
كشف وسيط المملكة أن هناك عطبا كبيرا في المغرب اسمه غياب أو ضعف «التواصل المؤسساتي»، موضحا أن جزءا من مدبري الإدارات العمومية بالمملكة يعتبرون التواصل ترفا، في حين تشكل جودة التواصل إحدى أهم ركائز بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، ومواكبة الإصلاحات التي دشنها الملك محمد السادس في جميع المجالات، وتحقيق الجودة في الخدمات العمومية، وضمان كافة الحقوق الدستورية، باعتبار أن خدمة المواطنين هي الهدف الأسمى.
ولا يزال العديد من المسؤولين والمنتخبين في مختلف أقاليم وجهات المملكة يهملون ملف التواصل مع المرتفقين، ويتعاملون بمزاجية مع طلبات وشكايات المواطنين، بحيث لا يجيبون عنها داخل آجال معقولة، أو يهملون الرد عليها من الأصل، أو يقدمون، في حال تدخل مؤسسة الوسيط، أجوبة فضفاضة تزيد من تعقيد المشاكل بدلا من حلها، وتتسبب في تراكم الاختلالات وفقدان المرتفق الثقة في المؤسسات العمومية والمجالس المنتخبة.
إن إهمال التواصل والتجاوب مع شكايات المرتفقين يتعارض مع التوجيهات الملكية السامية، التي أكدت أن لا جدوى من وجود المؤسسات العمومية، إذا كانت لا تخدم المواطن وفق الجودة المطلوبة. كما أن إهمال التواصل وتوجيه المرتفقين يفاقم أزمة السخط على الإدارة، ويعرقل التنمية، ويضيع فرص الاستثمار، ويفتح المجال أمام استفحال الرشوة والابتزاز وقضاء الأغراض الإدارية والاقتصادية بطرق غير مشروعة.
وليس غريبا أن يتحدث تقرير مؤسسة الوسيط عن تصدر قطاعات الداخلية والعدل والمالية قائمة القطاعات التي يتظلم منها المواطنون، لأن هذه القطاعات الوزارية هي الأكثر احتكاكا بمشاكل المواطن اليومية وانشغالاته. ومن هنا تبرز ضرورة التفاعل الجدي مع الشكايات المتعلقة بخروقات التراخيص التعميرية والتجارية، وتدني جودة الخدمات العمومية، والتظلمات بشأن الحرمان من حقوق دستورية، فضلا عن إهمال بعض المنتخبين أداء أدوارهم دون محاسبة، وغيابهم المبالغ فيه عن العمل، وتعطيل مصالح المرتفقين وضياعها، دون أدنى اعتبار أو تقدير للمسؤولية الملقاة على عاتقهم.
إن شكايات وطلبات المرتفقين لا يمكن أن تنتهي في سلة المهملات، في زمن يتم فيه التسويق للرقمنة والسرعة والنجاعة في قضاء مصالح المواطنين. لذلك، يجب القطع مع إهمال أو تأخير الرد الرسمي على كافة الشكايات والطلبات، واعتماد الجدية في دراستها والتدخل لتصحيح الاختلالات، دون تقاذف للمسؤوليات، أو استعمال السلطة الإدارية والنفوذ للتغطية على الحقيقة وطمسها بطرق ملتوية، أو اللعب على وتر يأس المرتفق من الإصلاح، ودفعه إلى عدم مواصلة مسار الدفاع عن حقوقه الدستورية.
إن إهمال التواصل مع المرتفقين يدفع إلى تمييع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتحويله إلى شعار فارغ، وبذلك يفقد المواطن الثقة في مؤسساته، نتيجة توالي التجارب السلبية. وهو ما يتطلب إعمال الصرامة في مواجهة كل إهمال للشكايات، وتتبع مسارها، وتشكيل لجان تفتيش دورية ترفع تقارير بشأن جودة التواصل والتفاعل مع الشكايات، ثم اتخاذ العقوبات الزجرية المطلوبة، دون اعتبارات سياسية أو تأثير للعلاقات وتبادل المصالح، فأزمتنا أزمة مسؤوليات بدون محاسبة.





