
يستهل الكاتب المصري أحمد هريدي في كتابه “رحلة إلى المغرب” بداية رحلته إلى المغرب بقوله: “إلى المغرب العربي في الشمال الأفريقي أسافر من مصر. مسافر أنا إلى الشمال الأفريقي الذي تضرب عروبته في أعماق التاريخ بخصوصية وواضحة وتميز معروف.
في الدقائق السابقة على إقلاعي من منزلي متوجها إلى مطار القاهرة الدولي. أقرأ للكاتب القومي الدكتور مصطفى الفقي، الذي يقول: (إن الشخصية الإسلامية العربية لدول المغرب أثرت تأثيرا فاعلا في طبيعة الوجود العربي، وأن دولة المغرب تعتبر خط الدفاع الأول عن العروبة والإسلام أمام أوروبا، فضلا عن الذكريات الدفينة لسقوط الدولة الإسلامية في الأندلس وخروج العرب منها، ولولا صمود دولة المغرب لانتكست عروبة تلك المنطقة وربما عاب الإسلام عنها أيضا).
أتابع الكاتب مصطفى الفقي: (إن عناية الحكم في الرباط بالثقافة العربية والتراث الإسلامي وعلوم الدين الحنيف كان لها أثرها في تأكيد الهوية العربية الإسلامية لتلك الدولة التي تقع في أقصى بقعة من المغرب العربي، والتي لا تبتعد عن حدود أوروبا بأكثر من كيلومترات… ذلك نهج تاريخي مغربي حرص عليه المرابطون والأدارسة والموحدون وغيرهم ممن حكموا في تاريخ السلطة المغربية.
وهنا لا بد من أن نشير إلى أن الإسلام في شمال أفريقيا لا يعدو دينا فقط، ولكنه يتحول إلى قومية أيضا، ولعل ذلك هو الذي منع الخلاف بين العرب والبربر عبر مراحل التاريخ المختلفة في هذه المنطقة التي تجعل من الإسلام دينا وقومية، تمثل لهما الحضارة العربية الخلفية الأساسية عبر كل العصور). في الطريق إلى المطار وأنا في سيارة التاكسي أفكر فيما ينتظرني من جديد ومثير ومدهش، ومن معرفة بالآخر تكشف عن أشياء لم نتعرف عليها من قبل في أنفسنا، ومن بهجة ارتياد الآفاق المجهولة ومصادفة الاكتشاف”.
شمس المغرب الجذابة
يتناول الكاتب أيضا مدى تأثير المغرب في مجال الفنون التشكيلية من خلال كبار الفنانين: “الطائر الخرافي يتابع طيرانه في اتجاه الغرب الذي تسافر إليه الشمس في رحلة يومية بديعة، تضفي على الدنيا والناس بهجة الضياء وفرح الألوان.
يحملنا الطائر الخرافي ويسافر بنا إلى الغرب، وفق قانون وضعي لبني البشر، لكن سفر الشمس ذات الإشراق والضياء والوهج في رحلة كل يوم، أمر يستعصي فهمه على عقلنا القاصر المحدود، وإن تقبلته أرواحنا في سرور.
شمس المغرب اجتذبت إليها العديد من الرسامين والمصورين العالميين الذين سافروا إليها، مثل ديلاكروا، ماتيس، بول كلي، كاندينسكي، وآخرين، وكان ديلاكروا أول فنان أوروبي يقتحم محراب فنون الشرق العربي والإسلامي، ويرتشف من صيغه الروحية واللونية.
رحلة ديلاكروا الشهيرة إلى المغرب في عام 1832 تعد رمزا للتفاعل مع الثقافة التشكيلية العربية الإسلامية وللاستلهام منها، وهي الرحلة المغربية التي اعتبرها “أندري مالرو” فيما بعد نقطة انعطاف في التصوير الفرنسي، وبداية التحول من الرومانسية الاستشراقية إلى بدايات الانطباعية.
وفي عامي 1912 و1913 قام الفنان الفرنسي “ماتيس” برحلتين إلى المغرب التي رسمها في لوحات، تبدو المناظر إليها وكأن شمس المغرب تشرق من وهج ألوانها. وظلت المغرب وشمسها لا تغادر “ماتيس” حتى بعد سفره إلى باريس، التي عكف فيها على تطوير التخطيطات التي كان قد أنجزها تحت سماء المغرب.
الطائر الخرافي يحلق بنا فوق البحر الأبيض المتوسط مخترقا طبقات السحاب الكثيف. هل الاقتراب الجغرافي بين الشمال الإفريقي والجنوب الأوروبي، خصوصا بالنسبة إلى دول مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا قد خلق نوعا من المزاج البحر متوسطي لدى المغاربة؟”.
الأندلس.. ابنة المغرب
هل المغرب بنت الأندلس، أو العكس هو الصحيح؟ يختلف الدكتور عثمان إسماعيل أستاذ الحضارة والفن الإسلامي مع المستشرقين ومن نحا نحوهم من العرب في تسمية أحد طرز العمارة والفنون الإسلامية في المغرب بالطراز الأندلسي المغربي، وفي القول بأن المغرب بنت الأندلس، ويرى أن العبارة معكوسة.
في رأي الدكتور عثمان إسماعيل أن طرز العمارة والفنون الإسلامية في المغرب أربعة طرز: الطراز المغربي القديم (طراز البربر)، والطراز المغربي الإسلامي المبكر (امتد منذ نشأة الإسلام إلى بداية عصر المرابطين)، والطراز المغربي الأندلسي (امتد بطول تاريخ المرابطين والموحدين والمرينيين)، وطراز الأشراف السعديين والعلويين.
دخل الطراز المغربي في العمارة والفنون الإسلامية إلى الأندلس عندما ضم المرابطون الأندلس لدولتهم في سنة 479 هجرية إثر انتصارهم في موقعة الزلاقة بالأندلس، واستمر هذا الطراز والفن المعماري طوال أربعة قرون في الأندلس.
يعتبر الدكتور عثمان إسماعيل أن موقعة الزلاقة علامة بارزة في تاريخ الفنون المغربية تشير إلى نهاية عصر الطراز المغربي وبداية عصر آخر في تاريخ الفن يسمى بعصر الطراز المغربي الأندلسي الذي امتد إلى سقوط غرناطة، وأنه خلال هذه الفترة تم تزاوج فني معماري بين المغرب والأندلس.
عبثا يدعي المستشرقون كما يقول الدكتور عثمان إسماعيل، أن إنجازات العمارة المغربية كانت بفضل الأندلسيين، بل الثابت تاريخيا أن هناك عناصر معمارية في تاريخ العمارة في الأندلس مشتركة مع المغرب بحكم أن الدولة أصبحت واحدة، وأن مسجد إشبيلية كان أغلب مهندسيه وعماله مغاربة قاموا بتصميم صومعة “الخيرالدا” التي هي أخت صومعة جامع الكتبية في مراكش، حيث صممتا على نفس الطراز والمواصفات، وكذلك صومعة حسان في الرباط التي شيدت في القرن السادس الهجري.





