الرئيسيةسياسيةن- النسوة

الوجه الحقيقي للعالم

 

ربا عياش

 

 

كل حدث وموقف جديد يُظهر لنا مدى هشاشة العالم الذي نعيش فيه، وكأنها تسقط الأقنعة مع كل اختبار جديد توضع أمامه البشرية، ويتضح مدى هشاشة إنسانية هذا العالم.

تشاهد عبور هذه الأيام الثقيلة وجل ما تفكر فيه خلال المتابعة القاسية والمؤلمة لكل التشرذم الذي يحدث أخيرا، هل يكترث هذا النظام للإنسان؟ يبهرك هذا العالم في كل مرة بإنسانيته الهشة والمجزأة والمشروطة والقابلة للتداعي بسهولة.

إنسانية؟ يبدو أنها أكذوبة، فالواقع يقول إن العالم متشبع بالكره.. الغضب.. السخط.. العنصرية.. الرعب. العالم سيرمي الناس – كل الناس- في الجحيم، في كل اختبار غير آبه لأسمائهم. أحلامهم. قلوبهم التي تذوب تحت النيران.

الحقيقة، نزفت الإنسانية خلال عقود وفي حروب كثيرة، خلال حربين عالميتين، حروب بالوكالة. حتى تم تدمير مجتمعات كاملة ماديا، بشريا، معنويا، ثقافيا، فكريا وإيمانيا. ثم ماذا؟ ثم لا يتعلم البشر.

كنا نقول: «لا بأس في عالم حيث الصراعات به محدودة. لا يمكن أن نحظى بعالم طوباوي»، لكن يبدو أن الأمر أعقد بكثير والجرح الإنساني يحترق.. يتألم.. يتعفن. مثلا، لا أحد قادر على وقف إطلاق النار؟ لماذا المؤسسات العالمية معطلة.. ولماذا نحتفظ بهذه المنظمات؟ جل ما نحصل عليه اليوم هدنة إنسانية متأرجحة هشة؟ بالنسبة إلى النظام العالمي الأولوية ليست حماية الإنسان؟ كيف يكون ذلك منطقيا؟

هل فشل الإنسان في تعريف إنسانيته وترويض شياطينه؟ يبدو ذلك. النظام العالمي الحالي هش وفاشل إنسانيا.. وعليه مراجعة كل الشعارات التي يتبناها، خاصة العالم الغربي، المتصدر المشهد دائما، بكونه عراب الإنسانية والحضارة والديمقراطية والحرية، وغيرها من الكلمات المبتدعة التي فقدت مصداقيتها عبر العصور.. عليه مراجعة كافة دساتيره وقيمه التي قامت عليها مجتمعاته منذ عشرات السنوات.

على العالم الغربي مراجعة حساباته ونظرته وتقييمه للشعوب الأخرى.. هل المكيال واحد؟ هل العدالة قابلة للتحقيق حقا؟ هل الجميع سواسية؟ لماذا يبدو وكأننا نعود إلى الحقب، حيث كان الإنسان يوضع في حديقة «إنسان»، أو يتم زجه في السيرك كأنه «حيوان»، ويتم التعامل معه كونه «شيء»؟

العالم الغربي لا يحب استحضار هذه الأمثلة غالبا.. ويحاول طمسها.

هل كان من المفترض أن نعود إلى حقب، حيث أُبيدت شعوب المناطق الأصلية، وتم إحلال مجتمعات مختلفة وأخرى؟ ألم نجتز ذلك كإنسانية؟ هل ما زالت النخبة الغربية الأمريكية المشبعة بالعنصرية والكره والطبقية تجاه الشعوب الأخرى هي حقا من تحكم الكثير من مفاصل العالم؟

يبدو أنها أسئلة مشروعة تماما، والجميع يستحق إجابات.. فهل هناك أي من العقلاء، أصحاب العقول المتوازنة، المفكرين، الفلاسفة، من الممكن أن يشاركوا في خلق مجتمعات أفضل في مرحلة قريبة؟

كان من المفترض أننا نعيش في عالم حضاري متطور جديد، حيث الحداثة والتكنولوجيا، حيث تتوفر خدمات أفضل للجميع ليتم إحلال العدالة بشكل أكثر سلاسة.

آخر ما نتذكره، كنا نتحدث عن عصر السرعة، ومدن رقمية حديثة متطورة توفر خدمات جيدة وأقرب إلى الممتازة للبشر.. طبعا لا يتم تطبيق ذلك في كثير من الدول في العالم، لكن على الأقل هذا آخر حديث كان يتم سرده وتداوله.. قبل أن يسقط القناع!

كنا نريد عالما يحافظ على البيئة والمناخ، ومدنا أكثر سلاما، كنا نعتقد أننا قادرون على تحديث كل الدساتير في العالم لتكون أكثر خدمة للبشرية، اعتقدنا لوهلة أننا بعد تجاربنا البشرية المريرة والأخطاء الفادحة التي تم ارتكابها هنا وهناك، تعلمنا الدرس ولو قليلا.

لكن ماذا حصدنا؟ نظام عالمي لا يكترث لحياة الإنسان، أو لحصوله على احتياجاته الأساسية، لأحلامه، أفكاره، إبداعه، أمانيه، تطلعاته، اكتئابه، قلقه وسعادته.

ما زلنا نناقش مدى أهمية حياة الإنسان.. ونحاول إقناع العالم بالتعاطف مع «إنسان». أعتقد.. سقطنا في الهاوية.. من نحن؟.. الإنسان.

حتى لا تقولون عني «متطرفة بالسوداوية»، أنا لا أقول لا يوجد ما يُسمى «الخير» مطلقا، ولا أقول إن «النور» تم سحقه في قلوب الجميع تماما، وفي كل الأنظمة بشكل كامل، من الواضح أن هناك دولا تحاول مد يد العون وتحاول إغاثة الإنسان واحتواء الضرر، لكن أيضا من الواضح أن الظلام أقوى ويتمدد بشكل أوسع.

من الواضح أن اللغة التي يتعامل بها النظام البشري هي «غطرسة».. «قوة».. «تدمير».. «حرق كامل الكوكب لأجل تحقيق أهداف معينة».. يمكنك فتح خريطة العالم، ستجد خططا مفزعة واستراتيجيات سامة. والسؤال الأهم.. هل ستكون هناك مراجعة ذاتية إنسانية؟ بمعنى.. هل ستكون هناك محاسبة قريبة؟ مراجعة لقيمنا.. إنسانيتنا.. تعريفنا لأنفسنا.. ماهيتنا؟ هل سيظهر من يدافع عن قيمة الإنسان حقيقة؟ هل سنبدأ بتعديل نظامنا لنضمن على الأقل مستقبلا أفضل وأكثر عدالة للأجيال المقبلة؟ هل يمكن أن نغير هذا النظام البشري الذي يبدو أنه أسّس منذ زمن طويل على قيم متداعية؟

رُمي «الإنسان» على قارعة هذا الكون، وحيدا.. دون نجدة، دون سؤال، دون محاولة لإنقاذه. تم زجه في السجن منذ زمن طويل.. وسلبه كل شيء قبل ولادته حتى.. نفسه، حياته، أحلامه، صوته، أفكاره، إنسانيته المكبلة.. فمن يُنقذ نحن «الإنسان» من كل ذاك؟

نافذة:

من الواضح أن هناك دولا تحاول مد يد العون وتحاول إغاثة الإنسان واحتواء الضرر لكن أيضا من الواضح أن الظلام أقوى ويتمدد بشكل أوسع.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى