
يونس جنوحي
منذ رحيل كل من الدكتور عبد الهادي التازي، مؤرخ المملكة سابقا، وعبد الهادي بوطالب، الوزير والمستشار الملكي، فقدت قضية “ابن بطوطة” محاميين دافعا باستماتة عن تراث هذا الرحالة المغربي، الذي كادت سيرته أن تُسرق من المغرب في أكثر من مناسبة.
بصفتهما عضوين بارزين في أكاديمية المملكة، خصص الراحلان حيزا من عمريهما للترافع من أجل قضية ابن بطوطة، وتدويلها والتعريف بها، وتتبع خيوط آثارها وصولا إلى الأرشيف الصيني والتراث الشعبي الهندي، لنسف الأطروحة التي كذبت وجود ابن بطوطة، حتى لا يتذوق المغاربة نشوة اللقب التاريخي.
هذا العام مرت 700 سنة كاملة على انطلاق الرحالة ابن بطوطة في رحلته الشهيرة التي استمرت ما يقارب ثلاثة عقود جاب خلالها الأرض. وقد احتاج المشككون في شخصية ابن بطوطة، إلى سبعة قرون كاملة لكي يخرجوا لتكذيب سيرته، وتبرير وجود النص الأصلي لمخطوطه، على أنه مجرد “تأليف” مغربي واختلاق لهذه الشخصية.
ومناسبة هذا الكلام، تداول ما يشبه “أطروحة مستعجلة”ـ تطعن في شخصية ابن بطوطة. وبمجرد تصفحها، يظهر أن لصاحبها حسابا قديما ضد المغرب.. فهو يطعن أيضا في شخصية طارق ابن زياد ويعتبرها شخصية خيالية جرى تأليفها في إطار الحكايات الشعبية. والحال أن الملفين معا، أعمق من أن يعالجهما مؤلف “كسول” ما كان ليجني درجة الدكتوراه لولا الإفلاس الأكاديمي وسقوط قيمة الشهادات العليا في العالم العربي، واستسهال إنجاز الأطروحات.. حتى أنه صار الآن من النادر العثور على شخص لا يحمل الدكتوراه في قاعات النقاش!
قبل سبعة قرون لم تكن هناك أفلام وثائقية ولا صور فوتوغرافية ولا مراسلات صوتية لكي يستند عليها ابن بطوطة لتأليف الرحلة وتقديم أوصاف الأماكن والتدقيق في عادات الشعوب. السبيل الوحيد لهذا الأمر هو السفر الفعلي عبر تلك الأصقاع.
الدليل الفعلي على وصول ابن بطوطة إلى الصين والهند، يوجد اليوم في التراث الهندي.. ومن الطريف فعلا أن نعلم أن التراث الهندي يزخر بأغان شعبية عُمرها سبعة قرون، تؤرخ لوصول ابن بطوطة المغربي الطنجاوي إلى الهند. لا يمكن أن يؤلف المغاربة شخصية ابن بطوطة من العدم، ويؤلفها الهنود في الطرف الآخر من الكرة الأرضية!
المقرر الدراسي في المستوى الابتدائي في الهند، يضم نصوصا تؤرخ لأثر ابن بطوطة في الهند، خصوصا في أوساط المسلمين، فقد تأثر بهم ابن بطوطة وتأثروا هم به بدورهم. وسجلوا حواراته مع بعض علماء الهند الذين عملوا على نشر الإسلام على نطاق واسع وبرعوا في العربية وعلوم الفقه، وقدم لهم ابن بطوطة إضافة نوعية لإتقانه اللغة العربية، وهو “الأمازيغي” الذي زعم مكذبو سيرته أن يكون أصلا قادرا على القراءة والكتابة، إن كان فعلا شخصية حقيقية.
في نظر هؤلاء، التشكيك هو الرياضة الجديدة لتدوين التاريخ. وهذه الموجة من التكذيب التاريخي، تبقى أسهل تمرين أكاديمي للتعامل مع القضايا التاريخية، الراهنة والقديمة. الادعاء، أسهل الطرق للتخفيف من ثقل التنقيب والتمحيص. وفي قضية ابن بطوطة، تدخل أيضا قضية السرقة الفكرية على الخط.
الطعن في شخصية ابن بطوطة ليس وليد اليوم. بل سبق “علماء” قدامى إلى هذا الأمر، لتصفية حساباتهم الضيقة مع علماء المغرب. الحل الأسهل، هو نزع “الريشة” التي كان يفتخر بها العلماء المغاربة أمام نظرائهم في الأزهر الشريف. كان علماء المغرب يقدمون أنفسهم على أنهم أحفاد ابن بطوطة، خصوصا أيام مجد الدولة العثمانية.. فما كان من علماء المشرق، مشيا على عادة التودد إلى العثمانيين الأتراك، إلا أن يكذبوا وجود ابن بطوطة من الأساس. لا يجوز أن يأتي بالمجد أحد خارج حدود الدولة العثمانية، هكذا كان يفكر عقلاء الأمس، للأسف.





