادية، والاقتصاد في نفقات التسيير وإعطاء الأولوية للمشاريع ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي المباشر، مع تحسين مردودية الاستثمار العمومي وتكريس مبادئ الحكامة والشفافية في تدبير المال العام.
ويعكس هذا التوجه سعي الحكومة إلى التوفيق بين متطلبات تمويل الأوراش الكبرى من جهة، والحفاظ على استقرار المالية العمومية من جهة أخرى، سيما في ظل ارتفاع كلفة الإصلاحات الاجتماعية وتزايد الضغوط على الميزانية.
الحكامة وربط الميزانية بالأداء
كرست المذكرة، أيضا، التوجه الذي جاء به القانون التنظيمي لقانون المالية، والقائم على ربط الاعتمادات بالأهداف والنتائج والانتقال من منطق تدبير الوسائل إلى منطق تقييم الأداء.
ودعت المذكرة مختلف القطاعات إلى إعداد مشاريع ميزانياتها وفق مؤشرات دقيقة، وربط الاعتمادات بتحقيق نتائج قابلة للقياس، بما يكرس مبادئ الحكامة الجيدة والنجاعة في تدبير الموارد العمومية.
ويعكس هذا التوجه استمرار اعتماد المقاربة البرامجية في إعداد الميزانية، وتعزيز آليات التتبع والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وثيقة تقنية… ورسائل سياسية
رغم طابعها الإداري والتقني، تحمل المذكرة رسائل سياسية واضحة، إذ تكشف عن المجالات التي تعتبرها الحكومة أولوية خلال ما تبقى من ولايتها.
فالاختيارات الواردة في المذكرة توحي برغبة السلطة التنفيذية في تقديم حصيلة ترتكز على مواصلة الأوراش الاجتماعية، وتسريع الاستثمار وتحسين مؤشرات التشغيل، مع الحفاظ على استقرار المؤشرات المالية.
غير أن هذه الأهداف تبقى رهينة بقدرة الحكومة على تعبئة الموارد الضرورية، وعلى تحويل التوجيهات العامة إلى اعتمادات مالية فعلية داخل مشروع قانون المالية، ثم إلى برامج قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
من المذكرة إلى قانون المالية
رغم الأهمية التي تكتسيها المذكرة، فإنها لا تعدو أن تكون المرحلة الأولى في مسار إعداد قانون المالية. فبعد توصل القطاعات الحكومية بتوجيهاتها، تشرع في إعداد مقترحاتها الميزانياتية، قبل أن تتولى وزارة الاقتصاد والمالية تجميعها ومناقشتها وإعداد الصيغة الأولية للمشروع.
بعد ذلك يعرض مشروع قانون المالية على مجلس الحكومة، ثم على المجلس الوزاري للتداول في توجهاته العامة، قبل إحالته على البرلمان، الذي يملك، بمقتضى الدستور، سلطة مناقشته وتعديله والمصادقة عليه.
وتبقى المذكرة، في نهاية المطاف، البوصلة التي تحدد الاتجاه العام للسياسة المالية للدولة، لأنها الوثيقة التي تترجم التوجهات الحكومية إلى أولويات ميزانياتية، وتكشف مبكرا عن كيفية توزيع الموارد العمومية، وعن الرؤية التي تعتمدها الحكومة لتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والإصلاح الاجتماعي، والحفاظ على استقرار المالية العمومية، في سنة ستكون حاسمة سياسيا واقتصاديا.
أخنوش يحدد أربع أولويات كبرى لمشروع مالية 2027 تنفيذا للتوجيهات الملكية
وضعت الحكومة ملامح مشروع قانون مالية 2027، بعدما وجه رئيسها، عزيز أخنوش، المذكرة التوجيهية الخاصة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 إلى مختلف القطاعات الوزارية، محددا أربع أولويات كبرى ستؤطر إعداد الميزانية المقبلة، وذلك تنفيذا للتوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش الأخير، والتي دعت إلى إطلاق «دورة جديدة في المسار التنموي، شعارها تحصين المكتسبات ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى».
وتكتسي هذه المذكرة أهمية خاصة، ليس فقط لأنها تؤطر إعداد آخر قانون مالية قبل الانتخابات التشريعية، ولكن، أيضا، لأنها تكشف عن الرؤية التي تعتزم الحكومة اعتمادها خلال السنة الأخيرة من ولايتها، من خلال ترتيب أولويات الإنفاق العمومي وتوجيه الاستثمارات واستكمال الإصلاحات الكبرى، مع الحفاظ على التوازنات المالية.
الاقتصاد والتنمية المجالية في الصدارة
حددت المذكرة التوجيهية أربعة محاور رئيسية ستشكل الأساس الذي ستبنى عليه ميزانية السنة المقبلة، يأتي في مقدمتها توطيد المكتسبات الاقتصادية وتعزيز مكانة المغرب ضمن الدول الصاعدة، من خلال مواصلة دعم الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني.
واعتبرت الحكومة أن النتائج التي حققتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى تنزيل ميثاق الاستثمار أو تعزيز القدرات الصناعية، تشكل قاعدة للانتقال إلى مرحلة جديدة من النمو. وأبرزت المذكرة أن المغرب أصبح أول مصدر للسيارات في القارة الإفريقية بطاقة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، وتصدر، كذلك، مؤشر التصنيع الإفريقي لسنة 2025، في وقت واصل فيه القطاع الفلاحي تحسين أدائه، إذ ارتفعت القيمة المضافة الفلاحية إلى حوالي 111.6 مليار درهم سنة 2025، مع توقع بلوغها 130 مليار درهم خلال سنة 2026، بما يعزز السيادة الغذائية للمملكة.
وسجلت الوثيقة، كذلك، استمرار الدينامية الإيجابية لقطاع السياحة، بعد استقبال المغرب نحو 20 مليون سائح سنة 2025، معتبرة أن هذه المؤشرات تعكس جاذبية الاقتصاد الوطني وقدرته على استقطاب الاستثمارات.
وجعلت الحكومة التأهيل الشامل للمجالات الترابية وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية ثاني أولويات مشروع قانون المالية، مؤكدة ضرورة مواصلة الاستثمار في البنيات التحتية، خاصة توسيع شبكة الطرق السيارة واستكمال المشاريع المرتبطة بميناء الناظور غرب المتوسط، بما يعزز الاندماج الاقتصادي بين الجهات ويقوي جاذبية المغرب للاستثمار.
استكمال ورش الدولة الاجتماعية والإصلاحات الكبرى
حافظ ورش الدولة الاجتماعية على موقعه ضمن أولويات الحكومة، إذ نصت المذكرة على مواصلة تنزيل مختلف البرامج الاجتماعية التي أطلقتها المملكة، وفي مقدمتها تعميم الحماية الاجتماعية وتحسين الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية.
في هذا الإطار، أكدت الحكومة مواصلة تأهيل المنظومة الصحية، عبر تحديث المؤسسات الاستشفائية وإحداث مستشفى جامعي بكل جهة، إلى جانب تعزيز الحكامة الصحية بإرساء الهيئة العليا للصحة والوكالات المختصة بالأدوية والدم.
وفي قطاع التعليم، أبرزت المذكرة مواصلة تعميم التعليم الأولي وتوسيع تجربة «المدارس الرائدة»، إلى جانب تعزيز العرض الجامعي وإحداث كليات جديدة للطب والصيدلة، وتطوير التكوين المهني من خلال مدن المهن والكفاءات، بما يواكب التحولات الرقمية وحاجيات سوق الشغل.
في المقابل شددت الحكومة على ضرورة مواصلة الإصلاحات الهيكلية الكبرى، باعتبارها رافعة لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وتحسين مناخ الأعمال، مع الحرص على استدامة المالية العمومية وضبط عجز الميزانية، في ظل استمرار الإكراهات الاقتصادية الدولية.
وأبرزت الوثيقة أن الاقتصاد المغربي أظهر قدرة على الصمود أمام الأزمات المتعاقبة، سواء الصحية أو المناخية أو الجيوسياسية، محققا متوسط نمو بلغ 4.6 في المائة خلال الفترة ما بين 2021 و2025، مع توقع بلوغ 5.3 في المائة خلال سنة 2026.
رسائل سياسية واضحة
تحمل المذكرة التوجيهية، إلى جانب بعدها المالي، رسائل سياسية واضحة بالنظر إلى توقيتها، إذ تؤطر إعداد آخر مشروع قانون مالية قبل انتهاء الولاية الحكومية الحالية. لذلك لا ينظر إليها باعتبارها مجرد وثيقة تقنية موجهة للقطاعات الوزارية، بل باعتبارها خريطة طريق تحدد أولويات الحكومة في سنتها الأخيرة، وتعكس المجالات التي تعتزم تركيز جهودها عليها قبل عرض حصيلتها أمام الناخبين.
وتسعى الحكومة، من خلال هذه المذكرة، إلى تحقيق توازن بين مواصلة تمويل الأوراش الاجتماعية الكبرى، وتحفيز الاستثمار وخلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية، مع الحفاظ على التوازنات الماكرو- اقتصادية وترشيد النفقات العمومية.
وخلال الأسابيع المقبلة ستشرع مختلف القطاعات الحكومية في إعداد مقترحاتها الميزانياتية على ضوء مضامين هذه المذكرة، قبل أن تتولى وزارة الاقتصاد والمالية تجميعها وصياغة مشروع قانون المالية في صيغته النهائية، الذي سيعرض على مجلس الحكومة ثم المجلس الوزاري، قبل إحالته على البرلمان لمناقشته والمصادقة عليه، لتتحول التوجيهات الواردة في المذكرة إلى اعتمادات وبرامج ستحدد ملامح السياسة المالية للدولة خلال سنة 2027.
المذكرة التوجيهية لرئيس الحكومة.. بوصلة تحدد أولويات الدولة في قانون المالية
تشكل المذكرة التوجيهية التي يصدرها رئيس الحكومة بشأن إعداد مشروع قانون المالية إحدى أهم الوثائق المؤطرة للسياسة المالية العمومية، رغم أنها لا تحظى بالاهتمام الذي يرافق عادة عرض مشروع قانون المالية على البرلمان. فقبل أن يتحول مشروع الميزانية إلى نص قانوني يخضع للنقاش البرلماني والتعديل والتصويت، تكون المذكرة قد رسمت بالفعل ملامح اختياراته الكبرى، وحددت سقوفه وأولوياته، ووجهت مختلف القطاعات الحكومية نحو المجالات التي ينبغي أن تحظى بالأولوية في توزيع الموارد العمومية.
وثيقة مرجعية
لا تكمن أهمية المذكرة في كونها تنشئ قواعد قانونية جديدة، فهي ليست قانونا ولا مرسوما ولا قرارا تنظيميا، وإنما في كونها تمثل الوثيقة المرجعية التي تؤطر المرحلة التحضيرية لإعداد مشروع قانون المالية. فمن خلالها يترجم رئيس الحكومة التوجهات الإستراتيجية للدولة إلى تعليمات عملية موجهة إلى مختلف القطاعات الوزارية، قصد إعداد مقترحاتها الميزانياتية في إطار منسجم مع الأولويات الوطنية والإكراهات المالية.
وتستمد المذكرة مشروعيتها من موقعها داخل المنظومة الدستورية والمؤسساتية لإعداد قانون المالية. فالدستور المغربي، من خلال الفصل 49، أسند إلى المجلس الوزاري التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية، فيما خول الفصل 92 لمجلس الحكومة التداول في مشروع القانون قبل إحالته على البرلمان، بينما جعل الفصل 75 من البرلمان الجهة المختصة بالمصادقة على قانون المالية، في حين يفرض الفصل 77 على الحكومة والبرلمان معا الحرص على الحفاظ على توازن مالية الدولة. وفي هذا السياق، تأتي المذكرة باعتبارها الحلقة الأولى في مسلسل إعداد الميزانية، حيث تنقل التوجهات العامة إلى مستوى التدبير العملي داخل الإدارات العمومية.
كما يجد دور المذكرة أساسه في القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية، الذي أحدث تحولا عميقا في تدبير الميزانية، من خلال اعتماد البرمجة متعددة السنوات، وربط الاعتمادات بالأهداف والنتائج، وتعزيز نجاعة الأداء وترشيد الإنفاق العمومي. ولم يعد إعداد الميزانية يقتصر على توزيع الاعتمادات المالية، بل أصبح يرتبط بتحديد الأولويات وقياس النتائج وربط الإنفاق بالأثر المنتظر على السياسات العمومية.
ومن هذا المنطلق، تؤدي المذكرة التوجيهية وظيفة أساسية تتمثل في توحيد الرؤية الحكومية. فكل قطاع وزاري يسعى بطبيعته إلى توسيع برامجه والحصول على اعتمادات إضافية، غير أن محدودية الموارد المالية تفرض ضرورة ترتيب الأولويات وإخضاع المطالب القطاعية لمنطق المصلحة العامة والتوازنات الماكرو-اقتصادية. ولذلك تمثل المذكرة أداة لتنسيق العمل الحكومي، وتوجيه مختلف القطاعات نحو أهداف مشتركة بدل الاكتفاء بمنطق التدبير القطاعي الضيق.
وتبرز أهمية المذكرة بشكل أوضح عند تحليل مضامينها. فهي لا تقتصر على تحديد الإجراءات التقنية لإعداد الميزانية، وإنما تتضمن توجيهات سياسية واقتصادية واجتماعية تعكس التصور الحكومي للمرحلة المقبلة. فهي تحدد القطاعات التي ينبغي أن تحظى بالأولوية، مثل الحماية الاجتماعية، والتعليم، والصحة، والاستثمار، والتشغيل، والأمن المائي، والانتقال الطاقي، كما تدعو إلى التحكم في النفقات، وترشيد الإنفاق، وتحسين مردودية الاستثمار العمومي، وتعزيز الحكامة المالية.
ترتيب الأولويات
تكشف المذكرة عن الكيفية التي تعتزم بها الحكومة التوفيق بين متطلبات التنمية والإكراهات المالية. ففي ظل محدودية الموارد وارتفاع حجم النفقات الإجبارية، يصبح من الضروري ترتيب الأولويات وتحديد المجالات التي تستحق تعبئة الموارد العمومية. ومن هنا، فإن المذكرة لا تعكس فقط ما تريد الحكومة إنجازه، بل تكشف أيضا ما تعتبره قابلا للتأجيل أو للتقليص، وهو ما يجعلها وثيقة للاختيار بقدر ما هي وثيقة للتوجيه.
ويكتسي هذا الدور أهمية مضاعفة في السنوات التي تعرف رهانات اقتصادية واجتماعية كبرى، أو التي تتزامن مع نهاية الولاية الحكومية. ففي مثل هذه السياقات، تتحول المذكرة إلى مؤشر سياسي على توجهات الحكومة، إذ تعكس حرصها على استكمال الأوراش المفتوحة، والوفاء بالتزاماتها، والاستجابة لأولويات المرحلة، مع مراعاة التوازنات المالية التي يفرضها الدستور والقانون التنظيمي للمالية.
غير أن نجاح المذكرة في أداء وظيفتها يبقى رهينا بمدى التزام القطاعات الحكومية بمضامينها، وبقدرة وزارة الاقتصاد والمالية على ترجمة تلك التوجيهات إلى مشروع قانون مالية متوازن، يجمع بين الواقعية المالية والطموح التنموي. كما أن قيمتها الحقيقية لا تقاس بما تتضمنه من شعارات أو أهداف عامة، وإنما بمدى انعكاسها الفعلي على بنية الميزانية، وحجم الاعتمادات المرصودة لكل قطاع، والمؤشرات المعتمدة لتقييم تنفيذ البرامج العمومية.
وفي هذا الإطار، أصبحت المذكرة التوجيهية تمثل أداة للحكامة المالية الحديثة، لأنها تعزز منطق التخطيط المسبق، وتربط الموارد بالأولويات، وتفرض على مختلف القطاعات إعداد مشاريعها في إطار رؤية حكومية موحدة. كما تساهم في الحد من التشتت في إعداد الميزانيات القطاعية، وتكرس مبدأ الانسجام بين السياسة المالية والسياسات العمومية.
المذكرة التوجيهية لرئيس الحكومة لم تعد مجرد وثيقة إدارية تسبق إعداد مشروع قانون المالية، بل أصبحت إحدى الركائز الأساسية في هندسة القرار المالي العمومي. فمن خلالها تتحدد الأولويات، وتترجم الالتزامات الحكومية إلى اختيارات ميزانياتية، وتوضع الحدود الفاصلة بين الممكن والمأمول في تدبير المال العام. وإذا كان البرلمان هو صاحب الكلمة الأخيرة في الترخيص بالنفقات والموارد، فإن المذكرة التوجيهية تظل الوثيقة التي تحدد، منذ البداية، الاتجاه الذي ستسلكه السياسة المالية للدولة، وتجعل من قانون المالية مرآة حقيقية لأولويات الحكومة واختياراتها الإستراتيجية.

“المذكرة التوجيهية لرئيس الحكومة آلية للتوجيه المسبق والتنسيق والتأطير في التحضير لمشروع قانون المالية”
ما هو التأطير القانوني للمذكرة التوجيهية الصادرة عن رئيس الحكومة بشأن إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027؟
إذا أردنا أن نضع المذكرة التوجيهية الصادرة عن رئيس الحكومة بشأن إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 في موقعها القانوني الصحيح، فعلينا أولا ألا نحملها أكثر مما تحتمل من الناحية القانونية، وألا نقلل في الوقت نفسه من أهميتها السياسية والمالية. فالمذكرة ليست قانونا للمالية، ولا تحل محل مشروع قانون المالية، ولا هي نص تنظيمي بالمعنى التشريعي الصرف، وإنما تمثل آلية حكومية للتوجيه المسبق والتنسيق والتأطير في المرحلة التحضيرية لمشروع قانون المالية. وبالتالي، فإن قوتها الحقيقية داخل البناء الحكومي والإداري لإعداد الميزانية تتجلى في كونها تترجم الاختيارات والتوجهات الكبرى إلى محددات تؤطر عمل القطاعات الوزارية والمؤسسات المعنية بإعداد مقترحاتها الميزانياتية. وهنا ينبغي التمييز بين مستويين غالبا ما يتم الخلط بينهما: القيمة القانونية للمذكرة، والقيمة السياسية والعملية لمضامينها.
فمن الناحية القانونية، لا يمكن للمذكرة أن تنشئ التزامات مالية من قبيل إحداث ضريبة، أو إلغاء رسوم، أو فتح اعتمادات، أو الترخيص بنفقة عمومية، لأن هذه الاختصاصات تبقى رهينة بقانون المالية بعد مروره عبر المسطرة الدستورية والتشريعية. أما من حيث القيمة السياسية والعملية، فهي تكتسي أهمية بالغة، كونها تحدد للوزارات سقف الحركة، وترسم خريطة الأولويات، وتضبط عملية إعداد المقترحات الميزانياتية. بمعنى أن المذكرة تعتبر بمثابة تمهيد للقانون، وإن كانت لا تحسم الاعتمادات النهائية، فإنها تؤثر بعمق في كيفية بنائها وتوزيعها.
وإذا كانت المذكرة التوجيهية تمثل المدخل الحكومي الأول لصياغة الاختيارات المالية، فإنها، مع ذلك، لا تتحرك داخل فراغ قانوني، بل تندرج ضمن هندسة دستورية وتنظيمية دقيقة تؤطر إعداد قانون المالية. فالدستور المغربي وزع الاختصاصات المالية بين مؤسسات متعددة، وجعل التوجهات العامة لمشروع قانون المالية موضوعا للتداول في المجلس الوزاري، فيما يخضع مشروع القانون نفسه للتداول داخل مجلس الحكومة، قبل عرضه على البرلمان باعتباره المؤسسة المخول لها سلطة الترخيص في الموارد والنفقات. وهكذا، فإن المذكرة التوجيهية، وإن كانت تنتمي إلى المرحلة التنفيذية والتحضيرية، فإنها تندرج ضمن مسار مؤسساتي أوسع تحكمه الشرعية الدستورية وقواعد توزيع الاختصاصات، وينتهي إلى المناقشة والتصويت والرقابة البرلمانية.
وهنا تبرز أهمية الفصل 49 من الدستور، الذي يضع التوجهات العامة لمشروع قانون المالية ضمن القضايا المعروضة على المجلس الوزاري، فيما يؤطر الفصل 92 تداول مجلس الحكومة في مشروع قانون المالية، وينظم الفصل 75 عرضه على البرلمان والتصويت عليه، بينما يكرس الفصل 77 ضرورة المحافظة على توازن مالية الدولة. وبالتالي، فالمذكرة ليست مصدرا مستقلا للشرعية المالية، بل حلقة داخل سلسلة دستورية تبدأ بالتوجيه وتنتهي بالترخيص البرلماني.
ومن جهة أخرى، هناك التأطير بالقانون التنظيمي للمالية رقم 130. 13، وهو الإطار الذي يتيح فهما أعمق للوظيفة الحديثة للمذكرة. فقد أرسى القانون التنظيمي قواعد تقوم على البرمجة متعددة السنوات، ونجاعة الأداء، وربط الاعتمادات بالأهداف والنتائج، وتعزيز الشفافية والمساءلة. ومن هذا المنطلق، تكتسب المذكرة أهمية خاصة في خلق الانسجام داخل العمل الحكومي. فكل وزارة تميل بطبيعتها إلى توسيع اعتماداتها وبرامجها، بينما تفرض محدودية الموارد ضرورة ترتيب الأولويات واحترام التوازنات. وهنا تؤدي المذكرة وظيفة التنسيق بين الاحتياجات القطاعية والتوجه العام للسياسة المالية للدولة.
ومن الزاوية السياسية، تكشف المذكرة عن التصور الفعلي للحكومة بصورة قد تكون أوضح مما تتيحه الخطب العامة. فالخطاب السياسي قد يتسع للوعود، أما الوثيقة الميزانياتية فتخضع لقيد الندرة. وهنا تتجلى إحدى الدلالات العميقة للمالية العمومية؛ فالاختيارات الميزانياتية تمثل، في نهاية المطاف، الترجمة العملية للأولويات الحكومية، لأن طريقة توزيع الموارد وتوجيه الإنفاق تكشف، بقدر كبير من الوضوح، عن مدى الاتساق بين ما يعلن في الخطاب السياسي من التزامات وتوجهات وما يجد ترجمته الفعلية في السياسات العمومية.
ويكتسب هذا الأمر بالنسبة إلى مشروع قانون المالية لسنة 2027 دلالة خاصة بالنظر إلى طبيعة المرحلة التي يأتي فيها. فنحن أمام لحظة تتراكم فيها الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية، وتتسع فيها انتظارات المواطنين وتطلعاتهم، في مقابل إكراه دائم تفرضه محدودية الموارد وضرورة الحفاظ على التوازنات المالية. ولذلك تتجلى أهمية مذكرة 2027 في قدرتها على تقديم تصور واضح لكيفية التوفيق بين طموح السياسات العمومية وواقعية الإمكانات المتاحة.
كما أن المذكرة تأتي قبيل استحقاقات انتخابية، وهو ما يضفي على توقيتها حساسية سياسية خاصة؛ إذ تتقاطع في هذه المرحلة اعتبارات تدبير الالتزامات والأوراش العمومية مع نهاية الولاية الحكومية وما يصاحبها من نقاش حول الحصيلة والوفاء بالتعهدات. ومن هنا تصبح قراءة المذكرة ذات بعد مزدوج: فهي وثيقة لتأطير الاختيارات المالية للسنة المقبلة، كما تقدم مؤشرات يمكن من خلالها قراءة ما تعتبره الحكومة أولويات ينبغي تثبيتها أو استكمالها في الأفق القريب.
ما هي الاختيارات السياسية التي يمكن استقاؤها من مذكرة رئيس الحكومة؟
في تقديري، لا تكشف العناوين الظاهرة للمذكرة ولا طريقة ترتيب محاورها، وحدهما، عن مجمل الاختيارات السياسية التي تنتظمها. فالوثائق الميزانياتية لا تقتصر دلالتها على ما تصرح به مباشرة؛ إذ تحمل مضامينها قدرا كبيرا من لغة السياسة، وإن كانت تصاغ بمفردات الاقتصاد والمالية. ويتجلى ذلك في ما تمنحه من أولوية، وما تدعو إلى تسريع وتيرته، وما ترجئه، وما تحرص على الحفاظ عليه أو إخضاعه للترشيد، فضلا عن طبيعة التوازن الذي تقيمه بين الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية والمالية.
ومن هذه الزاوية، يبدو لي أن أول اختيار سياسي يمكن استقراؤه من المذكرة يتمثل في تكريس الاستمرارية في الأوراش والإصلاحات الكبرى، بعيدا عن فكرة القطيعة. فمذكرة 2027 تأتي في سياق راكمت فيه الدولة التزامات اجتماعية ومالية مهمة، وأطلقت أوراشا لا تستنفد آثارها داخل سنة ميزانياتية واحدة، بل تحتاج بطبيعتها إلى زمن وإلى موارد منتظمة تضمن استدامتها.
ولذلك، فإن الرهان الحقيقي يرتبط بتثبيت الأوراش القائمة، وتأمين تمويلها، وتحسين نجاعتها. فالعديد من هذه الأوراش دخل مرحلة أصبح معها تثبيت المكتسبات وضمان استدامتها أمرا أساسيا، خاصة بالنظر إلى حجم الموارد العمومية التي تمت تعبئتها والالتزامات المالية التي ترتبت عنها.
أما الاختيار الثاني، فيتمثل في ترسيخ الدولة الاجتماعية باعتبارها توجها بنيويا في السياسة المالية. فقد أضحت الالتزامات المرتبطة بالحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية تحتل موقعا متقدما ضمن أولويات الإنفاق العمومي، بما يعكس حضور البعد الاجتماعي في تحديد وظائف الدولة وفي توجيه اختياراتها الميزانياتية.
ومن منظور المالية العمومية، تكتسب هذه الالتزامات معناها الحقيقي بقدر ما تنعكس الاعتمادات المرصودة لها على مستوى الحماية التي يستفيد منها المواطن وعلى جودة الخدمات الأساسية المقدمة له. ومن هنا تبرز أهمية نجاعة الإنفاق الاجتماعي وقدرته على إحداث أثر ملموس ومستدام، بما يجعل العلاقة بين الموارد المرصودة والنتائج المحققة إحدى القضايا الأساسية في تقييم فعالية الدولة الاجتماعية.
ويبرز، في مستوى ثالث، البعد الترابي للتنمية باعتباره أحد الاختيارات ذات الدلالة السياسية والاجتماعية الواضحة. فحضور العدالة المجالية في التوجهات الميزانياتية يتجاوز مسألة التوزيع الجغرافي للاعتمادات، ليطرح قضية الإنصاف في الولوج إلى الفرص والخدمات العمومية، ويجعل من المجال عنصرا أساسيا في تقييم أثر السياسات العمومية.
فالأثر الحقيقي لهذه السياسات يتجسد في الواقع اليومي للمواطن: في جودة المدرسة والمستشفى، وفي توفر الطرق ووسائل النقل، وفي فرص الاستثمار والشغل، وفي مستوى الخدمات والتجهيزات التي يتيحها المجال الذي يعيش فيه. ومن هنا تكتسب العدالة المجالية مضمونها الملموس، باعتبارها وجها من أوجه العدالة الاجتماعية وشرطا لتحقيق قدر أكبر من التكافؤ بين المواطنين، بصرف النظر عن اختلاف المجالات التي ينتمون إليها.
وعليه، فإن تقليص الفوارق الترابية يكتسب بعدا يتعدى الاعتبارات التنموية الصرفة، لأنه يرتبط في العمق بمدى قدرة الدولة على ضمان قدر متقارب من الحقوق والخدمات والفرص عبر مختلف المجالات. وهنا تصبح الميزانية أداة لإعادة التوازن الترابي، بما يتيح تحويل العدالة المجالية من توجه عام إلى أثر يمكن للمواطن أن يلمسه في محيطه المباشر.
ويبرز، إلى جانب ذلك، اختيار أساسي يتمثل في التوفيق بين الطموح الاجتماعي ومتطلبات الاستدامة المالية. فالاتساع المتزايد لوظائف الدولة وما يصاحبه من التزامات اجتماعية واستثمارية يرتب أعباء مالية تمتد آثارها إلى ما بعد السنة الميزانياتية، وهو ما يفرض تأمين موارد قادرة على مواكبة هذه الالتزامات وضمان استمراريتها على المدى المتوسط والبعيد.
وهنا تكمن دقة المعادلة السياسية والمالية التي تحضر في خلفية مذكرة 2027؛ فاستدامة الدولة الاجتماعية تقتضي استدامة مصادر تمويلها، في الوقت الذي يتطلب فيه توسيع وظائف الدولة الاجتماعية والاستثمارية الحفاظ على هوامش مالية تضمن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها مستقبلا.
ومن هنا، تكتسب سلامة التوازنات المالية معناها حين تتيح للدولة مواصلة الاستثمار، وتمويل الخدمات العمومية، والاستجابة للانتظارات الاجتماعية، دون أن تؤدي الالتزامات المتراكمة إلى تضييق قدرتها على التدخل في السنوات المقبلة. وفي اعتقادي، تشكل هذه المعادلة أحد المفاتيح الأساسية لقراءة مذكرة 2027، لأن جودة السياسة المالية ترتبط بقدرتها على التوفيق بين تمويل أولويات الحاضر وصيانة القدرة المالية للدولة على الاستجابة لأولويات المستقبل.
وثمة اختيار آخر يمكن استشفافه من المذكرة، يرتبط بتعزيز نجاعة الإنفاق العمومي وربط الموارد بالنتائج. فمع اتساع البرامج العمومية وتزايد الاعتمادات الموجهة إليها، تزداد أهمية تقييم ما أحدثته هذه الموارد من أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.
وعليه، تصبح جودة الإنفاق عنصرا أساسيا في تقدير فعالية السياسة المالية، من خلال قياس النتائج المحققة، ومدى وصول البرامج إلى الفئات والمجالات المستهدفة، وقدرتها على الاستجابة الفعلية للحاجات التي أحدثت من أجلها. وهذا التوجه ينسجم، في جوهره، مع فلسفة القانون التنظيمي للمالية التي جعلت من نجاعة الأداء وربط الاعتمادات بالأهداف والنتائج أحد مرتكزات التدبير الميزانياتي الحديث.
وعلى هذا الأساس، فإن القراءة السياسية للمذكرة تكشف عن تصور أوسع يقوم على استمرارية الأوراش الاجتماعية، ودعم الاستثمار والتنمية الترابية، وتعزيز نجاعة الإنفاق، مع الحرص على استدامة المالية العمومية. غير أن القيمة الفعلية لهذه الاختيارات ستتحدد بصورة أوضح عند ترجمتها داخل مشروع قانون المالية لسنة 2027، من خلال حجم الموارد المرصودة، وطبيعة الأدوات المعتمدة، والأهداف المحددة والنتائج المنتظرة.
فالاختيار السياسي في مجال المالية العمومية يفتقد مضمونه الحقيقي حين لا يجد سنده في الاعتماد الميزانياتي. وعند توزيع الموارد تتضح بصورة أدق مراتب الأولويات، ويتبين ما حظي منها بترجمة مالية قادرة على تحويل التوجه العام إلى سياسة عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم.
هل يمكن للحكومة المقبلة أن تغير هذه التوجهات؟
ينبغي هنا التمييز بين استمرارية الدولة واستمرارية الاختيارات الحكومية. فالدولة مستمرة بالتزاماتها ومؤسساتها، أما الحكومات فتتعاقب، ومع كل أغلبية جديدة يوجد تفويض سياسي وبرنامج حكومي يفترض أن يجد ترجمته في السياسات العمومية وفي الاختيارات الميزانياتية.
وعلى هذا الأساس، فإن التوجهات الواردة في المذكرة لا يمكن اعتبارها قيدا سياسيا نهائيا على الحكومة المقبلة. فالمذكرة تندرج ضمن المرحلة التحضيرية التي تؤطرها الحكومة الحالية، ولا تتمتع بالقوة القانونية التي تجعل جميع اختياراتها غير قابلة للمراجعة. ومن ثم، تظل للحكومة التي ستنبثق عن الاستحقاقات المقبلة إمكانية إعادة ترتيب بعض الأولويات ومراجعة بعض الاختيارات بما ينسجم مع برنامجها ومع الظرف الاقتصادي والاجتماعي والمالي الذي ستباشر فيه مسؤوليتها.
غير أن هامش التغيير ليس مطلقا. فالحكومة المقبلة ستجد أمامها التزامات قانونية ومالية قائمة، وأوراشا عمومية ممتدة في الزمن، وبرامج اجتماعية واستثمارات سبق إطلاقها، فضلا عن نفقات والتزامات تعاقدية لا يمكن التعامل معها كما لو أن كل سنة مالية تبدأ من صفحة بيضاء. كما ستظل محكومة بالمقتضيات الدستورية والقانون التنظيمي للمالية وبمتطلبات الحفاظ على توازن المالية العمومية.
وهنا تظهر إحدى الخصوصيات الدقيقة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، فهو يقع عند تقاطع استمرارية الدولة مع إمكان تغير الأغلبية الحكومية. ولذلك فإن المسألة تتعلق بالهامش المتاح للحكومة المقبلة لإعادة ترتيب الأولويات، وتعديل بعض الاختيارات، وإضفاء بصمتها السياسية على السياسة المالية، مع استيعاب الالتزامات التي تفرض استمرارية الدولة احترامها. وهذا في حد ذاته من صميم الممارسة الديمقراطية؛ لأن التداول على تدبير الشأن العام يفقد جزءا من معناه إذا لم تكن للأغلبية الجديدة قدرة حقيقية على ترجمة برنامجها إلى اختيارات عمومية. وفي المقابل، فإن استمرارية الدولة تقتضي ألا تصبح كل ولاية حكومية مناسبة لإعادة بناء السياسات والالتزامات من نقطة الصفر.
لذلك، فإن المعادلة بالنسبة إلى الحكومة المقبلة تكمن في إيجاد التوازن بين حقها في الاختيار وواجبها في الاستمرار: حقها في ترتيب الأولويات وفق التفويض السياسي الجديد، وواجبها في احترام الالتزامات القانونية والمالية وضمان استمرارية المرافق والأوراش الأساسية للدولة.
*أستاذة القانون العام والعلوم السياسية – كلية العلوم القانونية والسياسية – ابن طفيل





