
يونس جنوحي
مع بداية 1902، في الوقت الذي كان فيه الثائر المدعو «بو حمارة»، يعمل على توسيع دائرة انتشار الإشاعة التي يروج فيها كونه الابن الأكبر للسلطان المتوفى المولى الحسن الأول، كان المهدي المنبهي أقوى من ذي قبل داخل أروقة القصر الملكي.. حتى أن الأرشيف البريطاني يشهد بهذا الأمر.
ففي وثيقة من أرشيف المفوضية البريطانية في طنجة الدولية، تعود إلى نونبر 1902، يلخص البريطانيون وضع الوزير المهدي المنبهي، بل وعلّقوا على الأخبار القادمة من فاس ومراكش، اعتمادا على مصادر موظفي المفوضية، وعلى مصادر الوزير البريطاني نفسه وقتها، والذي كان من أصدقاء المهدي المنبهي.
يتعلق الأمر بالوزير المفوض، السير آرثر نيكلسون. وحتى إن لم يكن هو مصدر المراسلة، فإنه، بدون شك، أشرف عليها ووافق على محتواها.
تقول المراسلة إن الوزير المهدي المنبهي أقوى من ذي قبل، منذ عودته من لندن وحضوره حفل تنصيب الملك إدوارد السابع. ويضيف موظفو المفوضية البريطانية: «الأوضاع في القصر تتجه نحو الانفراج. المهدي المنبهي، وزير الحرب، والمشرف على الجيش، يتحكم في القرار السياسي، وهو الآن أكثر حظوة لدى السلطان، وهو الذي اقترح عليه تبني إصلاحات ضريبية مهمة. ويُرحب المنبهي حاليا بأي مبادرة أو اقتراح من بريطانيا، ووعد بأن يسهر بنفسه على إقناع السلطان بتبنيها. المصادر تقول إن معارضة المنبهي أضعف من ذي قبل، وليست لها أي حظوظ للحيلولة بينه والسلطان، خصوصا وأن مولاي عبد العزيز كلفه شخصيا باستقبال المبعوث الإنجليزي، وأمر بأن تقدم له هدية ينقلها إلى الوزير البريطاني عربون مودة.
مساعي المنبهي لتعزيز حظوة المفوضية البريطانية بدت واضحة أيضا عندما أعطى تعليماته، باسم السلطان، لكي يرافق الوفد البريطاني، فريق من الجيش والحرس، طيلة المسافة بين طنجة وقصر فاس، وهي مبادرة لا يقدمها المخزن إلا عربون صداقة».
وزير برتبة «جنرال»
تقول المراسلة أيضا إن المفوض البريطاني توصل بهدية شخصية من المهدي المنبهي، كانت عبارة عن خنجر ذهبي، وكانت مرفقة برسالة وقعها الأسكتلندي، القايد ماكلين، صديق المهدي المنبهي المقرب. وجاء في الرسالة أن المنبهي يعرض على المفوض البريطاني زيارة ودية إلى القصر في مراكش، وتعهد بترتيب لقاء مع السلطان.
لماذا أصر المنبهي على تقديم كل هذه الخدمات للإنجليز؟ رغم أن الفرنسيين في تلك السنة كانوا بدورهم يسعون إلى ربط الاتصال بالسلطان المولى عبد العزيز، حتى أن شخصيات فرنسية زارت فعلا القصر الملكي في مراكش، ثم القصر الملكي في فاس، وقدموا هدايا ثمينة للمغرب من بينها دراجة هوائية، اكتسبت في ما بعد شهرة كبيرة ضمن قائمة مقتنيات المولى عبد العزيز الشخصية.
لم يسبق للمنبهي أن زار فرنسا في حياته، على الأقل خلال فترة اشتغاله في البلاط، لكنه، بالمقابل، زار بريطانيا في إطار زيارة رسمية، ورأى بعينيه درجة التقدم الذي كانت عليه البلاد، وأصبح معجبا بكل ما هو بريطاني، خصوصا وأن الوزير البريطاني كان يضع المنبهي في وضع اعتباري رفيع.
الإنجليز هم من فتحوا عيني المنبهي على أهمية موقعه داخل الدولة. ففي نظر المخزن، وبقية المغاربة، كان المنبهي هو «العلاف الكبير»، وهو رتبة مخزنية ترتبط بدار المخزن وجيش السلطان.. فيما كان الإنجليز يتعاملون مع المنبهي على اعتبار أنه «جنرال» أو «ماريشال» عسكري، صاحب أرقى رتبة عسكرية في البلاد.. ومن هنا استمد المنبهي ثقته الكبيرة في نفسه أثناء تعامله مع الإنجليز.
إلى درجة أنه قلل من شأن الثائر بوحمارة عندما وصلت إليه أخباره لأول مرة.
وزير مغرور؟
هل كان المهدي المنبهي وزيرا مغرورا؟ لقد كان يعتقد أنه أهم من الصدر الأعظم، بل إن الصدر الأعظم نفسه انصهر في ظل المهدي المنبهي منذ يونيو 1901. ومع بداية وصول أخبار توسع الثائر بوحمارة القادم من الشرق، كان المنبهي يزداد ثقة بأنه صار «لا يُقهر».. بل إن المهدي المنبهي أرسل، في نونبر 1902، رسالة يخبر فيها المفوضية البريطانية ألا تقلق نهائيا بشأن حركة بوحمارة، وأنه مجرد مرتزق سوف يتعامل معه المخزن بالحزم اللازم و«يوقفه عند حده».
واجه المهدي المنبهي بوحمارة عن طريق القياد المشرفين على المناطق التي تطوق حركة بوحمارة. فقد أدرك المنبهي منذ البداية أن الجيلالي الزرهوني ادعى، أكثر من مرة، أنه ابن السلطان، وانتحل شخصية الأمير مولاي محمد، مستغلا جهل الناس بشكله، ونجح في حشدهم حوله للمطالبة بالعرش على اعتبار أنه أكبر أبناء السلطان.
قلل المنبهي من أهمية بوحمارة، خصوصا وأن المخزن «سحقه» في واحدة من أولى المواجهات بين الجيش المخزني ومريدي وأتباع بوحمارة. لكن ما أن اعتقد المنبهي أن حكاية بوحمارة طُويت، حتى وصلته أخبار عن عودة قوية لهذا الثائر المصر على دخول قصر فاس، وبات الأمر جديا أكثر من أي وقت مضى، واختبارا حقيقيا لمدى قوة المهدي المنبهي على الأرض، وليس على ورق المراسلات مع المفوضية البريطانية في طنجة الدولية.





