
لنعمان اليعلاوي
حسم حزب العدالة والتنمية رسميا موقعه في الخريطة السياسية لما بعد انتخابات 23 شتنبر الجاري، بعدما صادق مجلسه الوطني، بالإجماع، خلال دورته الاستثنائية المنعقدة، أول أمس السبت ببوزنيقة، على قرار عدم المشاركة في الحكومة المقبلة والاصطفاف في المعارضة البرلمانية، واضعا بذلك حدا للنقاش الداخلي حول إمكانية العودة إلى تدبير الشأن الحكومي، بعد النتائج التي حققها الحزب في الاستحقاق التشريعي الأخير.
وجاء قرار المجلس الوطني، باعتباره أعلى هيئة تقريرية للحزب بعد المؤتمر الوطني، متماشيا مع الموقف الذي كانت قد اتخذته الأمانة العامة خلال اجتماعها الاستثنائي المنعقد، الخميس الماضي، حين اعتبرت أن «المكان الطبيعي للحزب» هو مواصلة أداء أدواره الدستورية والسياسية والنضالية من موقع المعارضة الوطنية المسؤولة والقوية.
وخلال الدورة الاستثنائية، ناقش أعضاء المجلس الوطني المقترح الذي تقدمت به الأمانة العامة، قبل التصويت عليه بالإجماع. ووفق المعطيات المنشورة من طرف الحزب، شمل النقاش حوالي 50 مداخلة، فيما قدم جامع المعتصم، رئيس المجلس الوطني، عرضا حول مسار تدبير الحزب للانتخابات ونتائجها، قبل أن يقدم عبد الإله بنكيران، الأمين العام، كلمته السياسية.
ويستند القرار، أيضا، إلى الاختصاصات المنصوص عليها في النظام الأساسي للحزب، إذ ينص الفصل المتعلق بالمجلس الوطني على اختصاصه في اتخاذ القرار بشأن المشاركة في الحكومة، أو الخروج منها. وبذلك انتقل الموقف من مجرد توجه صادر عن القيادة التنفيذية للحزب إلى قرار صادر عن الهيئة التقريرية المختصة.
ويأتي اختيار المعارضة بعدما رفع «البيجيدي» رصيده في مجلس النواب إلى 54 مقعدا، محتلا المرتبة الرابعة في نتائج انتخابات 23 شتنبر، خلف الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، والتجمع الوطني للأحرار بـ66، والاستقلال بـ65. كما سجل الاقتراع نسبة مشاركة وطنية بلغت 38.08 في المائة.
بنكيران يضع «البام» في مرمى الانتقاد
لم تمر محطة المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية دون عودة عبد الإله بنكيران إلى انتقاد حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات وأصبح في موقع قيادة المشاورات المرتبطة بتشكيل الحكومة المقبلة. وكان بنكيران قد أعلن، قبل انعقاد المجلس الوطني، رفض مشاركة حزبه في حكومة يقودها «البام»، قبل أن يجدد خلال أشغال الدورة موقفه من الحزب المتصدر.
وشدد بنكيران على أن غالبية أعضاء الحزب تتجه إلى رفض المشاركة في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة، كما تحدث عن إمكانية ممارسة معارضة «مسؤولة وقوية»، مع استمرار الخلاف السياسي بين الحزبين.
إلى ذلك، فإن قرار المجلس الوطني لـ«البيجيدي» يضعه في موقع واضح داخل البرلمان المقبل، خصوصا أن المعارضة لن تقتصر عدديا على نواب الحزب، إذ حصل تحالف اليسار على ثمانية مقاعد، ما يفتح المجال أمام تنسيق محتمل بين مكونات المعارضة، مع بقاء طبيعة هذا التنسيق رهينة بمواقف الأحزاب المعنية وبالتطورات التي ستعرفها الولاية التشريعية الجديدة.
ويحاول الحزب، من خلال تموقعه الجديد، الاستفادة من العودة القوية التي حققها في الانتخابات الأخيرة، بعدما انتقل من 13 مقعدا في انتخابات 2021 إلى 54 مقعدا في استحقاقات 2026. وبذلك يصبح العدالة والتنمية أحد أبرز مكونات المعارضة داخل مجلس النواب، في انتظار اتضاح شكل الأغلبية الحكومية المقبلة وتركيبتها النهائية.
خروج «البيجيدي» يفتح حسابات الأغلبية
يأتي حسم العدالة والتنمية لموقعه في وقت بدأت فيه مرحلة المشاورات السياسية المرتبطة بتشكيل الحكومة المقبلة. فحزب الأصالة والمعاصرة، المتصدر بـ97 مقعدا، يحتاج إلى تحالف مع أحزاب أخرى لتأمين الأغلبية البرلمانية، في ظل تركيبة مجلس النواب التي تضم 395 مقعدا. وتبعا لذلك، فإن قرار «البيجيدي» بعدم المشاركة يغلق عمليا أحد الخيارات أمام الأغلبية المقبلة، ويدفع المشاورات نحو البحث عن مكونات أخرى.
وتملك الأحزاب الثلاثة المتصدرة إضافة إلى «البام» 66 مقعدا للتجمع الوطني للأحرار و65 للاستقلال، ما يجعل مجموع مقاعد الأحزاب الثلاثة الأولى 228 مقعدا في حال التحالف بينها، وهي أغلبية عددية داخل مجلس النواب. غير أن الحسابات البرلمانية لا تحسم وحدها طبيعة التحالف، إذ تظل المفاوضات السياسية والبرامج والمواقف من توزيع المسؤوليات محددات أساسية في تشكيل الحكومة.
وحسم حزب العدالة والتنمية مبكرا أحد أكبر أسئلة مرحلة ما بعد انتخابات 23 شتنبر، في انتظار أن تتضح خلال الأيام المقبلة ملامح الأغلبية التي سيقودها الحزب المتصدر، وعدد مكوناتها، في مقابل تشكل معارضة برلمانية جديدة سيكون «البيجيدي» أحد أبرز مكوناتها.





