
النعمان اليعلاوي
تواصل الدولة تعزيز رهانها على الاقتصاد الاجتماعي والتضامني باعتباره أحد المحركات الأساسية للتنمية المجالية وخلق فرص الشغل، في وقت تؤكد فيه المؤشرات الرسمية أن القطاع يشهد نمواً متواصلاً سواء من حيث عدد التعاونيات أو حجم المنخرطين فيها، خاصة من فئتي الشباب والنساء.
وشكل الاحتفال باليوم الدولي للتعاونيات، الذي نظمته كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، مناسبة لإبراز التحول الذي يعرفه القطاع، من خلال تنظيم حفل توزيع جوائز النسخة السادسة من البرنامج الوطني «الجيل المتضامن 2026»، الذي أصبح أحد أبرز برامج مواكبة التعاونيات الشبابية بالمغرب.
وتنعقد الدورة السادسة للبرنامج تحت شعار «بناء الجسور: التعاونيات الشبابية في قلب المجالات الترابية»، في رسالة تعكس توجه الدولة نحو جعل التعاونيات فاعلاً محورياً في التنمية المحلية، وربطها أكثر بالمشاريع الاقتصادية والاجتماعية داخل مختلف جهات المملكة. وخلال هذه الدورة، تم تتويج 22 مشروعاً تعاونياً، استفاد كل واحد منها من منحة مالية بقيمة 50 ألف درهم، بهدف تمكين أصحابها من تطوير مشاريعهم وتحويلها إلى مقاولات اجتماعية قادرة على خلق القيمة المضافة وفرص الشغل.
ورش متكامل لمواكبة الشباب
في تصريح لـ«الأخبار»، أكد لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، أن برنامج «الجيل المتضامن» لم يعد مجرد مسابقة لتوزيع الجوائز، بل تحول إلى ورش متكامل لمواكبة الشباب وتأطيرهم، خاصة الصناع التقليديين وحاملي المشاريع، وتمكينهم من تحويل أفكارهم إلى مشاريع اقتصادية مستدامة.
وأوضح السعدي أن الهدف الأساسي للبرنامج يتمثل في تشجيع روح المبادرة لدى الشباب، ودعم التعاونيات الناشئة، وتمكينها من الاندماج داخل الدورة الاقتصادية، مشيراً إلى أن النسخة الحالية تأتي في سياق يشهد فيه الاقتصاد الاجتماعي والتضامني دينامية غير مسبوقة، وأضاف المسؤول الحكومي أن المغرب يتوفر اليوم على حوالي 69 ألف تعاونية، أي بزيادة تناهز أربعة آلاف تعاونية خلال السنة الجارية فقط، وهو ما يعكس، بحسب قوله، تنامي الثقة في النموذج التعاوني باعتباره آلية فعالة لتحقيق التنمية المحلية وتحسين الدخل وخلق فرص الشغل.
وأكد السعدي أن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على الرفع من عدد التعاونيات، بل يشمل أيضاً تحسين جودة مشاريعها، وتقوية قدراتها التدبيرية والتسويقية، وربطها ببرامج المواكبة والتمويل والأسواق، حتى تصبح مقاولات اجتماعية قادرة على المنافسة والاستمرار.
مكون أساسي في النسيج الاقتصادي
من جهتها، اعتبرت عائشة الرفاعي، مديرة مكتب تنمية التعاون، أن القطاع التعاوني أصبح اليوم مكوناً أساسياً داخل النسيج الاقتصادي الوطني، بعدما أثبت قدرته على الإسهام في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، خاصة داخل المناطق القروية والجبلية والواحات.
وأكدت الرفاعي أن جائزة «الجيل المتضامن» لا تهدف فقط إلى مكافأة المشاريع الفائزة، وإنما تسعى إلى تحويل التتويج إلى مسار متواصل للتطوير والابتكار، يسمح للتعاونيات بالارتقاء في أدائها والاستفادة من مختلف برامج المواكبة.
وكشفت أن الحركة التعاونية المغربية تضم حالياً حوالي 825 ألف عضو، من بينهم 280 ألف امرأة و18 ألف شاب، معتبرة أن هذه الأرقام تعكس الدور المتزايد للتعاونيات في الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وتمكين الفئات الهشة من خلق مشاريع مدرة للدخل.
وأضافت أن المغرب يتوفر على 3031 تعاونية للشباب حاملي الشهادات، تنشط في 19 قطاعاً اقتصادياً موزعا على مختلف جهات المملكة، وهو ما يعكس تنوع التجارب التعاونية وقدرتها على ولوج مجالات جديدة لم تعد تقتصر على الفلاحة أو الصناعة التقليدية، بل امتدت إلى الخدمات والاقتصاد الرقمي والطاقات المتجددة والسياحة والصناعات الثقافية.
وشددت مديرة مكتب تنمية التعاون على أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق من المراكز الحضرية فقط، بل تنطلق من القرى والجبال والواحات، حيث تساهم التعاونيات في تثمين الموارد المحلية، وتحقيق الإدماج الاقتصادي، والحد من الهجرة، وتحسين ظروف عيش الساكنة.
وأبرزت أن النسخ الست من برنامج «الجيل المتضامن» مكنت إلى حدود اليوم من تتويج 175 تعاونية، مؤكدة أن هذه المبادرة ساهمت في خلق شبكة من التعاونيات الناجحة، وتعزيز تبادل الخبرات والتجارب، وإرساء جسور للتعاون بين مختلف المبادرات المحلية.
وأضافت أن النموذج التعاوني المغربي يحظى باهتمام متزايد على المستوى الدولي، بالنظر إلى مساهمته في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، معتبرة أن «كل تعاونية ناجحة تشكل لبنة جديدة في بناء اقتصاد أكثر تضامناً وصموداً».





