شوف تشوف

الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

بؤساء السياسة 

في سياق متابعة مسلسل الاعتقالات والملاحقات القضائية ضد العديد من المنتخبين والبرلمانيين في قضايا الفساد المالي وسوء تدبير العديد من المؤسسات المنتخبة، يظهر أن الأحزاب السياسية تتحمل قسطا كبيرا من المسؤولية، لأنها منحت التزكية لمجموعة أشخاص جاؤوا إلى السياسة للحصول على الامتيازات ونهب المال العام، وأصبح السباق نحو رئاسة المجالس الجماعية طريقا مختصرا للاغتناء السريع، وهناك نماذج للعديد من المنتخبين أصبحوا، بعد قضائهم فترة وجيزة على رأس الجماعات الترابية، من كبار الأثرياء ويصرفون أموالا باهظة في حملاتهم الانتخابية للحفاظ على مناصبهم.

وفي هذا الصدد، من المفيد استحضار الخطب والرسائل الملكية التي ما فتئت تنبه إلى آفة الفساد ومخاطره، آخرها الرسالة الموجهة إلى مجلسي البرلمان بمناسبة الاحتفال بالذكرى الستين لإحداث أول برلمان بالمغرب، عندما دعا الملك إلى وضع مدونة للأخلاقيات، والرفع من جودة النخب البرلمانية والمنتخبة، وهي رسالة واضحة وبليغة موجهة لمن يهمهم الأمر، وخاصة قادة الأحزاب السياسية، لأنهم مسؤولون عن اختيار المرشحين للمناصب الانتخابية.

ويبدو أن «بؤساء» السياسة الغارقة لم يستوعبوا الرسائل والإشارات، خاصة بعدما صادق المغرب على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، سنة 2007، وقام بتطوير ترسانته المؤسساتية والقانونية ذات الصلة، حيث تمت ملاءمتها مع المعايير الدولية في هذا المجال.

وسعياً إلى توحيد هذه الجهود وتنسيقها، اعتمدت المملكة المغربية، منذ سنة 2015، استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد، يمتد تنفيذها على مدى عشر سنوات، وتهدف إلى تغيير الوضع بشكل ملموس ولا رجعة فيه، في أفق سنة 2025.

ومن المؤكد أن جرأة ووضوح وخطاب الصرامة والحزم الواردة في الرسائل والخطب الملكية لم تصل إلى آذان من يهمهم الأمر من النخبة السياسية المصابة بمرض ضعف الذاكرة، ولعل المتتبع اليوم لحجم وطبيعة الملفات المحالة على القضاء في قضايا الفساد المالي والإداري يكتشف منذ الوهلة الأولى هذه الحقيقة المرة، حيث تحول نهب المال العام من سلوك فردي معزول يخدم مصالح خاصة إلى انحراف اعتيادي «جماعي» منظم اخترق في حالات عديدة مؤسسات الدولة ليجعل منها غطاء سياسيا وإداريا ويضمن لنفسه الحماية.

وتكشف الظاهرة، من جهة أخرى، طبيعة النخبة السياسية المغربية التي انتعشت أخيرا في ظل هيمنة البؤس على الجدية، ويتعمق بؤس هذا الصنف من «النخبة» السياسية عندما تصبح بدون ذاكرة أو تصاب بمرض اللامبالاة أو السهو، فإما أنها لا تأخذ مأخذ الجد خطاب الحزم والصرامة الوارد في الرسائل والتوجيهات الملكية في أكثر من مناسبة، أو أنها غير مبالية بحجم المجهودات المبذولة من قبل بلادنا خاصة على مستوى الترسانة التشريعية والمؤسساتية ذات الصلة بمحاربة الفساد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى