شوف تشوف

الذكاء الاصطناعي

في مقالة صدرت أخيرًا ونشرت في موقع اليابان بالعربي يشرح سفير اليابان السابق في الصين كيف أن الفيروس انتشر من ووهان لأن المسؤولين كانوا منشغلين بإعداد المؤتمر الشعبي للحزب ولذلك لم يريدوا إفساد ذلك بتقديم أرقام حقيقية عن انتقال العدوى.
ولأن السياسة هي أهم شيء في الصين فقد تم التكتم على الفيروس إلى أن انتشر وخرج عن نطاق السيطرة.
يقول السفير الياباني:
“بدت الصين قادرة على التحرك بكفاءة ووقف انتشار العدوى بسرعة. وقد ساعد كون ”المجتمع تحت المراقبة“ في الصين على القيام بذلك. ففي الوقت الحالي، تستخدم الصين نظام ”التعرف على الوجوه“ لتسجيل من فعل، ومتى وأين فعل، وماذا فعل. لذلك إذا قمت بفعل أي شيء يخالف أوامر المركز، فستتم معرفة ذلك على الفور. وبالتالي أصبح من السهل معرفة مسار العدوى، حيث يمكن التعرف على حدوث الاتصال مع الأفراد المصابين وغير ذلك. ومن سخرية القدر أن كون المجتمع تحت المراقبة كان أمرا مفيدا في التعامل مع المشكلة التي وقعت في هذه المرة.
ويتعاون المواطنون مع الحكومة لأن انتشار العدوى مسألة حياة أو موت بالنسبة إليهم. وكان إغلاق مدينة ووهان التي يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة، ومقاطعة هوبي التي يبلغ عدد سكانها حوالي 60 مليون نسمة، قرارا يمكن فقط السلطة مثل الحزب الشيوعي الصيني من اتخاذه، ولكن لم يكن من الممكن القيام بذلك دون تعاون المواطنين”.
تعاون المواطنين إذن ضروري لإنجاح أية خطة للوقاية والعلاج، وبدون هذا التعاون تذهب جهود الدولة هباء.
وبما أن الظروف الحالية فرضت علينا وعلى العالم تسريع الانتقال الرقمي فإن كل من سيتأخر في إنجاز هذا الانتقال سيعيش الأزمة بشكل أعمق وأخطر.
لقد كان العالم يتحدث عن الانتقال الديمقراطي لكن اليوم الانتقال الوحيد الذي يسارع نحوه الراغبون في حجز مقاعدهم في قطار المستقبل هو الانتقال الرقمي.
علينا أن نعرف أن الصين واحدة من دول قليلة استطاعت أن تحقق ما يسمى السيادة الرقمية والتي بفضلها هزمت الفيروس. واليوم مفهوم الاستقلال ليس هو أن لا تكون مستعمرا من طرف دولة ما بل هو أن لا تكون سيادتك الرقمية تابعة لدولة ما.
وعمليًا كل الدول التي تستخدم شعوبها فيسبوك ويوتيوب وواتساب وبقية التطبيقات التابعة للعملاق الأمريكي غوغل هي دول وشعوب مستعمرة رقميًا. أما الصين وروسيا مثلا فلديهما استقلال وسيادة رقمية لأنهما يستعملان تطبيقات محلية ولديهما عمالقة رقميون محليون، ففي الصين مثلا هناك الثلاثي الذي يضم «علي بابا» و«بايدو» و«تينسينت».
وبفضل هذه المنصات الرقمية أصبحت الدول العظمى تخوض ضد بعضها البعض ما يسمى بالديبلوماسية الرقمية Digital diplomacy والتي تعني استخدام الأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة للتواصل مع جمهور خارجي بهدف خلق بيئة تمكين للسياسة الخارجية لبلد ما. وقد شاهدنا ذلك من خلال الضجة التي قامت حول مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوربي وحول انتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة، حيث أشارت أصابع الاتهام إلى روسيا محملة إياها مسؤولية التدخل رقميًا في الشأن الداخلي لهذه الدول والتأثير على الناخبين والرأي العام فيها.
إذن فالدول التي لم تحقق استقلالها وسيادتها الرقمية ستظل تحت رحمة عمالقة مثل غوغل وأذرعها التي تجمع أدق المعطيات الشخصية عن مستعملي منصاتها وتطبيقاتها.
في أمريكا لا تستطيع عمالقة التطبيقات الرقمية القيام بما يحلو لها، لذلك فأيديها إلى حد ما مغلولة، فحريات الأشخاص محمية بالقانون، وكلنا نتذكر مثول مارك زوكربيرغ صاحب فيسبوك أمام لجنة بمجلس الشيوخ للإجابة على اتهامات استغلاله للمعطيات الخاصة للمواطنين الأمريكيين لأغراض تجارية.
في روسيا والصين، وإيران، آخر ما تهتم به حكومات هذه الدول هو شيء اسمه الحريات الخاصة، فالدولة هي صاحبة الشركات العملاقة في الاتصالات والتطبيقات وتقوم بوضع رجل قش على رأس هذه الشركات، مثل مدير علي بابا في الصين.
وبفضل هذا الاستقلال الرقمي استطاعت الصين أن تضع جميع مواطني شعبها تحت الرقابة الدقيقة، وبشكل مستمر.
طبعًا الجميع يعتقد أن الصين هزمت فيروس كورونا فقط لأنها طبقت الحجر الإجباري الصارم وأوقفت جميع أشكال الحياة الاجتماعية في المدن المصابة وشيدت في رمشة عين مستشفيات ضخمة لعلاج المصابين. لكن الحقيقة أن الصين، التي يوجد بها ربع سكان العالم، نجحت في معركتها ضد الفيروس بفضل خوارزميات الذكاء الصناعي.
في الصين ليس هناك غوغل ولا واتساب ولا خدمة أوبير، ومقابل ذلك هناك تطبيقات صينية محلية يستعملها جميع الصينيين. وهناك تطبيق صيني اسمه تيك توك استطاع أن يستقطب 800 مليون مستعمل عبر العالم والذي تتهمه دول كثيرة بتجميع معلومات عن مواطنيها لصالح الحكومة الصينية.
هذا التفوق الرقمي مكن جهاز الدولة طوال عشرين سنة الأخيرة من جمع أدق المعطيات عن جميع المواطنين عبر هذه التطبيقات، وعبر 170 مليون كاميرا على طول التراب الصيني. كل رسالة قصيرة ترسلها، كل مطعم ترتاده، كل سيارة أجرة تستقلها، أي مكان تذهب إليه، كل الأشخاص الذين تلتقيهم، كل الفواتير التي تتوصل بها، كل الرواتب، الصور، الفيديوهات… كل هذا تتوصل به السلطات على مدار الساعة ويتم جمعه في مركز بيانات ضخم. وبفضل تقنية التعرف على الوجه عن طريق الكاميرات المتطورة الموزعة في كل مكان يتم تحديد مكان توجد أي مواطن عند الحاجة.
عندما بدأ وباء كورونا استعملت الحكومة الصينية قاعدة المعطيات هذه. وبمجرد ما تتأكد إصابة شخص بفيروس كورونا يتم إدخال بياناته إلى نظام المستشفيات، وفي رمشة عين تقوم الآلات، بفضل الذكاء الاصطناعي، بإنجاز خوارزميات معقدة تعطيهم حركات وسكنات المريض خلال الأسبوعين الأخيرين: أين كان، مع من كان… ومباشرة بعد ذلك يتم إرسال رسائل إلى كل الأشخاص الذين قابلهم أو تواجد معهم صدفة في نفس المكان خلال الأربعة عشر يوما الأخيرة، تخبرهم بأن هناك احتمالًا بإصابتهم بفيروس كورونا وعليهم التوجه فورا ليحجزوا على أنفسهم لمدة 14 يوما في بيوتهم.
وبالإضافة إلى ذلك عملت الصين عبر تطبيق هاتفي على تصنيف المواطنين إلى ثلاثة أصناف، كل صنف تشير إليه بلون محدد يظهر على شكل دائرة في شاشة هاتفه، اللون الأخضر الذي يعني أن حامله غالبًا لا يحمل الفيروس وبالتالي مسموح له بالتنقل، اللون الأصفر والذي يعني أن حامله مسموح له بالتنقل غير أن حالته الصحية غير معروفة، ثم اللون الأحمر الذي يعني أن حامله يجب أن يحجر على نفسه بسبب تعامله مع شخص مصاب أو لأنه يحمل الفيروس.
وفي كل البنايات السكنية والتجارية والحكومية في شنغهاي هناك جهاز مسح يجب أن يمر منه كل داخل وخارج إليها، وإذا كان تصنيفك أحمر فلن يكون بمستطاعك الخروج من البناية، وحتى لو نجحت في الخروج ستطاردك الشرطة وتعتقلك خلال دقائق.
لذلك فمن يعتقد أن الصين هزمت كورونا فقط بالنصائح في التلفزيون حول أهمية الحجر الإجباري أو ضرورة وضع الكمامات أو التباعد الاجتماعي فهو واهم.
الصين هزمت كورونا بفضل هذه الأشياء نعم، ولكن أساسا بفضل الذكاء الاصطناعي وخوارزمياته المعقدة، أي بتحكمها في أدق المعلومات الخاصة لمواطنيها وتحركاتهم والقدرة على تحليلها بسرعة واستغلالها لحمايتهم وحماية الصحة العامة بإجبارهم على تطبيق تعليمات الوقاية والسلامة.
هناك من سيقول إن هذا النظام الذي وضعه الحزب الشيوعي الصيني يلغي الفردانية والحرية الشخصية ويجعل الدولة تتلصص على مواطنيها وتحصي أنفاسهم، وبالتالي فليس هذا النظام صالحا للتقليد.
الجواب بسيط، هذا النموذج لن يكون اختياريًا بل سيكون الحل الوحيد أمام الجميع لمواجهة تحدي عصر حروب الفيروسات الذي انطلق ولا يبدو أنه سينتهي.
جائحة كورونا ليست سوى البداية، فإما أن الدول ستتوفر على المعلومات الضرورية التي يوفرها الذكاء الاصطناعي لحماية صحة مواطنيها ضد الفيروسات، وإما أنها ستستمر في مواجهة الفيروسات بالوسائل الحمائية التقليدية كالحجر الصحي الشامل الذي يعود للعصور الوسطى والذي ثبتت عدم فعاليته في كل بلدان العالم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى