حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةالملف السياسيسياسية

تشكيل الحكومة.. رهانات المشاورات واختبار جديد للخريطة السياسية

سيناريوهات تشكيل الحكومة وتوازنات الأغلبية والمعارضة

تدخل الساحة السياسية الوطنية مرحلة جديدة عقب الانتخابات التشريعية لشهر شتنبر 2026، مع انطلاق مشاورات تشكيل الحكومة وترتيب مكونات الأغلبية المقبلة. وبينما أفرز الاقتراع خريطة برلمانية جديدة، باتت الأحزاب أمام اختبار الانتقال من منطق المنافسة الانتخابية إلى منطق التفاوض وبناء التحالفات وتحمل المسؤولية الحكومية.

ولا تختزل المرحلة الحالية في توزيع الحقائب الوزارية، إذ تطرح المشاورات أسئلة أوسع حول طبيعة الأغلبية المقبلة، ومدى انسجام مكوناتها، والبرنامج الذي ستلتقي حوله، فضلا عن شكل الهندسة الحكومية وترتيب الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، خلال الولاية الجديدة.

وفي ظل تعدد الأحزاب الممثلة داخل مجلس النواب، تكتسب موازين المقاعد أهمية خاصة في تحديد مسارات التفاوض، بينما يمكن للتقارب أو التباعد في البرامج والمواقف السياسية أن يؤثر بدوره في طبيعة التحالفات الممكنة.

 

إنجاز: النعمان اليعلاوي – محمد اليوبي

«البام».. من الصدارة إلى البحث عن الأغلبية العددية

 

النعمان اليعلاوي

 

دخلت مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مرحلة سياسية دقيقة، بعد أن أفرزت الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 خريطة برلمانية متعددة الأقطاب، جعلت حزب الأصالة والمعاصرة في صدارة النتائج بـ97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا فالعدالة والتنمية بـ54 مقعدا.. فيما حصل الحركة الشعبية على 29 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26، والتقدم والاشتراكية على 19 والاتحاد الدستوري على 17 مقعدا، في حين توزعت باقي المقاعد بين أحزاب أخرى. وأكدت وزارة الداخلية أن النتائج النهائية تطابق تماما النتائج المؤقتة التي أعلنت عقب الاقتراع.

وبمقتضى الفصل 47 من الدستور، عين الملك محمد السادس، يوم 29 شتنبر، فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة. ويأتي هذا التعيين على أساس تصدر حزب المنصوري نتائج انتخابات مجلس النواب، وهو ما يمنحها موقع المبادرة في تدبير المشاورات والبحث عن صيغة الأغلبية التي ستدعم الحكومة المقبلة.

غير أن حصول «البام» على الرتبة الأولى لا يعني امتلاكه الأغلبية البرلمانية، إذ يحتاج لأي تحالف حكومي لبلوغ الأغلبية المطلقة في مجلس النواب، والمحددة في 198 مقعدا من أصل 395. وبالتالي، فإن المهمة السياسية الأساسية، أمام رئيسة الحكومة المكلفة، تتمثل في الانتقال من الصدارة الانتخابية إلى بناء أغلبية قادرة على منح الحكومة الثقة ومواكبة عملها داخل البرلمان.

وتكشف الحسابات البرلمانية عن تعدد الصيغ الممكنة. فجمع «البام» مع «الأحرار» و«الاستقلال» يمنح الأغلبية 228 مقعدا، وهي صيغة توفر قاعدة برلمانية مريحة نسبيا. وفي المقابل فإن جمع «البام» مع الاستقلال والحركة الشعبية لا يتجاوز 191 مقعدا، ما يجعل إضافة حزب آخر ضرورية لاستكمال الأغلبية.. علما أن تحالف «البام» و«الأحرار» وحدهما يمنحهما 163 مقعدا، وهو رقم يحتاج إلى شريك أو أكثر لتجاوز عتبة الأغلبية.

وتكتسب هذه الحسابات أهمية سياسية لأنها تحدد هوامش التفاوض بين الأطراف.. فكلما تعددت الصيغ الممكنة، اتسعت قدرة رئيسة الحكومة المكلفة على المناورة، بينما يزداد الوزن التفاوضي لأي حزب عندما تصبح مشاركته ضرورية لإنجاح صيغة معينة.

 

البرنامج والهندسة الحكومية في الواجهة

لا تختزل مشاورات تشكيل الحكومة في الحساب العددي للمقاعد، إذ تنتقل المفاوضات تدريجيا إلى أسئلة أكثر تعقيدا، تتعلق بالبرنامج الحكومي، وترتيب الأولويات وطبيعة المشاركة، ثم هندسة الفريق الحكومي وتوزيع القطاعات بين مكوناته.

ويكتسب البرنامج الحكومي أهمية خاصة في ضوء الفصل 88 من الدستور، الذي يجعل تنصيب الحكومة مرتبطا بحصول برنامجها على ثقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لأعضائه. لذلك فإن التحالفات التي ستتشكل مطالبة بالانتقال من برامج انتخابية متعددة إلى أرضية حكومية مشتركة، تتضمن التزامات قابلة للتنفيذ وأولويات واضحة خلال الولاية المقبلة.

هذه المرحلة، بدورها، تطرح تحدي التوفيق بين الوعود الانتخابية والإمكانات المالية والاقتصادية للدولة، خصوصا في ظل انتظارات اجتماعية مرتبطة بالتشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية، إضافة إلى ملفات الاستثمار والبنيات التحتية والإصلاحات المؤسساتية. فالحكومة المقبلة لن تكون مطالبة، فقط، بإعلان برنامج سياسي، وإنما، أيضا، بتحديد آليات وموارد تنفيذ هذا البرنامج.

تركيبة الأغلبية، بدورها، ستفرض معادلة بين الاتساع والانسجام. فالأغلبية، التي تضم عددا محدودا من الأحزاب، بإمكانها أن تكون أكثر وضوحا من حيث المسؤولية السياسية والتنسيق، بينما توفر الأغلبية الأوسع قاعدة برلمانية أكبر، لكنها قد تجعل تدبير الاختلافات بين مكوناتها مهمة أكثر تعقيدا.

في هذا السياق لا يقاس الوزن التفاوضي للأحزاب بعدد المقاعد فقط، فقد يمتلك حزب متوسط الحجم موقعا حاسما إذا كانت مشاركته ضرورية لاستكمال الأغلبية، بينما قد يصبح الحزب الأكبر مطالبا بتقديم تنازلات أكبر عندما تكون أمامه خيارات محدودة لبناء التحالف.

وتتجه الأنظار، أيضا، إلى مواقف الأحزاب التي احتلت الرتب المتقدمة. فالتجمع الوطني للأحرار أعلن مكتبه السياسي عن استعداده للمشاركة في الحكومة المقبلة، لكنه أحال القرار النهائي إلى المجلس الوطني للحزب، الذي حدد له اجتماع أول أمس السبت (3 أكتوبر) للحسم في الموقف من المشاركة.

أما حزب الاستقلال، الذي حل ثالثا من حيث عدد المقاعد بـ65 مقعدا، فيوجد بدوره أمام قرار سياسي يتعلق بموقعه في الأغلبية المقبلة، وهو ما يجعل مواقفه ومفاوضاته مع رئيسة الحكومة المكلفة عاملا أساسيا في تحديد شكل التحالف الحكومي.

في المقابل أعلن حزب العدالة والتنمية، الذي عاد بقوة إلى مجلس النواب بـ54 مقعدا، اختياره موقع المعارضة، وهو ما يقلص عمليا إحدى الصيغ الممكنة أمام رئيسة الحكومة المكلفة، ويجعل النقاش منصبا بدرجة أكبر على الأحزاب الأخرى الممثلة في البرلمان.. فيما تبقى مواقف باقي القوى، سيما الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري، جزءا من المشهد التفاوضي الذي سيتحدد على ضوئه شكل الأغلبية.

 

تشكل الأغلبية واختبار التماسك السياسي

بعد تحديد ملامح الأغلبية، ستنتقل المفاوضات إلى مستوى آخر يتعلق بهندسة الحكومة. فالتوزيع الوزاري لا يعكس، فقط، عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، وإنما يرتبط أيضا بطبيعة القطاعات وأهميتها، وبالكفاءات المقترحة لتدبيرها وبالأولويات التي سيحددها البرنامج الحكومي.

من هنا يمكن أن تصبح بعض الحقائب أكثر أهمية من غيرها في المفاوضات، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالاقتصاد والاستثمار والمالية والشؤون الاجتماعية والتعليم والصحة والبنيات التحتية. ولن يقتصر النقاش على عدد الوزراء الذين يمثلون كل حزب، بل سيشمل، كذلك، طبيعة المسؤوليات المسندة إليهم وموقعها داخل القرار الحكومي.

هذا الأمر يطرح تحديا، أمام رئيسة الحكومة المكلفة، يتمثل في الحفاظ على التوازن بين التمثيل السياسي ومتطلبات الكفاءة والتدبير. فالحكومة مطالبة، في الوقت نفسه، بعكس موازين القوى التي أفرزتها الانتخابات وبإنتاج فريق قادر على تنفيذ البرنامج المعلن.

وتحمل مدة المشاورات بدورها دلالة سياسية، إلا أن طولها أو سرعتها لا يمكن تفسيرهما بمعزل عن طبيعة الخريطة البرلمانية والقضايا المطروحة على طاولة التفاوض. فقد تكون المشاورات قصيرة عندما تكون التحالفات واضحة والتقارب البرنامجي كبيرا، بينما قد تحتاج إلى وقت أطول عندما تتعدد المطالب وتختلف الحسابات بشأن توزيع المسؤوليات.

في نهاية المطاف سيكون الاختبار الحقيقي، أمام الحكومة المقبلة، هو قدرتها على تحويل نتائج الانتخابات إلى صيغة سياسية مستقرة، تجمع بين السند العددي والانسجام البرنامجي، وتوفر آليات واضحة لتدبير الخلافات داخل الأغلبية. فالحملة الانتخابية تقوم على التنافس وإبراز الفوارق بين الأحزاب، فيما تفرض ممارسة الحكم البحث عن نقاط الالتقاء وبناء المشترك. ومن ثم، فإن نجاح المشاورات لا يقاس، فقط، بسرعة الإعلان عن الحكومة، وإنما، كذلك، بقدرتها على إنتاج أغلبية واضحة المسؤولية، وبرنامج حكومي قابل للتنفيذ وتحالف سياسي يستطيع الاستمرار في مواجهة الملفات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة خلال الولاية المقبلة.

هل سيلتزم «البام» بوعوده الانتخابية في البرنامج الحكومي؟

 

محمد اليوبي

 

بناءً على نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، وتصدر حزب الأصالة والمعاصرة لهذه الانتخابات بـ97 مقعداً، جرى تكليف فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية للحزب، بتشكيل الحكومة، وبدأت المنصوري مشاورات تشكيل الأغلبية مع عدد من الأحزاب. غير أن ما يثير النظر، بالنسبة للمراقبين والمتتبعين، أن المرحلة المقبلة تضع الحزب أمام اختبار صعب، وهو الانتقال من لغة البرنامج الانتخابي إلى أرقام وآجال وقرارات قابلة للقياس والمحاسبة، وهو ما يترقبه الرأي العام باهتمام شديد.

 

ملفات ثقيلة على طاولة الحكومة المقبلة

يقدر حزب الأصالة والمعاصرة الكلفة الإضافية لبرنامجه بـ350 مليار درهم خلال خمس سنوات، وحدد مصادر التمويل في ثلاثة مكونات هي 300 مليار درهم من الأثر الإضافي للنمو، 40 مليار درهم مساهمة للجماعات الترابية من صندوق الضريبة على القيمة المضافة و10 ملايير درهم من إعادة التخصيص والنجاعة الميزانياتية.

وتواجه الحكومة المقبلة مجموعة من الملفات الاجتماعية والاقتصادية الثقيلة التي كانت في صلب النقاش الانتخابي. فبعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 بـ97 مقعداً، وتكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، انتقل الحزب من موقع تقديم الوعود والبرامج إلى موقع المسؤولية التنفيذية المباشرة.

وكان الحزب أعلن، في برنامجه الانتخابي، عن 20 التزاماً قابلة للتتبع، موزعة على خمسة محاور، ورصد لها كلفة مالية إضافية إجمالية تبلغ 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، أي بمعدل يقارب 70 مليار درهم سنوياً، مع التعهد بإحداث مليون منصب شغل صاف خلال الولاية الحكومية المقبلة.

 

القدرة الشرائية.. أول امتحان اجتماعي

يأتي ملف القدرة الشرائية في مقدمة الملفات التي ستجد الحكومة المقبلة نفسها مطالبة بالتعامل معها بسرعة، بالنظر إلى موقعه المركزي في البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة.

وخصص الحزب لميثاق القدرة الشرائية 150 مليار درهم على مدى خمس سنوات، وربط ذلك بمجموعة من الإجراءات التي تشمل الأسعار والأجور والمعاشات والدعم الاجتماعي المباشر.

ومن بين أكثر الوعود وضوحاً، تعهد الحزب بإعادة تنظيم مسالك توزيع المواد الأساسية، عبر إحداث ست شركات جهوية للتوزيع الفلاحي، وعصرنة أسواق الجملة، وتقوية التخزين والتبريد ومراجعة مسالك توزيع اللحوم، إضافة إلى تنظيم صادرات المنتجات الفلاحية بما يضمن أولوية السوق الوطنية.

وقدم الحزب، أيضا، وعداً يتعلق بالكهرباء، إذ اقترح مجانية الفواتير الشهرية التي تقل عن 100 درهم، مع مساهمة تضامنية على الاستهلاك المرتفع، مع وعد بإعادة هيكلة الضريبة على الدخل في ثلاثة أشطر فقط، وإعفاء الأجور الخام، التي تقل عن 15 ألف درهم، من الضريبة وفق الصيغة التي قدمها الحزب في برنامجه، وهي وعود سيكون تنفيذها مرتبطاً، بالضرورة، بقوانين مالية وتعديلات ضريبية وبتوازنات الميزانية.

المعارضة تتشكل.. «البيجيدي» وتحالف اليسار يحسمان موقعهما

 

النعمان اليعلاوي

 

بدأت ملامح المعارضة البرلمانية للولاية التشريعية الجديدة تتضح بشكل مبكر، بعد حسم حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار قرارهما بعدم المشاركة في الحكومة المقبلة والتموقع في المعارضة، في وقت تواصل فيه فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة، مشاوراتها مع باقي الأحزاب السياسية لتشكيل الأغلبية الحكومية.

وكان المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية قد صادق، بالإجماع، خلال دورته الاستثنائية المنعقدة ببوزنيقة يوم 26 شتنبر الماضي، على قرار عدم المشاركة في الحكومة المقبلة والاصطفاف في المعارضة، مؤكدا مواصلة أداء أدواره الدستورية والسياسية من موقع «المعارضة الوطنية المسؤولة والقوية». وجاء القرار بعد حصول الحزب على 54 مقعدا في الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، مقابل 13 مقعدا فقط في انتخابات 2021.

ويضع هذا القرار «البيجيدي» في الموقع نفسه الذي اتخذه في الولاية السابقة، التي قضاها خارج الحكومة بعد النتائج الانتخابية لسنة 2021، لكنه يدخل هذه المرة إلى البرلمان بكتلة أكبر بكثير، ما يمنحه حضورا عدديا أكبر داخل المؤسسة التشريعية، وقدرة أوسع على ممارسة الأدوار الرقابية والتشريعية المنوطة بالمعارضة.

ويأتي اختيار الحزب للمعارضة قبل اكتمال صورة الأغلبية الحكومية، إذ حسم مجلسه الوطني موقعه، في وقت كانت فيه مشاورات تشكيل الحكومة لم تنطلق بعد. وسبق للأمانة العامة للحزب أن اقترحت التوجه نحو المعارضة، قبل أن يصادق المجلس الوطني على القرار بالإجماع.

ومن جهة أخرى، اختار تحالف اليسار، المكون من الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، بدوره التموقع في المعارضة، بعدما تمكن من رفع تمثيليته في مجلس النواب إلى ثمانية مقاعد، مقارنة بمقعدين خلال الولاية التشريعية السابقة. وأعلن التحالف أنه سيعمل من موقع معارضة مستقلة ذات طابع ديمقراطي واجتماعي، مع تأكيده عدم الدخول في تنسيق رسمي مع حزب العدالة والتنمية.

 

معارضة متعددة المرجعيات أمام اختبار التنسيق والرقابة

بدأت المعارضة تتشكل على أساس مرجعيات سياسية مختلفة، إذ يجتمع داخلها حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية وتحالف يساري يضم الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي. غير أن هذا التقاطع في الموقع البرلماني لا يعني قيام تحالف سياسي بين الطرفين، خصوصا أن تحالف اليسار أعلن رفضه التنسيق الرسمي مع «البيجيدي»، مع إمكانية الالتقاء في بعض الملفات داخل المؤسسة التشريعية.

ويفتح تموقع الحزبين الباب أمام نقاش جديد حول شكل المعارضة خلال الولاية التشريعية المقبلة، خصوصا في ظل الخريطة البرلمانية التي أفرزتها انتخابات 23 شتنبر. فالعدالة والتنمية يمتلك 54 مقعدا، بينما يتوفر تحالف اليسار على ثمانية مقاعد، ما يجعلهما معا قوة برلمانية من 62 نائبا، مع اختلاف واضح في المرجعيات والأولويات السياسية.

ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسة التشريعية، لأن المعارضة لا تؤدي فقط وظيفة رفض مشاريع الأغلبية، وإنما تضطلع دستوريا بأدوار في مراقبة العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية، والمساهمة في التشريع وتقديم البدائل. ومن المنتظر أن تتحول هذه الأدوار إلى إحدى ساحات التنافس السياسي خلال الولاية الجديدة، خصوصا مع وجود حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة، بعد تصدره نتائج الانتخابات بـ97 مقعدا.

ويبدو أن تحالف اليسار يتجه إلى بناء خطاب معارض مستقل، إذ أعلن التزامه بالدفاع عن قضايا من بينها المرافق العمومية، والتعليم والصحة، والعدالة الاجتماعية والمجالية والحريات العامة، إلى جانب مكافحة الفساد واقتصاد الامتيازات. كما أعلن عزمه الدفع بعدد من المقترحات التشريعية، خلال الولاية المقبلة.

أما حزب العدالة والتنمية فيدخل المعارضة بكتلة برلمانية أكبر من تلك التي حصل عليها في 2021، وهو ما يتيح له هامشا أوسع في مراقبة الحكومة وطرح القضايا التي يعتبرها ذات أولوية لدى قواعده وناخبيه. كما أن عودة الحزب إلى موقع المعارضة تأتي بعد تجربة حكومية امتدت لعشر سنوات، قبل أن يغادر الأغلبية سنة 2021، وهو ما يجعل أداءه البرلماني المقبل مرتبطا أيضا بكيفية تقديم حصيلته السابقة ومقارنة مواقفه الحالية بما سبق أن دافع عنه، أثناء توليه مسؤولية تدبير الحكومة.

 

تشكل المعارضة رهين باستكمال المشاورات

لا تبدو المعارضة المقبلة محصورة في الحزبين، إذ ما زالت مواقف عدد من الأحزاب الأخرى غير محسومة بشكل نهائي، بشأن المشاركة في الحكومة، أو الاصطفاف خارجها. وتبقى مواقف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية وغيرها مرتبطة بمسار المشاورات التي تقودها المنصوري، وبقرارات أجهزتها التقريرية.

وتكتسب هذه المواقف أهمية بالنظر إلى طبيعة الحسابات العددية داخل مجلس النواب. فالأغلبية المطلقة تتطلب 198 مقعدا، بينما حصل «البام» على 97 مقعدا، ما يجعله في حاجة إلى تحالف مع عدد من الأحزاب لتأمين الأغلبية. وبالتالي، فإن شكل الحكومة المقبلة سيحدد أيضا الحجم النهائي للمعارضة وتركيبتها، وما إذا كانت ستتكون من كتلة محدودة أو من عدة أحزاب ذات توجهات مختلفة.

كما أن احتمال وجود معارضة متعددة المرجعيات يطرح سؤال التنسيق داخل البرلمان. فاختلاف المرجعيات لا يمنع بالضرورة الالتقاء حول بعض القضايا التشريعية أو الاجتماعية، لكنه يجعل تشكيل جبهة موحدة أمرا مختلفا عن مجرد الاتفاق على مواقف محددة. وقد أعلن تحالف اليسار صراحة أنه لا يرغب في تنسيق رسمي مع العدالة والتنمية، مع إمكانية التقاطع في بعض الملفات داخل المؤسسة التشريعية.

وفي المقابل، سيكون أمام «البيجيدي» تحدي تحويل عودته العددية إلى حضور برلماني مؤثر، خصوصا أن المعارضة ستكون مطالبة بتقديم بدائل وليس الاكتفاء بانتقاد الحكومة. وستشكل مشاريع القوانين المرتبطة بالقدرة الشرائية والتشغيل والتعليم والصحة والإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، فضلا عن القوانين التنظيمية والاستحقاقات المقبلة، ساحات أساسية لاختبار أداء المعارضة.

وبذلك، فإن تشكل المعارضة بدأ قبل اكتمال تشكل الأغلبية. فقد حسم العدالة والتنمية موقعه بشكل رسمي، واختار تحالف اليسار المعارضة المستقلة، بينما لا تزال أحزاب أخرى تنتظر نتائج المشاورات وقراراتها الداخلية. وبينما تتجه الأنظار إلى هندسة الحكومة المقبلة، ستتجه الأنظار أيضا إلى قدرة المعارضة على تنظيم حضورها داخل البرلمان، وتطوير أدوات الرقابة والتشريع، والتوفيق بين اختلاف المرجعيات وبين الحاجة إلى ممارسة سياسية فعالة، خلال الولاية الجديدة.

إصلاح التقاعد.. ملف لا يحتمل التأجيل

من أكثر الملفات حساسية التي تنتظر الحكومة المقبلة ملف التقاعد، خصوصاً في ظل استمرار النقاش حول إصلاح أنظمة المعاشات والاستدامة المالية للصناديق.

هنا قدم حزب الأصالة والمعاصرة وعداً محدداً وليس عاماً، إذ تعهد بألا يقل أي معاش عن 3000 درهم شهرياً ابتداء من السنة الثانية من الولاية، مع رفع معاش الأرملة إلى 100 بالمئة من معاش الزوج المتوفى بدل 50 بالمئة وفق ما أورده البرنامج.

ويرى المتتبعون لهذا الملف أن الأمر لا يتعلق، فقط، بالزيادة في قيمة المعاشات، بل، كذلك، بمستقبل صناديق التقاعد ومصادر تمويلها، وبالإصلاحات التي ظلت مؤجلة لسنوات، وبالتالي، فإن أول اختبار حقيقي للحكومة في هذا المجال سيكون في مدى قدرتها على الجمع بين تحسين دخل المتقاعدين والحفاظ على التوازنات المالية لأنظمة التقاعد.

 

الدعم الاجتماعي.. من 500 إلى 1000 درهم

في ورش الدولة الاجتماعية، يقترح «البام» رفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً إلى 1000 درهم شهرياً، مع الانتقال من الاستهداف بالمؤشر إلى الاستهداف بالدخل الحقيقي، بهدف تقليص هامش الخطأ في الاستهداف.

وإذا تم تنفيذ هذا الالتزام، فإنه سيعني انتقالاً مهماً في حجم الدعم الموجه للأسر المستفيدة، لكن الحكومة المقبلة ستواجه سؤال التمويل والاستهداف: كم ستكلف هذه الزيادة سنوياً؟ وكيف ستضمن وصولها إلى المستحقين فعلاً؟ وكيف ستنسجم مع باقي برامج الحماية الاجتماعية؟

 

إحداث مليون منصب شغل.. وتحدي تقليص نسبة البطالة

ربما لا يوجد في البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة وعد أكثر قابلية للقياس من التعهد بإحداث مليون منصب شغل صاف خلال الفترة 2027–2031، إذ حدد الحزب هدفاً أكثر تفصيلاً يتمثل في خلق 200 ألف منصب شغل صاف سنوياً، وخفض معدل البطالة إلى 7 بالمئة في أفق 2031.

وزع الهدف على قطاعات مختلفة، بينها الخدمات ذات القيمة المضافة العالية، والصناعة، والفلاحة في العالم القروي واقتصاد الرياضة، غير أن التحدي لن يكون في إعلان الرقم، بل في طبيعة المناصب التي سيتم خلقها، واستدامتها ومستوى الأجور والحماية الاجتماعية المرتبطة بها.

لهذا اقترح الحزب «ميثاق الشغل اللائق»، الذي يربط التشغيل بالعقد المصرح به والتغطية الاجتماعية منذ اليوم الأول واحترام أوقات العمل ومعايير الصحة والسلامة. وتعهد الحزب، كذلك، بإحداث علامة «مشغل نموذجي» وربط جودة الوظائف بمؤشرات تقييم برامج التشغيل العمومية.

 

التعليم.. وتحدي محاربة الهدر المدرسي

تعهد «البام» بالعمل على الحد من الانقطاع المدرسي، الذي يورد برنامجه أنه يبلغ حوالي 300 ألف حالة سنوياً، من خلال آلية وطنية لرصد المنقطعين، وربط كل حالة بمسار للعودة إلى الدراسة أو التكوين المهني، ويقترح التوجه تدريجياً نحو ضمان التعليم أو التكوين إلى سن 18 عاماً.

ويتضمن البرنامج الانتخابي للحزب مقترحات أخرى، منها تعميم التعليم الأولي ابتداء من سن الرابعة، وتعميم النقل المدرسي في العالم القروي والإطعام في المناطق الهشة، وإدراج 20 دقيقة للقراءة يومياً وثلاث ساعات للتربية البدنية في الابتدائي والإعدادي.

 

الصحة.. من التغطية الصحية إلى جودة العلاج

في قطاع الصحة، يقترح البرنامج الانتخابي لـ«البام» إنجاز أربعة مستشفيات جامعية جهوية جديدة في بني ملال وكلميم والرشيدية والدار البيضاء قبل نهاية 2028، وتحسين مستوى 1600 مركز صحي أولي و90 مستشفى جهوياً وإقليمياً، إلى جانب تعميم التغطية الطبية المتخصصة في أقسام النساء والولادة على مدار الساعة. ويتضمن البرنامج، أيضا، مقترحات لإعادة ضبط نفقات التأمين الإجباري عن المرض وتعميم البروتوكولات العلاجية والملف الطبي المشترك.

 

الماء.. ملف استراتيجي استعجالي

إذا كانت الحكومات السابقة جعلت الماء واحداً من أكثر الملفات استعجالاً، فإن البرنامج الحكومي المقبل سيجد نفسه أمام ضرورة مواصلة الاستثمار في البنيات المائية.

في هذا الإطار تعهد حزب الأصالة والمعاصرة بإنجاز نحو 400 منشأة مائية، وست محطات لتحلية مياه البحر وتسريع المشاريع الجارية للوصول إلى أكثر من 1.8 مليار متر مكعب في أفق 2031، إضافة إلى مواصلة تحويل المياه بين الأحواض وتوسيع استعمال تقنيات الري المقتصدة للمياه.

وهذا يعني أن ملف الماء لن يكون مجرد ملف تقني لوزارة التجهيز والماء، وإنما سيكون مرتبطاً بالفلاحة، والاستثمار، والأمن الغذائي والتنمية القروية.

 

الطاقة والأمن الغذائي.. السيادة الاقتصادية في الواجهة

في مجال الطاقة، يقترح الحزب ضمان مخزون من المحروقات يغطي ثلاثة أشهر من الاستهلاك الوطني، مع رفع حصة الطاقات المتجددة في الاستهلاك الكهربائي من 46 إلى 52 بالمئة.

أما في الأمن الغذائي، فيدعو البرنامج إلى توجيه الاستثمار الفلاحي بدرجة أكبر نحو حاجيات السوق الداخلية، والحفاظ على الموروث الفلاحي، وتقوية البحث العلمي الزراعي وإعادة النظر في تدبير المخزون الاستراتيجي.

 

الاقتصاد.. معادلة 5 بالمئة نمو و3 بالمئة عجز

وضع «البام» لنفسه سقفاً اقتصادياً واضحاً يتجلى في تحقيق متوسط نمو سنوي في حدود 5 بالمئة خلال الفترة 2027–2031، مقابل هدف إبقاء عجز الميزانية في حدود 3 بالمئة من الناتج الداخلي الإجمالي، مع وضع الدين العمومي في مسار تنازلي نحو 62 بالمئة من الناتج الداخلي الإجمالي في أفق 2031.

لهذا أعلن الحزب أنه سيجري، خلال الأشهر الستة الأولى من الولاية، مراجعة شاملة للنفقات العمومية، تشمل تجميع المؤسسات والبرامج المتداخلة، ووضع سقف لنفقات التسيير غير الضرورية، وافتحاص الاتفاقيات والعقود- البرامج مع القطاعات الاقتصادية الخاصة.

 

 

أمال بنبراهيم، أستاذة القانون العام بكلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة ابن طفيل

أمال بنبراهيم ⃰

 

»مشاورات تشكيل الحكومة تختبر قدرة الأحزاب على تحويل نتائج الانتخابات إلى أغلبية منسجمة«

 

ما هي المحددات التي تؤطر المشاورات لتشكيل الحكومة؟

تندرج مشاورات تشكيل الحكومة عقب استحقاقات شتنبر 2026 ضمن لحظة دستورية وسياسية يتم خلالها الانتقال من نتائج الاقتراع إلى بناء سلطة تنفيذية، تستند إلى أغلبية برلمانية وبرنامج حكومي واضح. فالانتخابات ترسم موازين القوى داخل مجلس النواب، بينما تحدد المشاورات كيفية تنظيم هذه الموازين داخل أغلبية قادرة على تحمل المسؤولية السياسية أمام البرلمان والرأي العام.

ويشكل الفصل 47 من دستور 2011 الأساس الدستوري لهذه العملية، إذ ينص على تعيين الملك لرئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، فيما يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. وبذلك تمنح الصدارة الانتخابية للحزب المتصدر موقع المبادرة في تشكيل الحكومة، غير أن الانتقال إلى ممارسة السلطة يظل مرتبطا ببناء أغلبية برلمانية قادرة على دعم الحكومة.

ويؤكد الفصل 88 هذه العلاقة، بجعل تنصيب الحكومة رهينا بحصول برنامجها على ثقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لأعضائه. ومن ثم، فإن مسار تشكيل الحكومة يبدأ بنتائج الانتخابات، ويمر عبر مفاوضات التحالف وصياغة البرنامج الحكومي، وينتهي بالتنصيب البرلماني.

وتؤثر طبيعة الخريطة الانتخابية بشكل مباشر في هذه المشاورات، إذ تحدد درجة تشتت المقاعد وعدد الأحزاب اللازمة لتكوين الأغلبية هامش المناورة أمام رئيس الحكومة المكلف. كما أن القوة التفاوضية لا ترتبط فقط بعدد المقاعد، بل بموقع الحزب داخل معادلة الأغلبية، خصوصا عندما تصبح مشاركته ضرورية لاستكمال النصاب البرلماني.

ويحتل التوافق حول البرنامج الحكومي موقعا أساسيا في المفاوضات، لأن الأحزاب تدخل الانتخابات ببرامج والتزامات مختلفة، بينما تفرض المسؤولية الحكومية إنتاج برنامج موحد، وترتيب الأولويات، وتحديد الالتزامات المشتركة. كما تطرح تركيبة الأغلبية معادلة بين الاتساع والانسجام؛ فالأغلبية الواسعة توفر قاعدة برلمانية أكبر، لكنها قد تزيد من صعوبة التنسيق وتدبير اختلافات مكوناتها.

وتشكل هندسة الحكومة بدورها جزءا من التفاوض، حيث يتقاطع التمثيل السياسي مع متطلبات الكفاءة وطبيعة القطاعات الحكومية وأولويات المرحلة. لذلك لا تقاس أهمية مشاركة حزب بعدد الحقائب فقط، بل أيضا بطبيعة المسؤوليات التي يتولاها.

وتجري هذه العملية في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية ومالية تجعل قابلية تنفيذ الوعود الانتخابية عنصرا أساسيا في البرنامج الحكومي. كما أن مدة المشاورات تعكس، بحسب طبيعتها، درجة تعقيد الخريطة البرلمانية وصعوبة التوفيق بين المطالب السياسية.

وفي المحصلة، يتمثل التحدي في تحويل الخريطة الانتخابية إلى أغلبية تتوفر على السند العددي والانسجام السياسي والبرنامج الواضح، وتملك آليات لتدبير اختلافاتها، بما يسمح بإنتاج حكومة قادرة على الاستمرار وتحمل مسؤولية قراراتها أمام البرلمان والرأي العام.

 

ماذا بخصوص توازنات الأغلبية والمعارضة؟

يضاف إلى محددات تشكيل الحكومة التوازن السياسي والبرلماني بين الأغلبية والمعارضة، وهو توازن تتجاوز آثاره لحظة التنصيب ليؤثر في مجمل اشتغال المؤسسة البرلمانية، خلال الولاية التشريعية. فاختيار الأحزاب المشاركة في الحكومة يحدد، في الوقت نفسه، الأحزاب التي ستتموقع في المعارضة، وبذلك تعيد المشاورات رسم مجالين متلازمين: مجال تحمل المسؤولية الحكومية، ومجال الرقابة والمساءلة وتقديم البدائل.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في البناء الدستوري المغربي، بالنظر إلى المكانة التي منحها دستور 2011 للمعارضة البرلمانية. فالمعارضة مكون دستوري في بنية البرلمان، تمارس وظائف في التشريع والرقابة وتقييم الاختيارات العمومية، وتتوفر على حقوق مؤسساتية تمكنها من التأثير في سير العمل البرلماني. ولذلك فإن طبيعة المعارضة التي ستفرزها عملية تشكيل الأغلبية تدخل ضمن العناصر التي تساعد على استشراف نوعية الحياة البرلمانية خلال الولاية المقبلة.

ويتحدد هذا التوازن أولا بالحجم العددي للأغلبية. فأغلبية شديدة الاتساع تمنح الحكومة قدرة أكبر على تأمين التصويت على مشاريعها، لكنها تعيد في المقابل تشكيل المجال المتاح للمعارضة من حيث وزنها العددي، وقدرتها على تعبئة الآليات البرلمانية التي يرتبط بعضها بنصاب دستوري محدد. أما أغلبية ذات هامش عددي أضيق، فتجعل العلاقة البرلمانية أكثر حساسية لتماسك مكوناتها، وترفع من القيمة السياسية لكل تصويت ومن أثر الانضباط داخل الفرق المساندة للحكومة.

ولا يقل تركيب المعارضة أهمية عن حجمها. فالمعارضة المتقاربة سياسيا والقادرة على تنسيق مواقفها تختلف في أثرها البرلماني عن معارضة موزعة بين قوى ذات مرجعيات واختيارات متباعدة. والعدد، في هذا المستوى، لا يقدم سوى جزء من الصورة؛ إذ تتصل الفعالية كذلك بالقدرة على بناء المبادرة التشريعية، وتوظيف آليات الرقابة، وإنتاج خطاب سياسي مضاد، وتحويل الاختلاف مع الحكومة إلى مقترحات وسياسات بديلة.

وتتصل توازنات الأغلبية والمعارضة أيضا بوضوح المسؤولية السياسية. فاتساع الائتلاف الحكومي ليشمل عددا كبيرا من القوى البرلمانية قد يوسع قاعدة الإسناد للحكومة، لكنه يقلص في المقابل مساحة القوى الموجودة خارجها. وتثير هذه الوضعية سؤالا يتصل بجودة الممارسة الديمقراطية نفسها: كيف يمكن الجمع بين الحاجة إلى أغلبية مستقرة وقادرة على تنفيذ برنامجها، والحاجة إلى معارضة ذات حضور سياسي وبرلماني يسمح بممارسة الرقابة والمساءلة وإغناء النقاش العمومي؟

وتزداد أهمية هذا الطرح، لأن دستور 2011 لم يتعامل مع المعارضة بوصفها وضعا عدديا ناتجا عن عدم المشاركة في الحكومة، وإنما منحها وظيفة دستورية وحقوقا محددة داخل المؤسسة البرلمانية. فالفصل 10 يضمن لها المشاركة الفعلية في التشريع ومراقبة العمل الحكومي، والفصل 60 يقرر صراحة أنها مكون أساسي في مجلسي البرلمان. ومن ثم فإن قوة المؤسسة البرلمانية ترتبط بقدرة الأغلبية على ممارسة وظيفة الإسناد السياسي والتشريع مع الحفاظ على استقلاليتها البرلمانية، وبقدرة المعارضة على ممارسة الرقابة والنقد واقتراح البدائل.

وتحمل المشاورات الحكومية، بهذا المعنى، أثرا مؤسسيا يتجاوز تركيبة الجهاز التنفيذي. فكل حزب ينتقل إلى الأغلبية يغير في الوقت نفسه بنية المعارضة، وكل توسيع للتحالف الحكومي يعيد توزيع موازين القوة داخل البرلمان. لذلك ينبغي قراءة قرار إشراك أي حزب في التحالف الحكومي أو بقائه خارجه من خلال أثره المزدوج في البنية البرلمانية؛ إذ يعيد، من جهة، تشكيل درجة التماسك والتوازن داخل الأغلبية، ويعيد، من جهة أخرى، توزيع القوة السياسية والعددية داخل المعارضة.

فكل تعديل في حدود الأغلبية ينعكس بالضرورة على بنية المعارضة، بما يجعل تشكيل الحكومة في الآن نفسه إعادة لهندسة موازين القوى داخل البرلمان برمته. وقد يكون أحد الأسئلة السياسية الدقيقة بعد استحقاقات شتنبر 2026 هو نوع التوازن الذي ستنتجه المشاورات بين حكومة تحتاج إلى أغلبية متماسكة، وبرلمان يحتاج إلى معارضة قادرة على الاضطلاع بوظائفها الدستورية. فاستقرار الحكومة وفعالية المعارضة ليسا بالضرورة قيمتين متعارضتين؛ بل يشكل انتظام العلاقة بينهما أحد شروط حيوية المؤسسة البرلمانية وجودة المساءلة السياسية.

 

ما هي السيناريوهات المتوقعة بخصوص التحالف الحكومي؟

تتيح الخريطة البرلمانية التي أفرزتها انتخابات 23 شتنبر 2026 عدة تركيبات ممكنة لتشكيل الحكومة المقبلة، غير أن حسم أي صيغة لا يرتبط بالحساب العددي للمقاعد فقط، بل أيضا بمدى قابلية الأحزاب للتحالف، والانسجام السياسي والبرنامجي، وطبيعة التوازن بين الأغلبية والمعارضة.

ويحتاج حزب الأصالة والمعاصرة، المتصدر بـ97 مقعدا، إلى 101 مقعد إضافي لبلوغ عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا، ما يجعل تشكيل الحكومة مرتبطا بتحالفات مع حزبين أو أكثر، أو باللجوء إلى ائتلاف واسع متعدد المكونات.

ويتمثل السيناريو الأول في إعادة تركيب الأغلبية السابقة حول «البام»، من خلال تحالف الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، وهي صيغة تجمع 228 مقعدا وتوفر أغلبية مريحة عدديا. وتمثل هذه التركيبة، في حال تحققها، استمرارا لجزء من مكونات الأغلبية السابقة، لكن مع تغيير مركز القيادة، إذ ينتقل «البام» إلى قيادة الحكومة، فيما يصبح «الأحرار» شريكا في ائتلاف تقوده قوة سياسية أخرى. كما ستفرض النتائج الجديدة إعادة ترتيب مواقع الأحزاب وتوزيع الحقائب وفق موازين القوة التي أفرزتها الانتخابات.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على تحالف الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية، الذي يجمع 191 مقعدا، ما يجعله بحاجة إلى شريك إضافي. ويرفع انضمام الاتحاد الدستوري العدد إلى 208 مقاعد، والتقدم والاشتراكية إلى 210، فيما يصل مع الاتحاد الاشتراكي إلى 217 مقعدا. وتطرح هذه الصيغة تحدي إدارة ائتلاف متعدد المكونات وضمان الانسجام في القرار الحكومي.

ويتمثل السيناريو الثالث في تحالف «البام» والأحرار مع حزب ثالث. فالحزبان يملكان معا 163 مقعدا، ولا تكفي إضافة الحركة الشعبية للوصول إلى الأغلبية، فيما ترفع إضافة العدالة والتنمية العدد إلى 217 مقعدا، والاستقلال إلى 228. ويبرز هنا أن وزن الحزب في المشاورات لا يقاس فقط بعدد مقاعده، بل بقدرته على إغلاق المعادلة العددية.

أما السيناريو الرابع، فيرتبط بأغلبية واسعة تضم عدة أحزاب، بما يوفر للحكومة احتياطا برلمانيا مريحا، لكنه يرفع في المقابل تحديات التنسيق والتماسك وتوفيق المصالح الحزبية.

وفي المقابل، يكتسي موقف العدالة والتنمية أهمية خاصة، بعد حصوله على 54 مقعدا وإعلانه التوجه نحو المعارضة. ويجعل ذلك تشكيل الأغلبية مرتبطا أيضا بحجم المعارضة التي ستتشكل في البرلمان، وقدرتها على ممارسة الرقابة والمساءلة.

وبذلك، فإن نجاح أي تركيبة حكومية لن يقاس بعدد المقاعد فقط، وإنما بقدرتها على تحقيق أربعة شروط أساسية: أغلبية عددية كافية، وتقارب سياسي وبرنامجي، وهندسة حكومية تعكس موازين القوى الجديدة، ومعارضة قادرة على أداء وظائفها الدستورية. أما الحسم في الصيغة النهائية، فيظل رهينا بمسار المشاورات السياسية الجارية.

 

⃰  أستاذة القانون العام والعلوم السياسية – كلية العلوم القانونية والسياسية – ابن طفيل

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى