المنبهي اتُهم بالسطو على أموال الصدر الأعظم قبل أن يخلفه
سيرة الوزير المنبهي المخزني الدي خلد إسمه في وزارة الحرب

يونس جنوحي
ما إن دُفن الصدر الأعظم “باحماد” في شهر يونيو 1900، في مراكش، حتى ساد الفراغ في فاس. لم يكن سهلا على السلطان الشاب المولى عبد العزيز أن يملأ فراغا تركه رجل بحنكة باحماد وتجربته. فالرجل راكم أكثر من أربعين سنة اشتغل خلالها بجانب السلطان المولى الحسن الأول، وتعرف عليه المولى عبد العزيز وتعامل معه منذ أن كان سنه 13 سنة فقط.
كان المهدي المنبهي المرشح الوحيد لخلافة سيده، ورئيسه السابق. حتى أن الصديق الروندة، الذي يمتلك أرشيفا عائليا غنيا عن باحماد والمهدي المنبهي، يؤكد أن المهدي المنبهي هو الذي أخبر السلطان المولى عبد العزيز بوفاة باحماد، قبل أن ينتشر الخبر في فاس، وقبل حتى أن تعلم عائلة باحماد نفسه بوفاته. وهو ما يؤكد منزلة المهدي المنبهي لدى السلطان، ولدى الوزير باحماد أيضا.
المرشح الوحيد
كانت الأجواء في فاس محتقنة نسبيا بعد وفاة باحماد. أعداؤه القدامى لم يعد لهم وجود. بينما الوزراء السابقون الذين اشتغلوا معه، خصوصا الوزير التازي الذي كان مكلفا بالمالية، والوزير المسفيوي المكلف بالشكايات، كانا يعلمان أكثر من غيرهما أن تشكيلة الحكومة بعد وفاة “باحماد” سوف تعرف تغييرات جذرية.. فقد كان باحماد، بعدما أصبح صدرا أعظم، سدا منيعا يحول ووصول بعض الأسماء المخزنية النافذة إلى مربع السلطة.
من المغالطات التاريخية السائدة، أن المولى عبد العزيز لم تكن لديه أي دراية بتدبير شؤون الدولة، وأنه وُلي العرش بعد وفاة والده المولى الحسن الأول، ليسهل السيطرة عليه من طرف باحماد.
لكن الحقيقة، بحسب شهادة الحاج سالم العبدي، أحد قادة جيش السلطان، والتي سجلها الفرنسي “لويس أرنو”، أن المولى عبد العزيز رافق والده إلى تادلة سنة 1894، ورغم حداثة سنه فقد أشركه والده في العمل السياسي والعسكري وأسند إليه مهمة غاية في الحساسية خلال تلك “المحلة” السلطانية، ويشهد الحاج سالم العبدي أن المولى عبد العزيز كان فعلا مقربا من والده ومحل ثقته، وكان يشركه في شؤون الدولة في ذلك الوقت، وأوصى “باحماد” بأن يُدربه..
ما أن توفي باحماد في ماي 1900، حتى بادر المولى عبد العزيز إلى تعويضه بتلميذه المخزني السابق، المهدي المنبهي. لم يكن المولى عبد العزيز في حاجة إلى التفكير مليا في الشخصية الأنسب لخلافة “باحماد” وسد الخصاص المهول الذي تركه في هرم الدولة. فالمهدي المنبهي كان مخزنيا نشأ في ظل باحماد.. وهذا أمر كان المولى عبد العزيز يدركه جيدا، بحكم أن المخزني المنبهي كان أمام ناظري المولى عبد العزيز منذ السنوات الأولى التي وعي فيها الأمير بمحيطه داخل القصر الملكي سواء في فاس أو في مراكش.
لكن أكثر ما جعل المنبهي يصبح مرشحا وحيدا لخلافة باحماد، طبيعة المهام التي مارسها خلال مرض الصدر الأعظم، والتي تتمثل في كونه الصلة الوحيدة بين السلطان ووزيره ومستشاره القوي. فقد كان “باحماد” المقعد في فراش المرض، يخاطب السلطان يوميا عبر الرسائل التي يتولى المنبهي نقلها. وهو ما جعل أي مخطط انقلابي للإطاحة بباحماد قبل وفاته، مستحيلا، بحكم أن المنبهي كان يدخل إلى الجناح الخاص بالسلطان دون الحاجة إلى المرور على حواجز المخازنية.. وهكذا أصبح المرشح الوحيد لخلافة باحماد.
“العلاف”..
هذا المنصب المخزني، كان مُعدا سلفا للمهدي المنبهي. فقد كان باحماد في آخر الأشهر التي عاشها، يُعد المنبهي لكي يصبح مسؤولا على وزارة الحرب. وكلفه بمهمة إلى مراكش، بحسب ما توثقه الرسائل المخزنية لدى المولى عبد العزيز. والتي تشهد أن المهدي المنبهي تكلف في زمن باحماد بمهام جسيمة، على رأس قوة عسكرية إلى مراكش ونواحيها، وبقي لفترة متنقلا بين فاس ومراكش. ولم يكن باحماد يتحرك نهائيا في موكب إلا والمهدي المنبهي يتقدمه على رأس قوة من الجيش. حتى حمل لقب “العلاف”، وهي صفة مخزنية تمنح حصرا لقادة الجيش السلطاني، وتحيل على مهام تتعلق بتموين الجيش وتوفير الموارد، أكثر مما تعلق بالشق العسكري الميداني.
الإشراف على الجيش، كان المنصب الأكثر حساسية ونفوذا، والمهدي المنبهي ضمن المنصب بمجرد أن توفي باحماد، واعتمده المولى عبد العزيز، وسرعان ما أصبح خدم القصر ورجال دار المخزن يصفون المهدي المنبهي بـ”العلاف الكبير”.
هذا التحول في حياة المهدي المنبهي منذ سنة 1900 رافقته تحولات نفسية كثيرة.. فالرجل أصبح من أثرياء فاس، وراجت روايات تاريخية بخصوص مصدر ثروته، واتُهم من طرف وزراء -خصوصا الوزير التازي- باختلاس حصة كبيرة من ثروة باحماد. فقد تكلف بتصفية تركة باحماد، وفوجئ المولى عبد العزيز الذي سأل وزراءه عن مقدار ثروة الصدر الأعظم وتركته، بأن جزء كبيرا منها لم يُذكر في الجرد الذي قُدم للسلطان، وانتشر خبر مفاده أن المنبهي قد احتفظ بالأحجار الكريمة والحلي والقطع الذهبية التي وصل إليها بحكم تردده على مخدع باحماد وخزنته. وهناك شهود تاريخيون على هذه المرحلة، أبرزهم السيد غنام الرباطي، وعبد الوهاب التازي، وأحمد بن عبد الهادي زنيبر، وكلهم كانوا من أمناء موظفي المخزن ومسؤولين عن السجلات، وكانوا ثلاثتهم معنيين بملف تركة باحماد، التي اتُهم المنبهي بتطويقها قبل أن تصل إليها سجلاتهم.





