
أعلن فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، يوم الجمعة الماضي، أمام لجنة المالية بمجلس النواب، عن توجه الحكومة نحو القطع مع اقتصاد «الريع»، من خلال إنهاء العمل بمنظومة الرخص والامتيازات الاقتصادية وتعويضها بدفاتر التحملات للاستثمار في مختلف القطاعات، ما سيفتح الباب أمام جميع المستثمرين على قدم المساواة للولوج إلى كل القطاعات.
لقد تحدث الوزير، خلال رده على مداخلات النواب في إطار المناقشة العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، عن إصلاح اقتصادي عميق يروم تجاوز نظام الرخص المعمول به حاليا في بعض القطاعات، والذي أثار الكثير من الجدل بشأن معايير الاستفادة منه، خاصة في قطاعات من قبيل الصيد البحري واستغلال المقالع ورخص النقل الطرقي و«كريمات» الطاكسيات.
وفعلا، لم يعد مقبولا في الوقت الراهن أن تظل بعض الأنشطة الاقتصادية بالمغرب حكرا على فئات محدودة تستفيد من رخص وامتيازات تمنحها حق استغلال ثروات وموارد وطنية، بينما تظل أبواب الاستثمار موصدة أمام مواطنين ومقاولات يتوفرون على الإمكانيات والكفاءة والرغبة في ولوج هذه القطاعات.
لقد ظلت منظومة رخص «الريع» متفشية في عهد الحكومات المتعاقبة، وتحولت بعض الثروات إلى امتياز خاص ببعض المحظوظين دون غيرهم من المغاربة، ولذلك فإن التوجه الحكومي يجب أن يقطع مع كل أشكال «الريع» الاقتصادي، لأن منظومة الرخص في بعض القطاعات التي تبيض أموالا، تحولت إلى مصدر للاغتناء غير المرتبط بقواعد المنافسة والاستحقاق، خصوصا عندما يتعلق الأمر بموارد طبيعية يفترض أن تعود منافع استغلالها على الاقتصاد الوطني والمجتمع.
ولهذا، فإن أهمية هذا التوجه لا تكمن فقط في تغيير المنظومة القانونية والإدارية التي تمنح بموجبها تراخيص الاستغلال، وإنما في ما يحمله من إمكانية إعادة توزيع فرص الاستثمار مع توفير ضمانات الشفافية وتكافؤ الفرص بين الجميع، حتى لا يظل الحصول على رخصة معينة مرتبطا بمنظومة امتيازات يصعب أحيانا فهم معاييرها، ولكي يصبح بإمكان جميع المستثمرين التنافس على أساس دفتر تحملات يحدد الالتزامات التقنية والمالية والبيئية والقانونية، ويجعل الاستفادة من فرص الاستثمار مرتبطة بالقدرة على احترام الشروط، وليس بالقرب من دوائر القرار، أو الاستفادة من علاقات النفوذ.
ولعل قطاع المقالع يقدم مثالا واضحا على حجم التحديات التي يطرحها هذا الملف، بالنظر إلى ما يرتبط باستغلال الرمال والموارد الطبيعية من أسئلة حول شفافية منح الرخص، ومراقبة الاستغلال، والتصريح بالمداخيل، واحترام الالتزامات الجبائية والبيئية.
وهناك أشخاص يستفيدون من رخص «ريع» مقالع الرمال والرخام، ورصدت تقارير مؤسسات دستورية استمرار ظاهرة الريع في قطاع المقالع، فضلا عن تفشي عمليات النهب والسرقة التي تتعرض لها المواد المستخرجة من المقالع، وعدم التصريح بالكميات الحقيقية المستخرجة من المقالع المرخصة، ما يكبد خزينة الدولة خسائر مالية فادحة تقدر بنحو 900 مليون درهم سنويا من المبالغ المستحقة.
والأمر نفسه ينطبق على قطاع الصيد البحري، حيث تطرح مسألة الولوج إلى فرص الاستغلال وتوزيع الامتيازات إشكالية العدالة بين المستثمرين، ومدى استفادة المهنيين والفاعلين الاقتصاديين من الثروات البحرية الوطنية.
لذلك، فإن المطلوب هو إرساء منظومة متكاملة تضمن الإعلان عن فرص الاستثمار، وتوضيح شروط المنافسة، وإخضاع المستفيدين للمراقبة والمحاسبة، مع وضع آليات واضحة لسحب الامتيازات عند الإخلال بالالتزامات المنصوص عليها في دفاتر التحملات، كما يتعين نشر المعايير المعتمدة، ونشر المعلومات المتعلقة بالمستفيدين وشروط الاستغلال، حتى لا تصبح دفاتر التحملات نفسها مجالا جديدا للانتقائية والزبونية.





