
هناك من يقلل من شأن فشل المجالس المنتخبة في تحقيق التنمية المحلية، كما يخفف من تبعات ذلك على مستوى الاحتقان الاجتماعي، والاستياء من جودة الخدمات، وهدر الزمن الإداري.. لكن الحقيقة أن خدمات القرب تشكل إحدى أهم ركائز التنمية البشرية، وتعد مؤشرا هاما لقياس نسبة الرضا عن أداء السياسات العمومية، ومستوى الثقة في المؤسسات، وتعزيز روح المواطنة، وبناء الأمل والثقة في المستقبل، خصوصاً لدى الشباب.
وتتمثل كلفة فشل المجالس المنتخبة في إهدار ملايير الدراهم من المال العام في مشاريع لا تحقق الأهداف المرجوة منها، فضلا عن الغش في تجهيز البنيات التحتية، وصرف ميزانيات ضخمة على السفريات والتكوينات وتوزيع الامتيازات والتعويضات، دون أن يكون لذلك أثر واضح على الشأن العام المحلي. وأخطر من ذلك أن التطبيع مع الفساد والاختلالات أصبح، في بعض الحالات، أمر عادي، فيما أصبح الاستثناء هو النزاهة والشفافية والسهر على تأدية المهام الانتخابية بأمانة واحترام ثقة الناخبين.
إن الخطير في هدر ملايير المال العام لا يقتصر على حجم الأموال التي تضيع، وإنما يمتد إلى التطبيع مع اختلالات المشاريع التنموية وعدم تنفيذ برامج العمل التي تتم المصادقة عليها وتحول مؤسسات إلى أشباح اسمنتية لا تؤدي مهامها، وتوالي تراكمات فشل التسيير والصراعات وتصفية الحسابات الضيقة باستعمال سلطة التوقيع، وتحويل بعض رؤساء المجالس لمهام التسيير إلى ما يشبه الضيعات الخاصة، يتم فيها توزيع الموظفين والتقنيين والرضا عنهم حسب معيار الوفاء والقرب الشخصي، فضلا عن توزيع الامتيازات للحفاظ على توازنات أغلبيات هجينة، وضمان الاستمرار في المنصب والتصويت على الميزانيات.
وليس المنتخبون وحدهم من يتحمل مسؤولية العبث بالتسيير والميزانيات، بل هناك أيضاً مسؤولون يربطون علاقات مع بعض المنتخبين، ويتم في بعض الحالات التستر على الاختلالات وتبريرها بهوامش خارج القانون، فضلا عن تشكيل لوبيات تستفيد من القرارات التعميرية والصفقات العمومية وسندات الطلب.
وقد سبق لتقارير أجهزة رقابية أن نبهت إلى اختلالات بالجملة، مع تسجيل طول أمد محاكمة بعض المتورطين، وتكرار تزكيتهم من قبل أحزابهم واستمرارهم في ممارسة مسؤوليات التسيير، وهو ما يضاعف أزمة غياب الثقة في العمل السياسي، ويؤثر سلبا في الجو العام للديمقراطية والثقة في المؤسسات.
إن صرف المال العام ليس عملية تقنية صرفة، بحيث يتم تبرير كل شيء بالأرقام ويطوى الملف، بل يجب أن يتم تتبع كل درهم والجدوى من صرفه، وهل تم تحقيق الأهداف المرجوة من تنمية وتشغيل، فضلا عن ضرورة تتبع مشاريع تجهيز البنيات التحتية والقطع مع تفصيل الصفقات العمومية على المقاس، لأن كل درهم يُهدر في مشروع متعثر أو صفقة غير ناجعة أو امتياز غير مستحق، هو في النهاية حق اجتماعي وتنموي ضائع، وفرصة كان يمكن أن تصنع فرقا حقيقيا في حياة المواطنين.
إن مواجهة هدر الملايير من المال العام تتطلب الانتقال من مجرد تسجيل الاختلالات في التقارير الرقابية إلى ترتيب المسؤوليات وربطها بالمحاسبة، وتعزيز تدابير الشفافية في تدبير الصفقات والميزانيات والامتيازات، وربط تقييم المنتخبين والمسؤولين بحجم ما تحقق على أرض الواقع، وليس بعدد الاجتماعات أو السفريات أو الخطابات الفارغة. فالتنمية المحلية لا تُقاس فقط بمؤشر ما يتم إعلانه من برامج ومشاريع، وإنما بما يلمسه المواطن على أرض الواقع من خدمات وكرامة وعدالة مجالية، وبمدى شعوره بأن المال العام يصرف لصالحه، وأنه مواطن كرامته محفوظة في كل الأحوال ولا يحتاج لحماية حقوقه لوسيط ولا إلى علاقات سوى القانون ولا شيء غير القانون.





