حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

جنازة غاب عنها الميت

 

حسن البصري

في يوم الثلاثاء الماضي، شيع آلاف الأشخاص في شوارع ميلانو جثمان المدافع الأسطوري فرانكو باريزي، قائد نادي ميلان السابق، الذي رحل عن عالمنا فجأة عن سن يناهز 66 عاما بعد صراع مرير مع المرض، ومع ألم اندحار الكرة الإيطالية وغيابها عن المحافل الدولية، في زمن أصبحت المشاركة في المونديال مشاعة بين الجميع.

شهدت كاتدرائية سانت أمبروجيو التاريخية في قلب ميلانو، مراسم جنازة مهيبة حضرها كوكبة من أساطير الكرة الإيطالية والعالمية، في مشهد عكس مكانة الراحل الاستثنائية في تاريخ اللعبة.

حين شيع جثمان مارادونا أعلن حداد وطني، وبكى الأرجنتينيون نجمهم، رغم أنه كانوا يعلمون أنه يسير بخطى سريعة نحو قدره المحتوم، كان يموت كل سنة مرة ثم يستعيد عافيته، كل الأساطير في عوالم الفن والرياضة والفكر يموتون مرات ومرات، أحيانا تقتلهم منصات التواصل الاجتماعي وتلفهم في أكفان وتدفنهم في مقابر الفايسبوك، وأحيانا يموتون بسبب التقادم.

لم نبك باريزي ولا ماردونا، لأن المغاربة أطلقوا لقب مارادونا على فصيلة من الدجاج قبل أن تحمل ماركة سيارة نفس الإسم، وتبين أن كثيرا من اللاعبين سقطت منهم الصفة الكروية بمجرد “تعليق” الحذاء.

حينما يرحل أساطير  الكرة إلى دار البقاء، ينقطع صبيب الحب ويتوقف الهاتف عن الرنين ويستفيد الأصدقاء من إجازة طويلة، مات العربي بن مبارك ومصطفى شكري وعبد الرحمن بلمحجوب وحيمد الهزاز وادريس باموس وعبد المجيد ظلمي وأحمد فرس وغيرهم من أساطير الكرة المغربية دون أن تخلد أنديتهم ذكرى الرحيل وتقتني إكليل زهور تضعه على قبر الفقيد.

عندما يموت أساطير الكرة في بلدي يتوقف نبض الفرق وتنتعش المقابر وتزدهر تجارة بيع الورود والماء المعطر، ويتكاثر المتسولون ويظهر من بين عشيرة اللاعبين فقهاء ومؤرخون، ويبحث صحافيو الإثارة عن موقف مدر للتفاعل.

عندما يموت أساطير الكرة في بلدان أخرى تعلن الحكومات الحداد الوطني وتنكس الأعلام ويرتدي عشاقهم السواد ويتهافتون على شراء الورود والشموع وقمصان الراحلين.

عندما يموت نجوم الكرة في بلدي يكتفي الأنصار بوضع صورهم في “بروفايلات” هواتفهم الذكية ويبحث المشجعون عن صور من الأرشيف، وفي اليوم الموالي تظهر الأرامل في تصريحات حصرية محشوة باللوم والعتاب.

يموت المدرب فيذكره رؤساء الفرق بالخير كباقي الأموات، يرحل إلى دار البقاء فيسأل زملاؤه عن آخر شواهده في التدريب، ويسأل حفار القبور عن الراعي الرسمي للجنازة، ويسأل هواة السير خلف الجثامين عن أفراد أسرته، ويستفسر وكيل أعمال فقيه جنائزي عن عنوان البيت وموعد التأبين ومتعهد حفلات المأتم.

المدرب كائن يموت ويحيا عشرات المرات، وينتهي به المطاف في مقهى يحتسي فيها قهوته السوداء، وهو يلعن تصنيفات الكاف وجحود اللاعبين وجشع المسيرين ومكائد المدربين وضعف ذاكرة الصحافيين.

قيل إن البكاء وراء الميت خسارة، لكن السكوت أيضا تواطؤ مع القتلة، لذا يفضل الكثيرون المنزلة بين المنزلتين، فيظهرون الانفعالات الزائدة في المقبرة ويصرفون النظر عن ليلة التأبين.

ما أن تنتهي مراسيم الدفن، حتى يشرع المشيعون في السؤال عن السبب الخفي للوفاة،  ويشرعون في انتقاد خططه حين كان حيا لا يرزق، وهم لا يميزون بين مقبرة واستوديو تحليلي، يتفرق الجمع دون حضور حفل التأبين، وتلف الخيام عزوفا جماهيريا غير مسبوق ويتبين أن واجب السير وراء الجنازة يغني عن التأبين، لذا كان المشهد أقرب إلى “الوي كلو”.

مات باريزي الذي صنع مجد الطاليان، وقطع رفاق دربهم عطلهم السنوية، للوداع الأخير. لقد كانت جنازة رمزية أيضا لجثمان الكرة الإيطالية التي ينطبق عليها القول المأثور:

ارحموا عزيز قوم ذل.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى