الرئيسيةالملف الأسبوعي

العودة إلى النبع

مفكرون وسياسيون ورياضيون مغاربة يختارون الهجرة المعكوسة

تحاول الحكومات قدر المستطاع الحد من تنامي ظاهرة هجرة الأدمغة المغربية إلى الخارج، لكن في الوقت نفسه يركض خريجو المعاهد العليا نحو نصف فرصة في الضفة الأخرى، عملا بمبدأ «نصف فرصة هناك خير من فرصة هنا»، بينما صنعت أرقى الجامعات والمدارس والمعاهد العليا بأوربا ما تبقى من أدمغة مهاجرة. منهم من يساهم في نماء بلد الاستقبال، ومنهم من يجرفه الحنين إلى المغرب حين ينادي المنادي.
كل من داهمه يوما حلم العودة إلى المغرب إلا وتراقصت أمام عينيه الحواجز والمطبات، فيعدل عن فكرة الهجرة المعكوسة، لكن هذا لا يلغي إصرار البعض على ركوب التحدي والتضحية ورد الجميل للوطن، من خلال الرغبة الجامحة في المشاركة في دينامية البلد.
هاجس العودة إلى الوطن لا يسكن فقط الكفاءات الفكرية، بل يمتد ليشمل أيضا العقول المبدعة والأقدام الموهوبة وكل من يحمل صفة «كفاءة» مغتربة. صحيح أن الهجرات تنوعت على امتداد الزمن، واختلاف الأفراد والمجتمعات، لكن هجرة الأدمغة وعودتها إلى حضن الوطن تتقاطع فيها المهني بالوجداني، إذ يعد صيغة من صيغ الوطنية، سيما وأن كثيرا من الدول النامية تعاني من مشكلة هجرة عقولها المدبرة التي قدر لها أن تصنع مجد الآخرين وتساهم فيه، مقابل زيارات موسمية للبلد الأم تكون فرصة للمزيد من الأحزان، وتصبح الظاهرة عائقا أمام التنمية.
في هذا الملف الأسبوعي، ستسلط «الأخبار» الضوء على كفاءات مغربية أبهرت الأوربيين قبل أن تقرر العودة إلى النبع.

بلقاسم.. غادرت المغرب طفلة وأصبحت وزيرة بفرنسا ثم عادت أستاذة
في عز الحديث عن أخبار كورونا، تمكن خبر أوردته مجلة «جون أفريك» من سحب البساط من تحت قصاصات الوباء، ويتعلق بتعيين نجاة فالو بلقاسم، التي شغلت منصب وزيرة حقوق المرأة ووزيرة التعليم في فرنسا سابقا، كأستاذة بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات بمدينة مراكش.
وقالت المجلة سالفة الذكر في خبر مقتضب: «إن بلقاسم التي تشغل حاليا منصب مديرة المنظمة غير الحكومية «أو ني»، وهي حركة عالمية تهدف إلى إنهاء الفقر المدقع والأمراض التي يمكن الوقاية منها بحلول عام 2030، قد تم تعيينها أستاذة جامعية بالجامعة المذكورة».
ووصفت مجلة «جون أفريك» تعيين نجاة بلقاسم كأستاذة بالجامعة المغربية، إلى جانب شغلها منصب وزيرة التعليم، بالمنطقي لكونها خريجة معهد الدراسات السياسية بباريس، كما أنها قامت بتدريس طلاب الماستر في الشؤون العامة بالمعهد ذاته.
وبالعودة إلى مسار نجاة فقد غادرت المغرب وهي طفلة، وعادت إليه امرأة كاملة الأوصاف الفكرية. في طفولتها لم يدم مقامها طويلا في قرية بني شيكر القريبة من مدينة الناظور في منطقة الريف، ولم يكتب لها الاستمتاع بطفولتها كاملة في هضاب وجبال المنطقة، حيث هاجرت إلى فرنسا سنة 1982 وعمرها لا يتعدى الخمس سنوات.
التحقت رفقة والدها وشقيقتها الكبرى، في إطار التجمع العائلي والالتحاق بأب هاجر إلى فرنسا وقرر ضم باقي أفراد أسرته تحت سقف واحد في مدينة أبفيل، هناك درست نجاة وتعلمت أولى الكلمات الفرنسية، لتبدأ مشوارها الدراسي بين أبفيل وأميان ثم باريس، وقبل أن تتم سن الـ18 كانت تحمل الجنسية الفرنسية إسوة بأفراد أسرتها.
حصلت نجاة سنة 1995، على شهادة الإجازة في علم الاجتماع الاقتصادي، لكنها قررت استكمال المشوار، حيث التحقت بمعهد الدراسات السياسية في أميان، وحصلت سنة 2000 على شهادة في القانون الدولي، مما جعلها تعبر صوب المحاماة ضدا على رغباتها وميولاتها، إذ كانت تمني النفس بمنصب حكومي، لكنها فشلت مرتين في ولوج المدرسة الوطنية الإدارية.
كانت نقطة التحول في حياة نجاة هي انضمامها إلى الحزب الاشتراكي في 21 أبريل 2002 وهي حينها طالبة، وعلاقتها المتجذرة مع كارولين كولومب في 2003، زوجة السيناتور عمدة مدينة ليون، والتي كانت وراء ترسيخ مكانتها في الحزب الاشتراكي، حيث اختارتها سنة 2007 سيغولين رويال لتكون المتحدثة الرسمية باسم حملتها الانتخابية لرئاسة فرنسا، في مواجهة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي. ولم تنجح سيغولين في الانتخابات.
وفي سنة 2012، تم تعيين نجاة وزيرة لحقوق المرأة وناطقة رسمية باسم الحكومة الفرنسية، عقب فوز فرانسوا هولاند في الانتخابات الرئاسية، والذي اقتدى برفيقته السابقة حين عين بلقاسم ناطقة رسمية باسمه، حين كان يخوض غمار الحملة الانتخابات الرئاسية.
ولأنها وزيرة عربية فإنها لم تسلم من الهجمات، التي وصلت حد ترويج خبر انفصالها عن زوجها بوريس فالو، بمبرر أن اسمها في «تويتر» لا يتضمن «فالو»، وهو اسم الزوج الذي سقط سهوا من حسابها على «تويتر»، ففجر جدلا في مواقع التواصل الاجتماعي.
اعترفت نجاة بتقصيرها في حق أسرتها، لأن انشغالاتها السياسية قلصت مساحة التفرغ لتربية الأبناء، لكنها تعتبر الاعتزال السياسي فرصة من ذهب للتخلص من العبء الوظيفي والاستمتاع بلحظات الأمومة.

وزارة التعليم تستقطب الخطيبي وأوفقير يعفيه من إدارة معهد السوسيولوجيا
ولد عبد الكبير الخطيبي في مدينة الجديدة سنة 1938، وتحديدا في حي الصفا المتاخم لشاطئ البحر، وكان والده فقيها مقربا من أبي شعيب الدكالي، حيث أصر على أن يجعل منه عالما كما كان يردد في تجمعاته الدينية.
كان والده شديد التنقل بين المدن، لذا عرف مسار عبد الكبير الخطيبي التعليمي محطات عديدة في مدارس الجديدة، الدار البيضاء الصويرة، مراكش والرباط، قبل أن يلتحق بجامعة السوربون في باريس وينال شهادة الدكتوراه سنة 1964. شغل مناصب عدة في الجامعات والمعاهد الفرنسية، لكنه تلقى دعوة للعودة إلى المغرب، حيث عرض عليه منصب مدير «معهد السوسيولوجيا» بالرباط، وبعد طول تفكير استجاب للمطلب وقرر رد الجميل للوطن.
وعند عودته الى المغرب في ظرفية سياسية حرجة، تقلد مسؤولية إدارة المعهد الأول من نوعه في تاريخ السوسيولوجيا المغربية، لكن مقامه لم يطل حيث قامت السلطات المغربية بإغلاقه بعدما شككت في كون المعهد يقوم بالتأثير وبتأطير الطلبة المعارضين.
بعد الإغلاق تقرر أن يتولى الخطيبي منصب مدير المركز الجامعي للبحث العلمي، وكان عضوا أيضا في اتحاد كتاب المغرب، ورئيسا لتحرير «مجلة المغرب الاقتصادية والاجتماعية»، لكنه عانى من تربص الجنرال أوفقير ورفيقه أحمد الدليمي، إذ كتبا تقارير حول السوسيولوجيا وكانا يؤاخذان العلوم الاجتماعية أمام الملك الحسن الثاني ويتهمانها بكونها «تزرع في التلاميذ الروح التخريبية والتمردية».
لا تتردد أمينة العلوي، زوجة الراحل الخطيبي، في توجيه الشكر لملك البلاد محمد السادس، الذي أنقذ أسرة الخطيبي من حيرتها، حين اشتد به المرض، على الرغم من أنه كان، حسب تقارير بوليسية، يشحن الضباب المثقف، الزوجة أثنت على الملك الذي أعطى تعليماته الملكية بالاحتفاظ بصفة أستاذ جامعي لزوجها مدى الحياة، مع تمتيعه بكافة الامتيازات ذات الصلة بالمنصب ومنحه كافة الحقوق.
بعد خمس سنوات عن رحيله، دعيت أرملته أمينة للبوح، وتقديم مساهمتها في كتاب جماعي يسلط الضوء على جوانب من حياة الراحل عبد الكبير الخطيبي، يحمل عنوان «ولدت غدا: تحية لعبد الكبير الخطيبي»، إلى جانب أسماء من حقل الثقافة والفن وأخرى من عائلة الراحل، وهو من إعداد الكاتب المغربي مراد الخطيبي (ابن أخ عبد الكبير الخطيبي)، وفي هذا اللقاء أكدت أن الراحل ضحى بالمال من أجل الوطن.

الخطيب ومولاي حفيظ يضمان خليل أخصائي الطب الصيني إلى العيادة الملكية
اختار محمد خليل، ابن مدينة طاطا، الطب البديل مجالا لاشتغاله، رغم أن تخصصه بعد الحصول على
البكالوريا، هو شعبة البيولوجيا، إلا أنه سرعان ما غير الوجهة صوب الصين، فقد آمن الفتى الصحراوي أن العلاج بالطب الصيني التقليدي له مستقبل في الدول الآسيوية، سيما وأنه أبان عن مهارات عالية وهو يمارس هذه المهنة إلى جانب الصينيين إلى درجة التفوق عليهم أحيانا. وقرر ذات يوم الاستقرار في بلد «ماو»، لكنه لم يعد يستلزم السفر إلى غاية الصين، وحين تلقى اقتراحا بالالتحاق بالمغرب للاشتغال في إحدى المصحات لم يتردد، وعاد إلى المغرب سنة 1986 وهو يتأبط شهادة الدكتوراه في الطب الصيني، حصل عليها من معهد الطب التقليدي الصيني ببكين. ومع مرور الوقت قرر فتح عيادة لممارسة هذا التخصص، وسرعان ما استقطبت مئات المرضى الذين يؤمنون بنجاعة التجربة الصينية.
ولأن خليل هو أول طبيب مغربي، ينوب عن الصينيين في علاج المغاربة، فقد أصبح رئيسا لجمعية الصداقة والتبادل المغربية الصينية، مما وسع شبكة علاقاته مع المجتمع الصيني، سيما وأن عيادته أصبحت تستقطب أعدادا كبيرة من الزبناء المتمردين على الطب العصري.
تألق خليل جعله يصبح معالجا لشخصيات نافذة في المحيط الملكي، خاصة أولئك الذين يئسوا من العلاج في المصحات الأوربية والأمريكية، بل إن تخصصه مكنه من التعرف على الدكتور عبد الكريم الخطيب، الطبيب السابق للملك الراحل محمد الخامس. يقول خليل في حوار صحافي: «الدكتور الخطيب ساعد أسرتي على استيعاب الغاية من الهجرة»، كان الخطيب من دون وعي حينها بصدد بناء رجل سيحجز مكانه سريعا بعيادة القصر.
كانت بداية التوهج من المستشفى العسكري بالرباط، حين أصبح خليل يميل نحو العلاج بالوخز بالإبر، وكان يستعمل هذه الأداة في كثير من الحالات المستعصية، ترددت عليه شخصيات راسخة في هرم الدولة، من بينها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق، هذا الأخير عندما اقتنع بجدوى محمد خليل، قدمه إلى الجنرال مولاي الحفيظ العلوي، ووزير القصور والتشريفات آنذاك، كان عمر خليل حينها لا يتعدى الثلاثين عاما، وكان ينظر إلى دعوة الجنرال بمثابة قفزة عملاقة في مساره المهني.
نقل الجنرال للملك الحسن الثاني بشرى وجود طبيب بالمستشفى العسكري يغني عن السفر إلى الصين، حصل اللقاء بين خليل والملك، فتلقى الطبيب دعوة للالتحاق بالمصحة الملكية في القصر،
يتذكر خليل تفاصيل اللقاء الذي تم في قصر فاس، «ذات صباح حملتني طائرة خاصة في اتجاه قصر فاس، انطلاقا من مطار سلا، وعندما حطت الطائرة بالعاصمة العلمية، استرحت قليلا بفندق قصر الجامعي كي أتأهب للقاء الملك الحسن الثاني، وهذا ما حصل فعلا، فقد استقبلني بمعية الكولونيل عرشان، والدكتور محمد متقال والدكتور الصالحي، تملكتني رهبة شديدة، وبادرني الملك الحسن الثاني بأسئلته: لماذا اخترت الدراسة بالصين الشعبية؟ وما هو مسارك المهني؟ وما هي فوائد العلاج بالوخز بالإبر الصينية؟ هل أنت متزوج؟
شرع خليل في علاج الملك عبر الوخز بالإبر، فاكتشف أن الحسن الثاني ملم بهذا التخصص، «يعرف كل شيء عما أفعله، وكأنه درس الطب معي أو قبلي».

القنديلي.. مقاتل قاده لقاء مع الحسن الثاني إلى المجد الجمعوي والإعلامي
لعب الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران دورا كبيرا في مسار خالد القنديلي، بطل الفول كونتاكت والكيك بوكسينغ، فقد كان أول من استقبله في القصر الرئاسي، ودعم مشروعه «الرياضة لإدماج الشباب». كان الفتى المغربي القادم من حي شعبي بالرباط، قد لفت الأنظار في القارة الأوربية، حين أصبح بطلا لفرنسا وأوربا وبطلا للعالم سنة 1986. نال احتراما كبيرا من الرئيس ميتران، الذي شجعه على الانخراط في هذا المشروع المجتمعي، ووعده بتعبيد الطريق نحو القصر الملكي. كانت نصيحة ميتران: «كونك فرنسيا وتعيش في فرنسا، لا يجب أن تقطع الصلة بينك وبين جذورك وأصولك المغربية».
في سنة 1993 نظم خالد ليلة التحديات بمشاركة وحضور الشباب المهاجر المقيم بالأحياء الهامشية، وبدعم من سفارة المغرب في باريس، كما تم في السنة نفسها استقبال منظمي هذه التظاهرة من طرف الملك الراحل الحسن الثاني، وهو الاستقبال الذي صادف وجود قناة «تي إف 1» في القصر الملكي، وهي بصدد تصوير لقاء حصري مع الملك الحسن الثاني في قصره بالمغرب.
كان ذلك في 2 يونيو من عام 1993، عندما وضعت القناة الفرنسية كاميراتها في الرباط بحدائق القصر الملكي. كان خالد يقود وفد الشباب المغاربة/ الفرنسيين، من بينهم جمال الدبوز، الحفل حضره الملك محمد السادس وهو حينها ولي للعهد.
«استقبلنا الحسن الثاني الذي كان محاطا بجميع أفراد عائلته، أبناء وأحفادا، في جو خال من مظاهر وطقوس التشريفات. قال لنا: «أستقبلكم كما لو أنكم أطفالي». وحينما قدمت له جمال الدبوز، نظر إليه بإمعان وسألني هل هو أيضا رياضي؟ فأجبت بأنه فكاهي، ما أضفى جوا من المرح على اللقاء».
اضطر القنديلي إلى تعويض أعضاء من جمعيته بآخرين، من بينهم رشيد بنزين عن جمعية «منفذ الإغاثة»، وأحمد خياط عن جمعية «خارج المنطقة»، وبالطبع جمال الدبوز الذي لا يفارقه، وأصر على وضعه في مقدمة مستقبلي الملك.
آمن القنديلي بدور وسائل الإعلام في دعم مشاريع الإدماج، وأصبح مديرا لمحطة إذاعية تخصص حيزا كبيرا من برامجها للشباب المغترب في أوربا وفرنسا على الخصوص، وهي التجربة التي مكنته من رفع سقف الأحلام ليصل إلى حد إنشاء «قناة أطلس»، بمساعدة مستثمرين خواص ومؤسسات عمومية مغربية وبلجيكية وفرنسية، فضلا عن دعم العديد من الممثليات الدبلوماسية بالرباط، إلى جانب عدد من الوزارات المغربية والبلجيكية والفرنسية.

بنهيمة.. تحمل الحقائب الوزارية يبدأ بمنصب في الاغتراب
تولى امحمد بنهيمة، أحد أكبر خدام الدولة، ووالد إدريس بنهيمة، وزير النقل والملاحة التجارية والسياحة والطاقة والمعادن، أعلى المناصب في حكومة الحسن الثاني، حيث تولى منذ 7 يوليوز 1967 حتى 6 أكتوبر 1969 منصب وزير أول. كما شغل في وقت لاحق من 1972 إلى 1973، والفترة من 1977 إلى 1979 منصب وزير للداخلية.
نال امحمد مكانة خاصة عند الملك الراحل محمد الخامس، حين تحمل القصر نفقات تعليمه العالي بمدينة نانسي الفرنسية لدراسة الطب، ضمن بعثة ضمت عددا من المتفوقين دراسيا من مختلف المدن المغربية، نظرا للخصاص الحاصل في الأطر، الذي واجهه المغرب بصعوبة، أدى إلى إقحام متعلمين بسطاء في سلك الوظيفة العمومية. لكن الطالب العبدي الأصول سرعان ما حصل على منصب شغل هام في باريس، فآثر تمديد مقامه في الاغتراب.
لم يعد بنهيمة من نانسي ليمارس الطب، ولكنه اختير وزيرا للأشغال العمومية في يونيو 1962، من بين أعضاء الحكومة التي ترأسها الملك الحسن الثاني، ولم يمض وقت طويل على توليه تلك المهمة حتى أنيطت به مسؤولية التجارة والصناعة والملاحة التجارية، ثم عاد إلى قطاع الأشغال العمومية للمرة الثانية، «بيد أن اسمه سيرتبط في أذهان جيل المرحلة بتوليه وزارة التربية الوطنية، وقد ضمته حكومة واحدة إلى جانب شقيقه أحمد الطيب بنهيمة كوزير للخارجية، وهي الحكومة التي ترأسها الملك الحسن الثاني في يونيو 1965، بعد إعلان حالة الاستثناء بأقل من شهرين»، يقول نعمان الهاشمي.
ليس الأب امحمد هو الوحيد في الأسرة الذي انجذب نحو فرنسا، فقد اختار ابنه إدريس الهندسة وحصل على شهادات مدرسة البوليتكنيك بفرنسا، وشهادة من المدرسة الوطنية العليا للمعادن بباريس واشتغل في مؤسسات كبرى بفرنسا، وبعد عودته انضم إلى المكتب الشريف للفوسفاط سنة 1978، ومنه إلى منصب مدير عام للمكتب الوطني للكهرباء، قبل أن يصبح وزيرا للنقل وجمع في منصب واحد أكثر من قطاع، إذ كان يشغل وزيرا للنقل والملاحة التجارية والسياحة والطاقة والمعادن إلى غاية مارس 1998، كما عين سنة 2001 واليا على جهة الدار البيضاء، ثم مديرا عاما لوكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية لعمالات وأقاليم الشمال، قبل أن يحط الرحال على رأس الخطوط الملكية المغربية، ويغادرها بقرار إقالة.

بن شقرون.. نجل فلكي يحمل منظار العلم إلى فرنسا والمغرب
خلال حفل تكريم الدكتور محمد بن شقرون وتوقيع كتابه «هنري لاوست»، الأستاذ الجامعي في أكاديمية الآداب والعلوم الإنسانية بباريس، وصاحب البحوث المعمقة المتعلقة بالاستشراق، قال فرانسوا ديروش، قيادي الأكاديمية، في حق الباحث المغربي إن كتاب المغربي محمد بن شقرون يبدو على الخصوص هاما، بما ينطوي عليه من مقاربة ومساهمة في النقاش الدائر حول الاستشراق والمستشرقين.
«لقد توفق في اختيارا أولويات أعمال هنري لاوست ليهتم بها، ولإيضاح إسهامات هذا الدارس الكبير للإسلاميات في معرفة أدق للفكر الإسلامي الكلاسيكي، ما يسمح للقارئ باكتشاف مختلف مظاهر الاختلافات في الإسلام».
والد الأستاذ محمد بن شقرون هو الفقيه أحمد بن شقرون مؤقت المنار العباسي، أستاذ علم الفلك بالمدرسة العباسية وأستاذ اللغة الفرنسية، ونائب العلامة القاضي المفتي مولاي أحمد العلوي بمراكش، جده العلامة الفلكي محمد بن شقرون مؤقت المنار العباسي أيضا.
بدأ حافظا للقرآن الكريم وبعض الأمهات النحوية والفقهية، وتلقى دراسته الإسلامية على يد والده وعلى أساتذة من كلية بن يوسف بمراكش منهم: العلامة المختار السوسي، والعلامة الرحالي الفاروقي، والعلامة بن الحسن الدباغ والعالم الفلكي محمد بن عبد الرزاق والفقيه العلامة الأديب محمد عماد الدين والفقيه المحجوب السباعي والعلامة الفقيه ابن الفضيل والعلامة ابن القزيز والأديب مولاي العلوي، وحين هاجر إلى الفرنسي تتلمذ على يد كبار المفكرين.
حصل على دكتوراه الدولة في الآداب بالجامعة الفرنسية سنة 1974، ليدخل غمار المهام والأنشطة الثقافية والتربوية والدبلوماسية، حيث شرع في تقديم محاضرات في معاهد فرنسية، لكن الوطن كان يتعقب ارتقاءه في سلم الوجاهة، ليتم ضمه إلى السلك الدبلوماسي المغربي كمستشار بوزارة الشؤون الخارجية سنة 1962، مسؤولا عن التعاون الفرنسي العربي، ثم وزيرا مفوضا قائما بأعمال سفارة المغرب بسويسرا، وقبلها مديرا للشؤون الثقافية بوزارة الدولة المكلفة بالشؤون الخارجية.

محمد الخامس يعيد الماريشال إلى الثكنات المغربية والحسن الثاني يمنحه منصب سفير بإسبانيا
ولد محمد أمزيان في نهاية عقد الثمانينات من القرن ما قبل الماضي بمنطقة بني نصار بضواحي مدينة الناظور، قضى سنوات بالديار الإسبانية طالبا بالمدرسة العسكرية، قبل أن يتخرج منها ويصبح عقيدا في عهد الجنرال فرانكو الذي حكم إسبانيا بقبضة من حديد.
حسب رواية المؤرخة الإسبانية «روزا دي مادارياغا»، في مؤلفها «المغاربة الذين جلبهم فرانكو»، من خلال شهادات أشخاص عايشوا فترة أمزيان، فإن القائد المغربي كان مقربا من حاكم إسبانيا، وكانت له صلاحيات واسعة لتدبير جيوش أغلب عناصرها مسيحيون.
«بعد استقلال المغرب، طلب الملك محمد الخامس من محمد أمزيان الالتحاق بالمغرب لوضع خبرته العسكرية الكبيرة في خدمة المملكة، بغرض وضع اللبنات الأولى للجيش المغربي. استجاب أمزيان للنداء الملكي، وعاد إلى الوطن ليلعب دورا رئيسيا في تأسيس وتنظيم مؤسسة الجيش، إلى جانب الجنرال أوفقير وولي العهد مولاي الحسن، وتقلد منصب وزير الدفاع بالنيابة».
في سنة 1959 قاد بنفسه الجيش لإخماد ثورة الريف، وقاتل بضراوة ضد أبناء جلدته الريفيين. كانت هذه المرة الثانية التي يقاتلهم فيها، المرة الأولى كانت باسم إسبانيا، وهذه المرة باسم المغرب.
تقول الرواية ذاتها التي تداولتها صحف شمالية، إن الحسن الثاني كافأه على تفانيه في خدمة الوطن فمنحه أعلى رتبة عسكرية في البلاد وهي رتبة ماريشال، ليكون أول وآخر ماريشال في تاريخ الجيش المغربي.
انتقل للعمل الدبلوماسي في عهد الملك الحسن الثاني الذي عينه سفيرا للمغرب في إسبانيا سنة 1966، المنصب الذي شغله بقية عمره إلى حين وفاته سنة 1975 بمدريد، لتنطفئ آخر شمعة في حياة رجل مثير للجدل، حيكت عنه قصص غريبة لم تثبت صحتها من زيفها، رجل عاصر الديكتاتور فرانكو وكان ساعده الأيمن، ثم جاور السلطان محمد الخامس وحظي بثقته.
توفي الماريشال أمزيان بأحد مستشفيات مدريد، في فاتح ماي 1975، بعد وفاة الجنرال فرانكو بفترة قصيرة، وقيل إنه حزن كثيرا على وفاة الزعيم الإسباني، علما أن الحسن الثاني كان يعتزم الاعتماد عليه في مفاوضات اللحظات الأخيرة مع فرانكو، إلا أن المرض استبد به وحال دون حضوره حدث استرجاع الصحراء.
ترك المارشال الكثير من الممتلكات العقارية في العديد من المدن، حتى في المدن التي توصف في قاموس سكان الشمال بمدن الداخل مثل الدار البيضاء، فالعمارة التاريخية والشاهقة التي تحتضن المقر الرئيسي لرفاق بن سعيد أيت إيدر في الحزب الاشتراكي الموجود، في ملكية آل مزيان.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق