
عشت جزءا من طفولتي في «دشر» المنزه، شرق بوفكران، يبعد بحوالي ثلاثة كيلومترات عن المركز.. في هذه القصبة التي بنتها سواعد أجدادنا وشكلت درعا عسكريا حصينا للعاصمة الإسماعيلية للدولة العلوية الشريفة، والتي أصبحت تحمل اسم المملكة المغربية بعد الحصول على الاستقلال.
هنا عاش شرفاء قصبتي بوفكران والمنزه في وئام وسلم وأمان، وسط منطقة فلاحية شاسعة الأطراف تصل مساحتها إلى ما يقارب 500 هكتار، تم الترامي عليها ونهب خيراتها من طرف المعمرين الأجانب في الفترة الاستعمارية، وامتدت إليها أيادي المحظوظين المغاربة وقناصي الفرص بعد الاستقلال.
تلقى السكان الأصليون لدشر المنزه وعودا بتسوية وضعية العقارات المسلوبة، والعمل على تعويضهم عن الأضرار التي لحقتهم، وهو ما ينطبق على أراضي «الكيش» التي كانت تستغل من طرف قبائل مجاط المجاورة. للأسف كل وعود تسوية هذا الملف ولدت ميتة، سواء التي قدمت خلال فترة الحماية أو بعدها، سيما أن المعمرين ازدادوا تمسكا بالضيعات التي تراموا عليها، وأصروا على تحويلها إلى قرية مستقطعة من قرى الريف الأوربي، بسبب خصوبة الأراضي الفلاحية والقرب من العاصمة الإسماعيلية مكناس، واختراقها من وادي بوفكران الذي يحمل اسم القرية.
أدخل هذا الوادي المنطقة إلى سجلات تاريخ المغرب المعاصر قبل ثلاث وثمانين سنة، حين انتفض المكناسيون ضد سلطات المستعمر الفرنسي، يومي فاتح وثاني شتنبر 1937 على وقع معركة شرسة بسبب إقبال النظام الكولونيالي على تغيير مجرى الوادي كي تستفيد من صبيبه الضيعات الفلاحية للمعمرين، ولو على حساب احتياجات ساكنة مكناس من الماء الشروب.
قرار تغيير مجرى الوادي اتخذ يوم 12 نونبر 1936، تحت إشراف الإقامة العامة الفرنسية، في عهد المقيم العام الفرنسي شارل نوغيس، لكن التنفيذ تأجل لشهور، حيث دخل قرار حيز التنفيذ بالقوة، وتم قطع الماء الشروب عن المسلمين واليهود في مكناس. إن إقدام الإدارة الاستعمارية على القرار المتمثل في تحويل مجاري مياه وادي بوفكران، عن مرافق مدينة مكناس ونواحيها لفائدة معمرين ومد القنوات لحقولهم، خلف احتقانا شديدا في المنطقة اعتبر بمثابة انتفاضة مبكرة ووعيا مبكرا بالقضية الوطنية.
تناول الباحث بوشتة بوعسرية، ابن مدينة مكناس، تفاصيل موضوع هذه المعركة في كتاب بعنوان «أحداث بوفكران بمكناس فاتح وثاني شتنبر 1937»، معززا بالوثائق التاريخية التي رصدت شكل المقاومة المسلحة بأحواز مكناس وتحديدا في بوفكران ومياه واديه وبحيرته لما تشكلانه من أهمية في شريان حياة المكناسيين.
كشفت معركة ماء بوفكران عن خبث السياسة والخطط الاستعمارية لتحويل هذا الماء عن مجراه الطبيعي وحرمان مالكيه الحقيقيين منه لفائدة المعمرين الجدد، الشيء الذي أدى إلى هذه الانتفاضة الشعبية المباركة، التي بدأت باحتجاجات سلمية ومطالب لسلطات الإقامة العامة التي تعنتت ورفضت كل الحجج الدينية والتاريخية، قبل أن تتحول الأحداث إلى معركة وانتفاضة عارمة سقط فيها العديد من الشهداء، وكان لها صدى وطني ودولي وتداعيات على القضية الوطنية.
كانت المعركة بمثابة استهاض لهمم المغاربة، والقطع مع القرارات الفوقية التي كانت تنزل على رؤوس المغاربة، والكشف عن قضية الماء باعتباره نبض الحياة، بعد أن كانت الإدارة الاستعمارية وصية على الماء.
أمام هذا الاحتقان، الذي انتهى بسفك الدماء وسقوط شهداء في معركة الكرامة، تدخل السلطان محمد بن يوسف لينبه السلطات الاستعمارية إلى خطورة قرارها، وإلى تراميها على حق لا تملكه، وتجاهلها للعقود الرسمية التي تشهد بأن هذا الماء وقف مخلد وحبس أبدي لفائدة ساكنة مكناس، أوقفه السلطان المولى إسماعيل على مدينتهم عام 1106 هجرية، من أجل السواقي والمساكن والحدائق.. علما أن منبع هذا الوادي هي عين معروف في الأطلس المتوسط.
لقد سبق للملك الحسن الثاني، رحمه الله، أن استحضر معركة وادي بوفكران، وتحدث عن تضحيات المكناسيين، أمام المنتخبين وضيوف المملكة خلال المناظرة الوطنية حول الجماعات المحلية التي احتضنت فعالياتها بلدية مكناس سنة 1986، ما يؤكد أهمية هذه الواقعة في تاريخ المملكة.






