باحماد انتبه إلى أن المخزني البسيط أصبح صديقا لأصغر أبناء المولى الحسن الأول

عندما احتفظ المهدي المنبهي بمفاتيح خزانة السلطان، ومفتاح القاعة التي يمارس فيها السلطان مهامه اليومية، ازدادت أهميته، حتى أن الوزراء قد بدأوا فعليا يتوددون إليه. وهؤلاء الوزراء كانوا يهابون الحاجب باحماد، خصوصا وأنه نكل بأفراد أسرة الجامعي، التي توارثت الوزارات، بل وتمادى في إهانتهم ولم يكتف بسجنهم حتى الموت..
يونس جنوحي
إلى جانب منصبه “قايد الفراش” داخل القصر الملكي في أيام المولى الحسن الأول، كان المنبهي يضطلع بمهمة أخرى كلفته بها نساء القصر، وهي مرافقة أصغر أبناء السلطان، المولى عبد العزيز.
أشيع في بعض الروايات أن المهدي المنبهي كان مشرفا على تريبة المولى عبد العزيز في صباه، لكن الأمر ليس مؤكدا، ولم يثبت تاريخيا أن المنبهي قد أضاف إلى مهامه داخل القصر، مهمة تربية أي من الأمراء. إذ أن مُربي المولى عبد العزيز كانوا معروفين، ولم يكن المنبهي من بينهم.
لكن ما حدث، أن المنبهي بحكم منصبه في الإشراف على قاعة السلطان وأثاثها وترتيبها، كان محبوبا في أوساط نساء القصر المقربات من السلطان وأبنائه، وكن يعهدن إلى المنبهي بمهمة الترويح عن المولى عبد العزيز في سنوات صباه الأولى، ومرافقته بين أروقة القصر، خصوصا وأنه كان أحب أبناء السلطان وأقربهم من أبيه.
انتبه باحماد، حاجب السلطان، إلى المكانة التي بات يحتلها المهدي المنبهي لدى محيط السلطان، وشعبيته، فاختاره لكي يكون أحد الأسماء التي يتعامل معها في علاقته بالسلطان.
تتوفر رسالة من أرشيف المفوضية البريطانية في طنجة الدولية، تعود إلى سنة 1898، وقعها الوزير المفوض البريطاني Sir Arthur Nicolson، الذي كان يمثل سلطات بلاده لدى السلطان المولى الحسن الأول، يشرح فيها دور المهدي المنبهي في توقيع اتفاق بين المخزن وبريطانيا، جاء فيها: “إن المهدي المنبهي أقرب شخص إلى السلطان عبد العزيز في الفترة الراهنة. وقد بلغني أن علاقته بالسلطان لم تبدأ مع تعيينه وزيرا للحرب، ولا عندما كلفه السلطان باستقبالنا في قاعة قصر فاس أثناء الاعداد للاتفاق، بل إن علاقة المنبهي بالمولى عبد العزيز تعود إلى سنوات طفولة السلطان. ولا يوجد من هو أكفأ من الوزير المنبهي عندما يتعلق الأمر بفهم ما يريده السلطان، دون أن ينبس بكلمة”.
ولم يكن الوزير المفوض البريطاني أول من أكد هذه العلاقة المميزة بين المنبهي والسلطان المولى عبد العزيز، بل هناك مراجع رسمية، مثل أرشيف رجال المخزن الثقاة، مثل الضعيف الرباطي، وحتى بعض المراجع الأجنبية مثل “في صحبة السلطان” للفرنسي “غابرييل فير”، كلها تؤكد أن المهدي المنبهي كان أقرب رجال المخزن إلى المولى عبد العزيز.
مخزني فوق العادة
هذه هي الرتبة التي تصف وضع المهدي المنبهي قبل 1894، بشكل أدق. لم يكن الحاجب باحماد في حاجة إلى المهدي المنبهي في تلك الفترة بالذات. فقد كان الرجل الأقوى إلى جانب المولى الحسن الأول، لكن مع توالي الأيام، اكتشف الحاجب باحماد، أن المخزني المنبهي، من “مخازنية” الخدمة الخاصين به.. وهكذا قربه منه لما لمس أن لديه “سحرا” في التعامل مع أهل دار المخزن.. لكن العلاقة الوطيدة بين الرجلين لم تبدأ فعليا إلا عندما اشتد عليه المرض، ولم يعد لديه ظهر يحميه داخل دار المخزن.
وحتى لا نستبق الأحداث، لنبق قليلا في أجواء آخر أيام حكم المولى الحسن الأول.
كان المهدي المنبهي، يزداد قربا من المولى عبد العزيز، حتى أن صداقة نشأت بينهما، رغم أن الأول كان مخزنيا مهمته خدمة السلطان، بينما الأمير كان أصغر أبناء السلطان وأحبهم إلى قلبه.
لم يثبت تاريخيا أن المهدي المنبهي قد اضطلع بمهمة رسمية في أيام المولى الحسن الأول، وكل ما هو مسجل في أرشيف وثائق القصر الملكي، أن المهدي المنبهي ورد ذكره في لائحة المخازنية، برتبة “قايد الفراش”، ويشرف بإخلاص على مهمة تأمين أغراض السلطان ومفاتيح الخزائن التي يضع فيها الوثائق المخزنية.
عندما احتفظ المهدي المنبهي بمفاتيح خزانة السلطان، ومفتاح القاعة التي يمارس فيها السلطان مهامه اليومية، ازدادت أهميته، حتى أن الوزراء قد بدؤوا فعليا يتوددون إليه. وهؤلاء الوزراء كانوا يهابون الحاجب باحماد، خصوصا وأنه نكل بأسرة الجامعي، التي توارثت الوزارات، بل وتمادى في إهانتهم ولم يكتف بسجنهم حتى الموت..
تجنب المهدي المنبهي أن يظهر في المساحة التي قد تجعل باحماد يستهدفه، لكنه تسلل بهدوء إلى أن وصل إلى أكثر المناصب حساسية، فقد كان من صلاحياته أن يرافق السلطان في سفره ومقامه، وأن يتكلف بمهمة ترتيب قاعته سواء تعلق الأمر بقصر فاس، أو قصر مراكش، أو أثناء تنقلاته ليجهز له الخيمة الملكية.
تحالف غير مُعلن
قبل وفاة المولى الحسن الأول بفترة قصيرة، كثف من سفرياته، وتنقلاته، حتى اشتهر لاحقا أنه أحد أكثر السلاطين العلويين تجوالا. فقد وصل إلى تخوم الصحراء، جنوبا، وجددت له قبائلها البيعة، كما وصل إلى تافيلالت شرقا، واعتُبرت زيارته لها تاريخية.. كما أنه تجول في منطقة سوس ووسط المغرب ووصل إلى طنجة الدولية وكانت زيارته لها تاريخية بكل المقاييس وتناولتها الصحف الأجنبية، البريطانية على وجه الخصوص..
كان المهدي المنبهي حاضرا في كل هذه الجولات، وهو ما رفع أسهمه لدى السلطان، ولدى الوزراء، وبقية رجال المخزن الذين كانوا يشكلون وقتها، الذراع الحقيقي للمخزن، لدى ممثليه من قياد وباشاوات.
بعد ذلك، جاء دور التحالف “غير المُعلن” بين الحاجب باحماد، وبين المهدي المنبهي. الشاب الذي كان مجرد مخزني هامشي في دار باحماد، أصبح “قايد الفراش” بصلاحيات واسعة تفوق صلاحيات الوزراء أنفسهم، لذلك تعين على باحماد أن يضعه في مكانة اعتبارية، خصوصا وأن المنبهي كان موقعه في دار المخزن، على يمين السلطان مباشرة.
عندما توفي المولى الحسن الأول في سنة 1894، كان المهدي المنبهي على موعد مع أحداث عاصفية، لكنها بدل أن تسويه مع الأرض، وضعته على القمة مباشرة!





