
د. خالد فتحي
في بلاغٍ دقيق الكلمات، بالغ الوضوح في دلالاته، أطر الديوان الملكي لحظة ختام كأس إفريقيا للأمم التي احتضنها المغرب، لا باعتبارها نهاية تظاهرة رياضية تألق فيها المغرب تمام التألق، بل باعتبارها كذلك لحظة دولة لا تنفك ترسخ مكانتها قاريا ودوليا. فالكان، في دورته الخامسة والثلاثين، لم يكن له، وقد التأم بالمغرب، أن يظل مجرد منافسة كروية، بل وأن يتحول، عبر هذا البلاغ، إلى خطاب سيادي هادئ للدولة المغربية، يختصر رؤية سياسية رصينة، ويعكس أسلوبًا نافعا في التدبير، ويؤكد فوق ذلك ثقة راسخة في الذات وفي الانتماء الإفريقي.
من الجلي أن البلاغ الملكي جاء ليحتفي بالنجاح ووضعه بالخصوص في سياقه الصحيح. ولذلك هو لا يعدد المنجزات بقدر ما يشرح منطقها.. لا يقول ماذا تحقق فقط، بل يوضح كيف تحقق، وبأي نفس، وبأي بصيرة، فالرياضة، وفق هذا المفهوم الملكي الذي يرشح من البلاغ، ليست مجالًا معزولًا عن السياسات العمومية الأخرى، بل امتدادًا للنموذج المغربي في التخطيط، حيث الاستثمار طويل الأمد في البنيات التحتية، وفي الرأسمال البشري وفي وضوح الاختيارات، وهو ما يجعل من النتائج مسارا طبيعيا، لا إنجازا ظرفيًا أو مكسبا عابرا.
وفي صلب هذا التصور، يمنح جلالة الملك الصدارة للمواطن قبل الملاعب، والأرقام، والألقاب، الناس، الجماهير، الأسر، الأطفال، المدن، الفرحة الشعبية… كلها تتقدم النص، وكأن الرسالة محسومة: التنظيم الناجح لا تصنعه المنشآت وحدها، بل تصنعه بالخصوص الروح الجماعية حين تتحمل المسؤولية وتشتغل بثقة تحت الأضواء. هذه الروح الوثابة هي التي تظهر المغرب كما هو، لا كما يُراد له أن يُقدّم من بعض السرديات التي يؤلمها ويزعجها نجاحه: بلد قادر على الفرح دون فوضى، وعلى الاختلاف دون تصدع، وعلى تدبير لحظات الضغط دون فقدان التوازن. ولذلك فالنجاح الحقيقي في مثل هذه التظاهرات العالمية لا يُقاس بما يحصد فوق العشب الأخضر فقط، بل بالصورة التي يرسخها البلد عن نفسه وهو في قلب المشهد العالمي.
لم يتعامل البلاغ الملكي مع المنتخب الوطني كفريق كرة قدم وحسب، بل كخلاصة مسار ومشروع أمة. ولذلك يوجه إلى كون المرتبة الثامنة عالميًا التي تحصلها ليست قفزة استثنائية، بل نتيجة منطقية لسياسة إرادية، استثمرت في البنية التحتية، وفي التكوين وفي ترسيخ الانتماء الوطني، معتبرا أن انخراط أبناء مغاربة العالم في صنع هذه المكانة الدولية السابقة لم يأتِ بدافع الحاجة التقنية أو الظرف الرياضي، بل باعتبارهم عنوانًا لوطنية مفتوحة، تجعل من التعدد رافعة قوة، ومن اللحمة الوطنية رصيدًا استراتيجيًا. وبهذا الفهم، تصبح كرة القدم لغة واضحة حين تُدار وتشرح أهدافها بالعقل المستنير الدولة، الذي يجعل من التراكم ومن التقائية السياسات العمومية رافعة للتقدم الشامل وأساسا للنجاح المستدام .
بلاغ الديوان الملكي تطرق أيضا لما شاب الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية، أمام المنتخب السنغالي، من شوائب مختارا أن يتحدث إلى المواطنين بلغة الدولة الواثقة العقلانية التي لا يعميها غبار الأحداث العابرة عن أهدافها ومصالح شعبها الاستراتيجية: لا تهويل، لا إنكار ولا انفعال. بل وضع للأحداث في حجمها الحقيقي، وتأكيد على أن لحظات التوتر عابرة وأن ما يبقى هو عمق الروابط الإفريقية. فالدول التي تعرف وزنها لا تكتب تاريخها بلحظة غضب، ولا تختزل مسارها من خلال التأثر بتصرفات معزولة… هكذا، وفي زمن تُستثمر التفاصيل الصغيرة لإشعال الخصومات وتأجيج الضغائن وإفساد العلاقات بين الشعوب، جاء البلاغ في حينه ليضع حدا للجدل وليؤكد أن المغرب ينتصر دائمًا للمعنى الأكبر: الأخوة الإفريقية تتجاوز اللحظة وتعلو على الانفعال.
ومن هذا المنطلق، ينتقل البلاغ بنا جميعا وبوضوح من منطق الرياضة وعواطفها المشبوبة المتأججة إلى منطق الدولة الهادئ الرصين. وهكذا فإن التصدي لمحاولات التشهير والنيل من المصداقية لا يجب أن يُطرح كما ينبغي أن نفهم من البلاغ بخطاب هجومي، بل بمنطق الثقة؛ الثقة في وعي الشعب المغربي وفي قدرته على التمييز بين النقد المسؤول والاستهداف المغرض. إنها رسالة محسوبة الاتجاه: للداخل حتى لا ينجر وراء الاستفزاز، وللخارج حتى يدرك أن المغرب لا يبني صورته بردود الأفعال. فالمصداقية لا تُستجدى ولا تُفرض، بل تُراكم، ومن يعرف موقعه لا يحتاج إلى الصراخ ليُثبته.
علينا أيضا أن نلاحظ جيدا كيف أن هذا البلاغ يضع هذا النجاح في إطاره الطبيعي: نجاح مغربي بإشعاع إفريقي. فالمغرب، وهو يحتفي بإنجازه، لا يغلق الدائرة على ذاته، بل يوسّعها لتشمل القارة كلها. ليس ذلك خطاب مجاملة ولا لغة ظرفية، بل خيار استراتيجي ثابت: إفريقيا شريك، وأفق وامتداد، وليست عبئا، ومن هذا المنظور، تصبح النسخة المغربية من كأس إفريقيا للأمم محطة مفصلية، ليس فقط بنتائجها الرياضية، بل بما عكسته من نضج تنموي ونموذج مغربي يضع المواطن في صلب الطموحات، ويجعل من الرياضة أداة إشعاع لا مجال انقسام.
وأخيرا، إنه في لحظة كانت قابلة للانزلاق وسوء التأويل، جاء البلاغ ليصوّب البوصلة ويسمي الأمور كما هي: ترصيد المكاسب المعنوية والحضارية للنسخة المغربية الفخيمة من الكان ووضع أحداث مقابلة النهائي في حجمها الحقيقي، معيدا ترتيب المعاني الأساسية: الرياضة وسيلة تقارب بين الشعوب، المواطن أساس لكل السياسات وإفريقيا عمق استراتيجي لنا. ذلك أن بعض الانتصارات لا تُقاس بما يُرفع في المنصات، بل بما يترسخ في الوعي العام العالمي. والانتصار، في كثير من الأحيان، لا يكون في النتيجة وحدها، بل في الطريقة، وفي الهدوء، وفي المعنى وفي الصورة التي يختار بلد أن يتركها شاهدة وعلامة عليه.





