الدرهم وما يدير

الدرهم وما يدير

منظر سيارة الفيراري التي بالكاد أصيبت بخدوش وحولها سيارات داسيا المصدومة تجسد بشكل دقيق صورة المغرب كما نعيشه.
مغرب «الألبة» الذين يوفرون لأبنائهم «الكيليميني» السيارات الفارهة والمال لكي يشتروا قناني الشامبانيا التي تساوي كل واحدة منها الراتب الشهري لموظف في السلم العاشر، ومغرب «بوزبال» الذين يرسلون أبناءهم مشيا على الأقدام أو محشورين كالسردين في وسائل النقل العمومي نحو مدارس المخزن حيث يتفشى الانحراف والتطرف والاغتصاب والتحرش والعنف، كما خلص إلى ذلك تقرير مجلس عزيمان.
إنها الصورة نفسها التي شاهدها الجميع عندما وقفت الممثلة المهمشة رجاء بنت الملاح «مولات الكولون» فوق البساط الأحمر في مهرجان مراكش السينمائي، وسط نجوم وسيدات مجتمع وزوجات مدراء كبريات الشركات يلبسون ثيابا فاخرة لمصممين عالميين تساوي عشرات الملايين.
فجاءت «مولات الكولون» لتذكرهم أن المغرب فيه 15 بالمائة من الفقراء، 4,2 في العالم الحضري منهم تحت خط الفقر، فيما تصل هذه النسبة في العالم القروي حيث يعيش 16 مليون مغربي نسبة 22 بالمائة.
ما قام به ولد الدرهم الذي يتابع دراسته في فرنسا، والذي لم يتجرأ يوما على القيام بحماقاته في باريس خوفا من الاعتقال، شيء طبيعي بالنسبة لنوع من المغاربة تربوا على احتقار القانون المغربي والذين يمثلونه، ما ليس طبيعيا هو أن يتم التساهل معهم وإغماض العين عن حماقاتهم، وهو ما لم يعد مسموحا به على عهد الإدارة الجديدة للأمن الوطني.
ولسنوات طويلة ونحن ننشر فضائح أبناء الفشوش الذين كانوا يدهسون الناس بسياراتهم ويخرجون منها مثل الشعرة من العجين، وكان دائما ما نكتبه يتم إما تكذيبه أو «التمييك» عنه إلى أن يكمد الضحايا جراحهم وينسى الرأي العام وجوه وأسماء أبناء الفشوش.
اليوم هناك بحث صارم تم فتحه وسينتج عنه ترتيب للمسؤوليات والجزاءات.
وولد الدرهم لم يفعل سوى أنه ضم اسم عائلته إلى لائحة أسماء العائلات التي أبلت «البلاء» الحسن في مرمدة القانون ورجاله في الشارع، فقبله كتبنا عن مريم بنجلون التي دهست شرطية مرور بسيارتها وأرسلتها إلى العناية المركزة لمجرد أنها طلبت منها أوراق السيارة.
ورأينا كيف لخصت بنت الفشوش حادثة خطيرة كادت تفقد فيها شرطية حياتها في مجرد نزاع لفظي بسيط بسبب مخالفة بسيطة، والأفظع من ذلك هو أن مريم بنجلون تحدثت بأسف عن مرآة سيارتها التي كررت أكثر من مرة أنها تكسرت، ولم تتأسف ولو للحظة واحدة على عظام الشرطية التي تكسرت هي أيضا، كما لو أن مصير مرآة سيارة ابنة وزير سابق أهم بكثير من حياة شرطية.
في الحقيقة لقد أسأنا نحن الصحافيين لمريم بنجلون وعائلتها. فنحن لجهلنا الكبير بتاريخ المغرب لم نكن نعرف أن السيد مجيد بنجلون بعد خدمته للدولة المغربية طيلة خمسين سنة كاملة وجد نفسه بدون ممتلكات ولا يستطيع حتى سد حاجيات أسرته، وأن كل ما يملكه هو التقاعد الذي منحه إياه محمد السادس.
والحقيقة أننا لا نملك غير أن نقول لسعادة الوزير السابق يحسن عوانك، فحاجيات أسرته، وخصوصا حاجيات مريم من الغبرة، لا يستطيع أن يتحملها حتى مدير البنك الدولي فبالأحرى أن يتحملها وزير سابق. فالغرام الواحد من الكوكايين يساوي حوالي ألف درهم، ومريم محتاجة إلى غرام كل يوم، ومن يضرب الحساب سيخرج له المجموع، هذا إذا لم يخرج له العقل مكان المجموع.
وكمن يفتخر بمنجزات ابنته قدم سعادة الوزير السابق في الأنباء، والذي كانت إحدى مهامه هي فرض الرقابة على ما ينشر في الصحف، ألبوم الصور العائلي قائلا «الصور التي ترين والتي أفتخر بتزيين أرجاء الفيلا بها، يمكن أن تعطيك فكرة أكثر من دالة، فهذه زوجتي وهي تتحدث إلى ولي العهد في لقاء خاص، وهذه ابنتي مع الأميرة لالة أمينة».
عائلة أحمد مجيد بنجلون ليست سوى نموذج مصغر لعائلات كثيرة موجودة في المغرب، لا يسري القانون عليها وعلى أبنائها. إنهم نوع من العائلات الحاصلة على ظهائر توقير غير مكتوبة. بالنسبة إلى هؤلاء المحظوظين فالعقوبات السجنية وجدت فقط من أجل الآخرين.
وكتبنا أيضا عن كولونيل كان مشرفا على درك الصخيرات تورط في فضيحة تزوير محضر للدرك حول جريمة قتل حارس فندق «أونفيتريت بالاص»، بعد أن داسه حتى الموت أحد الأبناء المدللين بسيارته «الجاكوار»، وأصاب حارسا آخر بجروح خطيرة.
وقد حاول الكولونيل أن يحول حادثة القتل إلى مجرد حادثة سير عادية يتحمل فيها الحارسان المسؤولية الكاملة، بسبب مغادرتهما لمكان عملهما وقطعهما للطريق من أجل اقتناء الديطاي، فصدمتهما سيارة «الجاكوار».
وهكذا لم يكن تزوير الكولونيل للمحضر سيبرئ صاحب «الجاكوار» فقط، وإنما كان سيورط الحارسين في مخالفة خرق قانون الشغل، ما سيحرمهما حتى من التعويض.
وكتبنا عن تعامل العدالة مع ملف ابن والي كلميم السابق، الذي قتل بسيارته مواطنا وجرح رجل أمن بسبب قيادته لسيارته في حالة سكر طافح خلال رمضان، والذي طلبت المحكمة من أول جلسة إحالته على الخبرة الطبية للتأكد من سلامته العقلية. الشيء الذي لا تقوم به عادة عندما يتعلق الأمر بقضايا مشابهة يتورط فيها أبناء يا أيها الناس.
فالمحكمة الموقرة لم تستبعد فرضية وجود مرض الانفصام وراء ما قام به ابن الوالي، مع أن الأمن الذي طارد هذا الأخير واعتقله يعرف جيدا أن ما قام به ابن الوالي المدلل سببه الإفراط في شرب الخمر وليس بسبب شيء آخر، لأن ابن الوالي في حالة الصحو يقوم بعمله في مكتب هندسته بشكل عادي تماما.
وكتبنا عن ليلى بن الصديق، ابنة النقابي الراحل المحجوب بن الصديق، عندما داست أمام محطة القطار بالقنيطرة بسيارتها «الجاغوار» تسعة عمال في شركتها.
ولكي تغطي ليلى بن الصديق على فضيحتها قامت بصرف الأجور المتأخرة لمستخدميها مع إعادتهم لعملهم، أما الإيذاء العمدي للغير الذي اقترفته ليلى بن الصديق بسيارتها «الجاغوار» على رؤوس الأشهاد، والذي كان لوحده يتطلب متابعة قضائية من طرف النيابة العامة، حتى ولو تنازل الضحايا عن المتابعة، فلم يتم القيام به.
وكتبنا عن ابن الشيوعي السابق خالد الناصري عندما كان وزيرا للاتصال، وهب لنصرة ابنه الذي اعتدى على طبيب بالسلاح الأبيض والكريموجين وسط العاصمة الربــاط، وبالضبط أمام قبة البرلمـان، فتدخل رجال السلطة للقبض على المعتدي وقيدوه إلى السور الحديدي للبرلمان بانتظار وصول التعزيزات لنقله إلى مقر الأمن، لكن والده خالد الناصري وزير الاتصال وصل قبل التعزيزات وتم إطلاق سراحه وسط استنكار المواطنين الذين عاينوا الحادثة.
وتفسير كل هذه السلوكيات المنحرفة هو تضخم الشعور بالأنانية لدى البعض والإحساس بكون القانون يوجد فقط بالنسبة للآخرين الذين ليست لديهم رائحة الشحمة في شواقير توجد بالعاصمة الرباط. وهذا الشعور المتضخم بالأنانية سببه المباشر هو قلة التربية أو انعدامها أصلا. ولهذا يركز منظرو التربية في المجتمعات الديمقراطية منذ الصغر وفي التعليم الأساسي على زرع بذور المساواة في الأطفال عبر جعل جميع التلاميذ متساوين في القسم، سواء بتوحيد الزي المدرسي، أو بإدماج أطفال ينحدرون من أسر اجتماعية مختلفة في نفس المؤسسة.
إن سلوكيات منحرفة كخرق قانون السير، والعدوانية المجانية في الطريق، وفقدان الأعصاب بسرعة، واللجوء إلى الحيلة والمكر في الطريق للوصول قبل الآخرين، واحتقار الغير والسخرية منه دون سبب آخر غير الاستجابة لحاسة الشر البدائية في الإنسان، كلها انعكاس لمستوى التربية عندنا كشعب.
إن الحل الوحيد للقطع مع هذه التصرفات التي تعود لعهود كنا نعتقدها انقضت هو تطبيق القانون بصرامة، حرصا على هيبة المؤسسات واحتراما لروح القانون وإعمالا له.
ففي تطبيق القانون حماية للمؤسسات وصون لها ولرجالها وفي الدوس عليه تهديد لها وتشجيع على الفوضى.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة