
حاوره: النعمان اليعلاوي
فعالية السياسات العمومية تتجسد في قدرة الإدارة على خدمة المواطن وترجمة حقوقه الدستورية إلى ممارسات ملموسة في علاقته بالمرافق العمومية. ويكتسي التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2025 أهمية خاصة، بالنظر إلى ما يتضمنه من رصد لاختلالات العلاقة بين الإدارة والمرتفق، وقراءة مؤسساتية للتحولات التي يشهدها المغرب في ظل تنزيل ورش الدولة الاجتماعية، وتسارع وتيرة التحول الرقمي، وتوسيع مجالات الحكامة الجيدة، وإقرار التاسع من دجنبر يوما وطنيا للوساطة المرفقية.
في هذا الحوار مع “الأخبار”، يتناول الدكتور حسن طارق، وسيط المملكة، أبرز مؤشرات التقرير السنوي، ودلالات ارتفاع عدد التظلمات، وعلاقة ذلك بتطور أداء الإدارة ووعي المواطنين بحقوقهم وثقتهم في مؤسسة الوسيط. كما يعرض المعطيات المرتبطة بتنفيذ توصيات المؤسسة، وتبسيط المساطر الإدارية، وأثر الرقمنة في الولوج إلى الخدمات العمومية وفي أنماط التعامل الإداري.
ويكشف وسيط المملكة، في هذا الحوار، رؤيته لمستقبل الوساطة المرفقية في المغرب، مؤكدا أن الرهان لم يعد يقتصر على معالجة النزاعات الإدارية بعد وقوعها، بل يتمثل في بناء إدارة استباقية تجعل الإنصاف والشفافية وجودة الخدمة العمومية جزءا من ثقافتها المؤسسية. كما يتحدث عن مكانة المؤسسة ضمن منظومة الحكامة، وآفاق توسيع حضورها الترابي، ودورها في مواكبة الأوراش الوطنية الكبرى، انطلاقا من قناعة مفادها أن نجاح الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية يظل رهينا بإدارة قريبة من المواطن، سريعة الاستجابة، وقادرة على تكريس الثقة في المرفق العمومي باعتباره أحد أعمدة دولة الحق والقانون.
يأتي صدور التقرير السنوي في سياق يرتبط بإقرار اليوم الوطني للوساطة، ما دلالة هذا الأمر؟
يشكل التقرير السنوي التزاما دستوريا وقانونيا، يجد سنده في الفصل 160 من الدستور، وفي المادة 47 من القانون رقم 14.16 المنظم لمؤسسة الوسيط. لكن صدوره هذه السنة يكتسي دلالة خاصة، لاقترانه بالإقرار المولوي السامي باعتبار التاسع من دجنبر من كل سنة يوما وطنيا للوساطة المرفقية. ونقرأ هذا الإقرار، داخل أسرة الوساطة المؤسساتية، بوصفه ترسيخا لموقع الوساطة ضمن الاختيارات الكبرى للدولة في مجال الحكامة وحماية الحقوق، واعترافا بقيمة الإنصاف باعتباره امتدادا للعدالة، ينقلها من حدود المشروعية القانونية إلى مشروعية أخلاقية تستحضر أثر القرار الإداري في حياة المرتفق. وهو أيضا تثمين لمسار امتد ربع قرن من الاجتهاد والبناء، وتأسيس لانتقال نوعي من حضور المؤسسة دلخل البناء المؤسساتي إلى ترسخ ثقافة مجتمعية مؤمنة بفضائل الوساطة. بذلك، يصبح اليوم الوطني موعدا لاستحضار مسؤولية الإدارة تجاه المواطن، وإغناء التفكير العمومي في جودة المرافق، وتعزيز حضور الوساطة في الذاكرة المؤسساتية كأفق الثقة في الإدارة وتخليق الحياة المرفقية.
سجلتم ارتفاعا في عدد الملفات بنسبة تجاوزت 25 في المائة خلال سنة واحدة. هل يعكس ذلك تراجع جودة الخدمات الإدارية، أم ارتفاع ثقة المواطنين في المؤسسة؟
قراءة هذا الارتفاع تقتضي الابتعاد عن التفسير الأحادي، فبلوغ عدد الملفات المسجلة ما يقارب 10000 ملف يعني، أولا، تنامي مصداقية اللجوء إلى المؤسسة والثقة في قدرتها على الإنصات والتدخل؛ ويعني، ثانيا، اتساع الوعي بأدوارها باعتبارها هيئة للحكامة وحماية الحقوق؛ ثم يعبر، ثالثا، عن ارتفاع انتظارات المواطنين تجاه جودة الخدمات العمومية. لهذا، يصعب اختزال هذا المؤشر في تراجع أداء الإدارة، خاصة أن المغرب راكم، منذ دستور 2011، إصلاحات مهمة شملت الخطة الوطنية لإصلاح الإدارة، والقانونين رقم 54.19 و55.19 المتعلقين بميثاق المرافق العمومية وتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، فضلا عن تسريع التحول الرقمي. وبحكم الحضور اليومي للإدارة في حياة المواطن وتعدد مجالات التعامل معها، تظل هذه العلاقة معرضة لحالات من التأخر أو غموض المساطر أو اختلاف تفسير القاعدة القانونية. فالارتفاع المسجل يمثل، في تقديرنا، مؤشرا مركبا يجمع بين الثقة المتنامية في الوساطة، وتطور الوعي بالحقوق، واستمرار الحاجة إلى تحسين التجربة الفعلية للمرتفق.
ما الذي تكشفه الأرقام عن طبيعة العلاقة الحالية بين المواطن والإدارة المغربية؟
لدي دائما حذر منهجي تجاه الأرقام، لأنها لا تقول الحقيقة كاملة خارج سياقها. ففي كل مرة يصدر فيها التقرير السنوي للمؤسسة، تركز وسائل الإعلام على تصدر وزارة الداخلية عدد التظلمات، بيد أن رقم هذا التصدر لا يعني بالضرورة أنها القطاع الأكثر اختلالا، إذ يرتبط بامتدادها الترابي، واتساع اختصاصاتها، وكثافة الخدمات التي تدبرها بشكل يومي لفائدة المواطنين. وانطلاقا من ذلك، تكشف الأرقام أن العلاقة الحالية بين المواطن والإدارة علاقة مكثفة ومتطورة في انتظاراتها، لكنها ما تزال تعرف مسافة بين الحق المقرر في النص والقدرة الفعلية على الولوج إليه. فالمواطن أصبح أكثر وعيا بحقوقه وأقل استعدادا لقبول التأخر أو غموض المسطرة أو غياب الجواب، فيما تواجه الإدارة ضغطا متزايدا ناتجا عن كثافة الطلب وتعدد الاختصاصات واستمرار مركزية القرار في بعض المجالات. لذلك، تتركز التظلمات حيث يكثر الاحتكاك اليومي بالخدمة المرفقية، وتتسع رهاناتها كلما ازدادت الملفات تعقيدا. نحن، إذن، أمام علاقة تتحول من منطق خضوع المرتفق للإجراء الإداري إلى منطق مطالبته بخدمة مفهومة ومنصفة وفعالة، وهنا تتدخل الوساطة لتؤدي دورا محوريا في مواكبة هذا التحول وإعادة بناء الثقة.
اعتمدتم لأول مرة “المؤشر الوطني للوساطة”. ما القيمة المضافة لهذا المؤشر، وهل سيصبح مرجعا لتقييم أداء الإدارات؟
تكمن القيمة المضافة للمؤشر الوطني للوساطة في انتقال المؤسسة من عرض الأرقام الواردة عليها إلى بناء معرفة متكاملة بمسار التظلم، منذ لحظة تسجيله إلى الأثر الذي يحدثه تدخل الوسيط. المؤشر الوطني للوساطة بني على ثلاثة أبعاد مترابطة: الطلب على الوساطة، وتفاعل المؤسسة، وتجاوب الإدارة، تتفرع عنها اثنا عشر مؤشرا تسمح بالتمييز بين حجم الوارد على المؤسسة، وجودة الأداء، والنتائج المحققة. وبهذه الهندسة، يصبح المؤشر قادرا على إحصاء الملفات وترتيب القطاعات، وقراءة منظومة الوساطة في ضوء جدارتها على تحويل التظلم إلى معالجة منصفة واستجابة إدارية فعلية.
مشروع المؤشر الوطني للوساطة يندرج في صلب الوظيفة الثانية لمؤسسة الوسيط، أي وظيفة الحكامة. فدور المؤسسة يتجاوز الحماية الفردية للمرتفق ومعالجة تظلمه إلى استثمار ما تكشفه الملفات من اختلالات متكررة في تطوير أداء الإدارة والارتقاء بجودة خدماتها. والمؤشر هو الأداة التي تسمح بإنجاز هذا العبور من معالجة الحالة الفردية إلى استخلاص معرفة مؤسساتية ذات أثر عام، إذ يحول التظلمات من وقائع منفصلة إلى معطيات قابلة للتحليل والمقارنة، ويبيّن الأنماط التي تستدعي إصلاحا يتجاوز تسوية ملف بعينه. فإذا كانت الحماية تعتبر مدخلا للإنصاف الفردي، فإن الحكامة تمنح لهذا الإنصاف امتدادا مؤسسيا ينعكس على علاقة الإدارة بمجموع المرتفقين. أما تحوله إلى مرجع لتقييم أداء الإدارات، فيقتضي قدرا من التدرج المنهجي، فهو يقدم بشكل آني معطيات موضوعية حول الاختلالات المرفقية ومستوى التجاوب، وآجال الرد، ونسبة تنفيذ التوصيات، في حين تتعزز قوته التقييمية مع انتظام القياس وتراكم السلاسل الزمنية. وطموحنا أن يصبح أداة للتوجيه وتصحيح الاختلالات وترتيب الأولويات واستشراف التحديات، لا آلية للتصنيف أو إصدار أحكام مجتزأة على الإدارات.
لا تزال الملفات ذات الطابع المالي والإداري تتصدر التظلمات. لماذا تستمر هذه الملفات في احتلال الصدارة رغم الإصلاحات المتتالية؟
استمرار الصدارة لا يعني أن الإصلاحات ظلت بلا أثر، فهذه الملفات تقع في صميم العلاقة المادية والقانونية بين المواطن والإدارة، وتمس الأجر والتعويض والاستحقاق وتنفيذ الأحكام والوفاء بالالتزامات، لذلك يكون أثرها مباشرا في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. كما أن توسيع السياسات العمومية ذات الطابع الاجتماعي وقاعدة المستفيدين منها أنشأ حقوقا وخدمات جديدة، ورافقه ارتفاع في الطلب وتزايد في انتظارات المواطنين. وهنا انتقل جزء مهم من الإشكال من الاعتراف بالحق إلى شروط تفعيله عبر مجموعة من العناصر كوضوح معايير الاستحقاق، ودقة المساطر، وآجال صرف المستحقات، وقابلية القرارات والأحكام للتنفيذ. على أن تفسير تعقد هذه الملفات قد يعود إلى تعدد المتدخلين وتداخل اختصاصاتهم وضعف التنسيق وأنظمة التتبع. لذلك، تعبر هيمنة التصنيفين المالي والإداري عن مفارقة التحول الجاري: كلما اتسع نطاق الحماية والخدمات المرفقية، ازدادت الحاجة إلى إدارة قادرة على تحويل الالتزام العمومي إلى منفعة فعلية في الوقت المناسب. ومن ثم، أصبح رهان الإصلاح اليوم مرتبطا أساسا بجودة التنفيذ، وليس فقط بجودة النصوص والبرامج وحدها.
- سجل التقرير ارتفاعا في التظلمات المرتبطة ببرامج الدعم الاجتماعي. هل هناك اختلالات بنيوية في تدبير هذه البرامج أم أن الأمر يتعلق بصعوبات مرحلة الانتقال نحو الدولة الاجتماعية؟ وهل يمكن القول إن الرقمنة، رغم أهميتها، خلقت أشكالا جديدة من التظلمات والإقصاء بالنسبة لبعض الفئات؟
الأساسي بالنسبة لنا، هو النظر إلى هذه التظلمات باعتبارها تفصح عن التحديات البنيوية التي أظهرتها مرحلة الانتقال نحو الدولة الاجتماعية بصورة أكثر وضوحا. فاتساع برامج الدعم وارتفاع أعداد المستفيدين وضعا الإدارة أمام متطلبات جديدة تتعلق بتنسيق تدخلات عدة جهات، وتحديد المسؤولية عن القرار، وشرح معايير الاستفادة، وإتاحة مسارات فعالة للتشكي. وقد بينت بعض التظلمات خصوصا تلك المرتبطة ببرنامج “فرصة”، مثلا، أن غموض المسار الإجرائي قد يضع صاحب الطلب أمام منظومة يصعب فيها تحديد الجهة المسؤولة عن دراسة ملفه أو مراجعة القرار الصادر بشأنه.
أما الرقمنة، فرغم ما أتاحته من سرعة في التسجيل والمعالجة، فقد أفرزت صعوبات جديدة لدى الفئات التي تفتقر إلى الوسائل أو المهارات الرقمية. وتزداد هذه الصعوبات حين تصبح المنصة الإلكترونية قناة وحيدة للاستفادة، دون توفير مسار بديل للتواصل المباشر مع الإدارة، أو آلية واضحة لتصحيح البيانات والاعتراض على نتيجة المؤشر المعتمد لتحديد الاستحقاق. في مثل هذه الحالات، يجد بعض المواطنين أنفسهم مضطرين إلى الاستعانة بأشخاص يتولون التسجيل وتتبع الملفات نيابة عنهم، وهو ما أفرز ما يمكن تسميته ب”وسطاء الرقمنة”. وقد يرتب هذا الأمر كلفة إضافية على الفئات الهشة، ويجعل وصولها إلى الدعم متوقفا على تدخل الغير. ينبغي أن تقترن رقمنة برامج الدعم بمواكبة بشرية قريبة، ومساطر واضحة لتصحيح المعطيات، وتعليل القرارات، وقنوات تظلم ميسرة، حتى تكون الرقمنة أداة لتوسيع الاستفادة وتحقيق الإنصاف.
كيف تفسرون استمرار شكاوى عدم تنفيذ الأحكام القضائية ضد الإدارات؟ وهل يشكل ذلك مساسا بمبدأ سيادة القانون؟
تطرح الملفات 337 المسجلة ضمن سنة موضوع التقرير في هذا الباب مفارقة مؤسساتية، فالإدارة المكلفة بتنفيذ القانون، قد تتأخر أحيانا في ترتيب الأثر الناتج عن حكم قضائي نهائي. ويرتبط جانب من الحالات، خاصة لدى الجماعات الترابية، بتبرير عدم وجود اعتمادات مالية كافية، إلى جانب تعقيد الإجراءات وتعدد الجهات المعنية. وهذه العوامل تفسر التعثر من الناحية التدبيرية، دون أن تمنحه سندا مشروعا، فالفقرة الأولى من الفصل 126 من الدستور تجعل الأحكام النهائية ملزمة للجميع. لذلك، يكتسب الموضوع بعدا يتصل بسيادة القانون، لأن قوة القضاء تقاس بقدرة أحكامه على إنتاج آثارها، فيما يظل الحق المقرر “نظريا” عند تأخر استفادة صاحبه منه. ثم إن هذا التأخر يحمّل المال العام فوائد قانونية وغرامات تهديدية كان بالإمكان تفاديها. ومن هنا، تدعو المؤسسة إلى برمجة الاعتمادات اللازمة وإرساء آلية منتظمة لتتبع هذه الملفات، حماية لحقوق المتقاضين، وترشيدا للنفقات العمومية، وصونا للثقة في القضاء والإدارة ومناخ الأعمال.
التقرير يشير إلى أن معدل آجال تنفيذ التوصيات بلغ 815 يوما، وهو رقم مرتفع. ما الأسباب الحقيقية وراء هذا البطء؟
يرتبط ارتفاع آجال معدل التنفيذ إلى 815 يوما بعاملين متداخلين. يتعلق الأول بطريقة احتساب هذا المعدل؛ فمن أصل 110 توصيات نفذت خلال سنة 2025، تعود 83 توصية، أي 45,75%، إلى سنوات سابقة، مقابل 27 توصية منفذة صدرت خلال سنة التقرير. وقد أدى احتساب المدة التي ظلت خلالها تلك التوصيات القديمة عالقة إلى رفع المتوسط العام. وهذا الرقم يعبّر أساسا عن ثقل الرصيد المتراكم، أكثر من تعبيره عن وتيرة تنفيذ توصيات سنة 2025.
أما العامل الثاني، فيتصل بالأسباب التي أبقت هذا الرصيد عالقا، وفي مقدمتها ضعف انخراط بعض الإدارات في مخرجات الوساطة، بتعليل التأخر بعدم كفاية الاعتمادات المالية، وتباين تأويل النصوص القانونية، وربط التنفيذ بالتنسيق مع قطاعات أخرى. ويحدث جانب من التأخر عندما تواجه الإدارة صعوبة في تطبيق التوصية دون أن تبادر إلى إبلاغ المؤسسة بها وشرح أسبابها في الوقت المناسب، كما هو منصوص عليه في الفقرة الآخيرة من المادة 38 من القانون المنظم للمؤسسة.
لا بد أن أشير في هذا السياق إلى أن المؤسسة، عقدت خلال السنة موضوع التقرير 61 جلسة عمل، شملت اجتماعات لجان التتبع والتنسيق، للنظر مع الإدارات المعنية في العوائق التي تحول دون التنفيذ. وإذا تبين أن التأخر يستند إلى أسباب غير موضوعية، أو استمر امتناع الإدارة عن التجاوب، تنتقل المؤسسة إلى مستوى آخر من المتابعة، من خلال رفع تقرير خاص إلى رئيس الحكومة بشأن التوصيات غير المنفذة، ثم تضمينها في تقريرها السنوي المرفوع إلى النظر السامي لجلالة الملك. وبذلك، تتدرج المؤسسة من الحوار لمعالجة عوائق التنفيذ إلى إثارة المسؤولية المؤسساتية عن حالات التعطيل غير المبرر.
ما هي أكثر القطاعات تجاوبا مع توصيات المؤسسة، وأيها ما زال يحتاج إلى مجهود أكبر؟
هذه من الأسئلة التي قد تقدم فيها النسب المئوية صورة مضللة إذا ما قرئت بمعزل عن حجم التوصيات وطبيعتها. فقد يسجل قطاع نسبة تنفيذ تبلغ 100% لأنه كان معنيا بتوصيتين فقط ونفذهما، بينما يسجل قطاع آخر 50 % رغم تنفيذه عشر توصيات من أصل عشرين. حسابيا، يتصدر القطاع الأول القائمة، أما من حيث حجم الاستجابة والجهد المبذول، فتبدو الصورة أكثر تركيبا. لذلك، نتجنب بناء ترتيب مباشر للإدارات استنادا إلى نسبة التنفيذ وحدها. فالتقييم الموضوعي يقتضي الجمع بين عدد التوصيات الموجهة إلى كل قطاع، ونسبة المنفذ منها، والمدة المستغرقة، وطبيعة الملفات ودرجة تعقيدها. ومن هذا المنطلق، نثمن القطاعات التي أبانت عن تجاوب منتظم داخل آجال معقولة، فيما تحتاج الإدارات التي تراكم توصيات عالقة أو تتأخر في بيان صعوبات التنفيذ إلى مجهود أكبر، فالمعيار الحقيقي هو استدامة التجاوب وأثره في إنصاف المرتفق، وليس التفوق العددي المجرد.
هل تتوفر مؤسسة الوسيط على صلاحيات كافية لإلزام الإدارات بتنفيذ توصياتها، أم أن الأمر يظل رهينا بالإرادة الإدارية؟
ينبغي الانطلاق من أن مؤسسة الوسيط هيئة دستورية، وأن التوصية الصادرة عنها تختلف عن التوصيات العامة التي تنتهي إليها بعض التقارير. فهي ترتبط بملف محدد، وتصدر عندما يكون الحق ثابتا، ويقوم موقف الإدارة على رفض تسويته رغم وضوح سنده القانوني. لذلك، تأتي التوصية في صيغة قرار مؤسساتي مبني على الوقائع والحيثيات، معلل من الناحية القانونية، ومحدد من حيث التدبير المطلوب لمعالجة التظلم.
والتوجه الذي أحرص على تكريسه خلال هذه الولاية هو اللجوء إلى “قرارات التسوية”، بما يوضح الطبيعة القانونية لمخرجات الوساطة ويعزز مسؤولية الإدارة تجاهها. فالمؤسسة لا تحل محل القضاء ولا تمارس التنفيذ الجبري، لأن الوساطة المؤسساتية لا تقوم على الإكراه، وإنما على التزام الإدارة بتصحيح وضع ثبتت مخالفته للقانون، بناء على قرار معلل صادر عن هيئة دستورية. ومن ثم، لا يجوز اختزال الامتثال في إرادة الإدارة أو تقديرها الخاص للملاءمة، فمتى أثبتت المؤسسة مخالفة قانونية وحددت سبيل تصحيحها، أصبح تنفيذ القرار التزاما بمبدأ المشروعية واحتراما للدستور.
كيف تقيمون أداء المخاطبين الدائمين داخل الإدارات؟ وهل نجحت هذه الآلية في تسريع معالجة الملفات؟
تقييمنا لأداء المخاطبين الدائمين إيجابي في مجمله، مع تفاوت في مستوى التفاعل من إدارة إلى أخرى. وقد أقر المشرع هذه الآلية في المادة 31 من القانون رقم 14.16 لضمان استمرارية التنسيق مع المؤسسة وتتبع مآل التظلمات، واشترط أن يكون المخاطب من المسؤولين الذين يتمتعون بسلطة اتخاذ القرار. وتكمن أهمية هذا الشرط في تمكن المخاطب من تقديم أجوبة دقيقة، وتذليل الصعوبات التي تعترض معالجة الملفات، وضمان عرضها على المستوى الإداري المختص في الوقت المناسب. وقد تعزز هذا الإطار بصدور منشور رئيس الحكومة رقم 12/2025، الذي دعا مختلف المرافق العمومية إلى تقوية التنسيق والتعاون مع مؤسسة وسيط المملكة، بهدف المساهمة في تسوية المنازعات القائمة مع القطاعات الإدارية.
ومنذ تعييني على رأس المؤسسة، أولينا أهمية خاصة لتطوير هذه الآلية؛ فعقدنا لقاءين مع المخاطبين الدائمين، بتاريخ 9 دجنبر 2025 و5 فبراير 2026، وأقررنا برنامجا للقاءات دورية، وأصدرنا مؤلفا بعنوان “المخاطب الدائم ومنظومة الوساطة المؤسساتية”. كما نعمل على إعداد دليل يؤطر منهجية إنجاز المخاطبين لتقاريرهم، وأطلقنا المنصة الرقمية “مخاطب” لتيسير إحالة الملفات وتتبعها. وتفيد التقارير المتوصل بها ومستوى التفاعل بأن الآلية أسهمت في تحسين وتيرة المعالجة، ويرتبط تعزيز أثرها باستمرار التواصل، والتقيد بالآجال، واستعمال الصلاحيات المخولة لكل مخاطب.
اعتمد المغرب التاسع من دجنبر يوما وطنيا للوساطة المرفقية. ما الذي سيضيفه هذا القرار عمليا للمواطن والإدارة؟
يحمل اعتماد التاسع من دجنبر من كل سنة يوما وطنيا للوساطة المرفقية مستويين متكاملين: مستوى رمزي يؤسس للذاكرة، ومستوى عملي يؤثر في علاقة المواطن بالإدارة. لا شك في أن هذا التاريخ وهو يستحضر إحداث ديوان المظالم سنة 2001، سيمنح مسار الوساطة الممتد على مدى ربع قرن موقعه داخل السردية الوطنية باعتباره اختيارا للدولة لصالح العدل والإنصاف وتخليق الحياة المرفقية.
وتبدأ القيمة العملية للقرار من جعل الوساطة موضوعا سنويا للنقاش العمومي والتقييم المؤسساتي. سيجد المواطن في هذه المناسبة فرصة للتعرف إلى حقوقه ومسارات التظلم، والتواصل المباشر مع المؤسسة عبر تمثيلياتها الترابية وفعاليات الأبواب المفتوحة. وستجد الإدارة فيها موعدا لقراءة ما راكمته التظلمات من دروس، وعرض الإصلاحات الناجحة، وتطوير ممارساتها على أساس الإنصاف والشفافية وجودة الخدمة. كما يتيح اليوم الوطني إشراك الجامعة والإعلام والمجتمع المدني في إنتاج المعرفة المرتبطة بالحكامة المرفقية. وهكذا يتحول الاعتراف بالوساطة من إقرار مؤسساتي إلى تملك مجتمعي، وتصبح المناسبة أداة لتجديد الثقة، ونشر الوعي، وتحسين التجربة اليومية للمرتفق داخل المرفق العمومي.
كيف يمكن تحويل الوساطة من مجرد آلية لمعالجة النزاعات إلى ثقافة مؤسساتية داخل المرافق العمومية؟
ترسيخ الوساطة كثقافة مؤسساتية داخل المرافق العمومية يبدأ من تحولها إلى ثقافة مجتمعية، لأن الإدارة جزء من المجتمع وتتأثر بالقيم السائدة في علاقتها بالمواطن. ومن موقع المؤسسة في مجال الحكامة، نتحمل مسؤولية الإسهام في هذا التحول عبر مسارين متكاملين. يتجه الأول نحو المجتمع من خلال برامج مثل “قافلة الوسيط في الجامعة”، و”منتديات الحكامة المرفقية”، و”برنامج إدارة المساواة” و”سلسلة الحلقات النقاشية”، بهدف إدماج قيم الإنصاف والحوار في النقاش والعمومي. ويرتبط المسار الثاني بالإدارة، حيث أبرمت المؤسسة اتفاقيات مع عدد من القطاعات الحكومية تتضمن برامج لتكوين الأطر وتنظيم دورات مشتركة وتبادل الخبرات.
والغاية هي أن تصبح الوساطة جزءا من ثقافة المرافق العمومية عبر الإنصات إلى المرتفق، وتعليل القرار، ومعالجة التوتر في مراحله الأولى، ثم استثمار التظلمات في تصحيح المساطر. فالثقافة المؤسساتية لا يمكن أن تبنى إلا حين تنتقل الإدارة من التعامل مع الوساطة باعتبارها تدخلا يأتي بعد نشوء النزاع إلى اعتماد مبادئها في صناعة القرار وتقديم الخدمة.
هل تعتقدون أن الإدارة المغربية أصبحت أكثر إنصاتا للمواطن مقارنة بما كانت عليه قبل عشر سنوات؟
أعتقد أن علاقة الإدارة بالمواطن شهدت تحولا ملموسا خلال السنوات العشر الأخيرة، فقد أصبح الحصول على المعلومة وفهم أسباب القرار من المطالب الأساسية للمرتفق. كما تعددت قنوات التواصل، وأصبح المواطن أكثر قدرة على التعبير عن تظلمه ومتابعة مآله. غير أن الإنصات يتجاوز مجرد تلقي الطلب أو تقديم جواب بشأنه؛ فهو يعني استعداد الإدارة لمراجعة قرارها وتصحيح مساطرها متى تبين أنها أضرت بحق أو أخلت بقواعد العدل والإنصاف. لذلك، يمكن الحديث عن تقدم حقيقي، فيما يظل التحدي قائما في تحويل قنوات التواصل إلى حلول عملية، وجعل صوت المواطن مؤثرا في القرار الإداري وفي تحسين جودة الخدمات.
ما هي أبرز الاختلالات البنيوية التي رصدتموها من خلال آلاف الملفات المعالجة؟
يمكن إجمال الاختلالات التي تكررت خلال السنوات الخمس الأخيرة في ثلاثة مستويات رئيسية. يتعلق الأول بعلاقة الإدارة بالمرتفق، من خلال ضعف التواصل، وعدم الرد على المراسلات، وغياب التعليل الواضح للقرارات، وتعقيد المساطر، ويرتبط الثاني بضعف التنسيق بين الإدارات والمؤسسات العمومية وتداخل اختصاصاتها، وهو ما يطيل آجال المعالجة ويجعل تحديد الجهة المسؤولة عن الملف أمرا صعبا. أما المستوى الثالث، فيخص عدم تنفيذ الأحكام القضائية، حيث يظل الحق قائما من الناحية القانونية، بينما يتأخر حصول صاحبه عليه فعليا. وتأخذ هذه الصعوبات بعدا أكثر حساسية في ملفات البرامج والسياسات الاجتماعية، بسبب تعدد المتدخلين والأثر المباشر للقرارات في أوضاع المواطنين. وتؤكد هذه الحالات أن جوهر الإشكال يوجد في تطبيق النصوص والبرامج، وفي ضمان التنسيق والتتبع، حتى تصل الخدمة أو المنفعة إلى المرتفق بوضوح وفي الوقت المناسب.
يظهر من التقرير أن جزءا مهما من التظلمات مرتبط بالبرامج الاجتماعية. ما الرسائل التي توجهونها للحكومة في هذا المجال؟
أفضل هنا الحديث عن خلاصات مؤسساتية تترتب على معالجة التظلمات، لا عن رسائل توجهها المؤسسة إلى الحكومة؛ فعلاقتنا بمؤسسة رئيس الحكومة يحددها القانون وتقوم على ممارسة قوة اقتراحية مؤطرة. وفي مجال البرامج الاجتماعية، تفيد الملفات بأن توسيع قاعدة المستفيدين ينبغي أن يواكبه وضوح في معايير الاستحقاق، وتحديد دقيق لمسؤولية كل متدخل، وتعليل القرارات، وإتاحة مسارات ميسرة لتصحيح المعطيات والتظلم منها. فنجاح البرامج الاجتماعية يقاس بقدرتها على إيصال المنفعة إلى مستحقها، وبما توفره من ضمانات عند رفض الطلب أو تعثره.
وتتحول هذه الخلاصات إلى إجراءات مؤسساتية محددة؛ إذ تخول المادة 23 للوسيط اقتراح حل عادل ومنصف، أو تعديل القاعدة القانونية حين يؤدي تطبيقها الصارم إلى الإضرار بالمرتفقين. كما تتيح المادة 42 رفع تقرير خاص إلى رئيس الحكومة بشأن الاختلالات المتكررة. وخلال سنة 2025، وظفت هذه الآلية في ثلاث قضايا ذات بعد اجتماعي واقتصادي، شملت رخص مغادرة التراب الوطني، وإيرادات ضحايا حوادث الشغل والأمراض المهنية، والتعويضات العائلية. وعليه، فإن ملاحظات المؤسسة بشأن البرامج الاجتماعية تأخذ طريقها إلى الحكومة في الصيغ التي حددها القانون، مقرونة بالحالات التي أفرزتها الممارسة وبالمقترحات اللازمة لتدارك الاختلال.
هل يمكن اعتبار مؤسسة الوسيط اليوم مرصدا مبكرا لاكتشاف اختلالات السياسات العمومية قبل تفاقمها؟
أؤكد مرة أخرى أن مؤسسة الوسيط هيئة دستورية تنتمي إلى مؤسسات الحكامة، وهي صنف مؤسساتي ارتبط بتطور الديمقراطية التشاركية وتوسيع قنوات التفاعل بين المواطن والسلطة العمومية. ومن هذا الموقع، يمكن للمؤسسة أن تؤدي وظيفة الرصد المبكر، مع بقاء اختصاصاتها مؤطرة بالقانون المنظم لها وبالمرجعيات الدولية ذات الصلة بمؤسسات الأمبودسمان. فالتظلمات التي نتلقاها يوميا لا يمكن اعتبارها مجرد ملفات منفصلة؛ إنها مادة عملية تتيح ملاحظة الصعوبات منذ ظهورها، ورصد تكرارها، وتحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بحالة فردية أم بخلل في قاعدة قانونية أو مسطرة إدارية أو سياسة عمومية.
ورسالة المؤسسة تتجاوز إنصاف المرتفق في ملفه إلى مساعدة الإدارة على إدراك مواطن التعثر في أدائها قبل اتساع الآثار. وفي هذا الأفق، نعمل على التفكير في تأسيس مركز وطني للوساطة المؤسساتية، نريده بيتا للخبرة وفضاء للإنتاج العلمي، يحتضن الباحثين والأكاديميين، ويطور مناهج عمل الممارسين، ويسهم في تأطير المهنيين، ويواكب التحولات التي تعرفها الإدارة العمومية. فالرصد المبكر يكتسب قيمته حين يقترن بالبحث والتحليل والقدرة على اقتراح حلول قابلة للتطبيق.
- كيف يمكن استثمار معطيات المؤسسة لتحسين فعالية ورش الحماية الاجتماعية والدعم المباشر؟
يمكن استثمار معطيات المؤسسة في بناء آلية منتظمة للتغذية الراجعة تواكب تنفيذ برامج الحماية الاجتماعية والدعم المباشر، من خلال رصد تواتر الصعوبات بحسب نوعها ومجالها الترابي والفئات الأكثر تأثرا بها. ويساعد هذا الرصد على مراجعة شروط الاستفادة، وتبسيط مساطر التسجيل والتحقق، وتحسين تبادل المعطيات بين الإدارات. كما تتيح دراسة التظلمات قياس أثر الإجراءات التصحيحية بعد اعتمادها، والوقوف على مدى قدرتها على تقليص حالات الإقصاء أو التأخر. وبهذا تصبح المعطيات المتراكمة لدى المؤسسة أداة لمواكبة التنفيذ وتجويد القرار العمومي، عبر تحويل الخبرة المستخلصة من الحالات المعروضة عليها إلى اقتراحات عملية تعزز دقة الاستهداف وانتظام صرف الدعم وسهولة الولوج إليه.
- ما أولوياتكم خلال الولاية الجديدة على رأس مؤسسة وسيط المملكة؟
تتجه الولاية الجديدة نحو ترسيخ مؤسسة أكثر قربا وفاعلية، تستجيب للتحولات التي تعرفها الإدارة وانتظارات المرتفقين. ويؤطر المخطط الاستراتيجي 2026-2030 هذا المسار من خلال الرفع من جودة معالجة التظلمات، وتقليص آجال البت، وتطوير كفاءات المؤسسة وأدواتها الرقمية، مع اعتماد التتبع والتقييم أساسا لتدبير الأداء. وسنولي أهمية خاصة لتعزيز الحضور الترابي وتيسير الاستفادة من خدمات المؤسسة، بما يضمن وصولها إلى مختلف الفئات والمجالات. وفي موازاة ذلك، سنعمل على توسيع أثر الوساطة عبر استثمار الخبرة المتراكمة في اقتراح تعديلات تمس القواعد والمساطر وممارسات المرافق العمومية، عبر تكثيف الحوار مع الإدارات بشأن تنفيذ التوصيات. وطموحنا أن يلمس المواطن أثر المؤسسة في مسار تظلمه، وأن تجد الإدارة توصيات الوسيط موردا عمليا لتحسين خدماتها وترسيخ مبادئ العدل والإنصاف.
- هل تتجهون إلى توسيع حضور المؤسسة جهويا وتقريب خدماتها أكثر من المواطنين؟
نعم، يشكل القرب الترابي أحد الخيارات الأساسية للمؤسسة خلال المرحلة المقبلة، بالنظر إلى أثر المسافة وصعوبة التنقل وضعف المعرفة لدى بعض الفئات بمساطر التظلم للاستفادة من خدمات الوساطة. وقد أعادت المؤسسة تنظيم شبكة تمثيلياتها لتضطلع المندوبية الجهوية بدور محوري في استقبال التظلمات ومعالجتها، إلى جانب تنسيق عمل المندوبيات المحلية ونقط الاتصال الواقعة ضمن مجالها الترابي. وتضم هذه الشبكة حاليا سبع مندوبيات جهوية، ومندوبيتين محليتين، وثلاث نقط اتصال، تواكبها وحدة مركزية مكلفة بالتنسيق والتتبع وتوحيد مناهج الاشتغال. كما شهدت الفترة الأخيرة إحداث مندوبية بجهة درعة-تافيلالت، وتقوية الحضور في مراكش وأكادير وبني ملال ووجدة وكلميم والداخلة ومكناس. وستركز المرحلة المقبلة على استكمال هذا الانتشار، ورفع جاهزية التمثيليات، وتطوير تفاعلها مع المواطنين والإدارات المحلية، ليصبح الحصول على خدمة الوساطة متاحا بالقدر نفسه في مختلف جهات المملكة.
- هل تفكرون في تطوير الوساطة الرقمية والذكاء الاصطناعي لتسريع معالجة الملفات؟
نعمل على تطوير الوساطة الرقمية من خلال تحسين فضاء التظلم الإلكتروني ومنصة “مخاطب” المخصصة للتفاعل مع الإدارات، ضمن تصور يجمع بين سرعة المعالجة وجودة الخدمة والإنصاف في الولوج. وتُفصح خريطة الطلب الرقمي على المؤسسة أن الاستفادة من هذه القنوات تظل أوفر لدى سكان المدن وذوي المستوى التعليمي الأعلى، وهو ما يضع الفجوة الرقمية وحقوق الفئات الموجودة خارج عالم المنصات في صلب التفكير المؤسساتي. لذلك يستمر التواصل عبر القنوات الحضورية والمواكبة البشرية إلى جانب توفيرالخدمات الرقمية. أما الذكاء الاصطناعي، فيمكن أن يساعد على تصنيف التظلمات، ورصد الأنماط المتكررة وحالات التأخر، ودعم التحليل المؤشراتي لمعطيات المؤسسة. في المقابل نؤمن أن المسؤولية البشرية تظل حاضرة في تقدير مدى ثبوت الحق وصناعة القرار، إيمانا بأن الإدارة الأكثر استعانة بالذكاء الاصطناعي تصبح أكثر حاجة إلى أخلاقيات تحمي المعطيات، وتضمن قابلية تفسير النتائج، وتحدد المسؤولية عن الخطأ.
- ما أبرز التعديلات القانونية التي ترون أنها أصبحت ضرورية لتقوية مؤسسة الوسيط؟
أعتقد أن القانون رقم 14.16 منح مؤسسة الوسيط إطارا متقدما لممارسة وظائفها الحمائية والاقتراحية، بما أتاحه من صلاحيات للبت في التظلمات وإصدار القرارات والتوصيات ورفع التقارير الخاصة، إلى جانب تنظيم العلاقة مع الإدارة عبر آلية المخاطبين الدائمين. وتبدأ تقوية المؤسسة اليوم من التفعيل الكامل لهذه المقتضيات، ومن ترسيخ ثقافة الوساطة داخل الإدارة، وتسريع التجاوب مع مراسلات المؤسسة، وتنفيذ قراراتها وتوصياتها، وعرض صعوبات التنفيذ في الوقت المناسب. من المعلوم أن قوة المؤسسة تقاس بجدية التفاعل مع تدخلاتها وكذلك بالأثر الذي تحدثه في وضعية المرتفق وفي أداء المرفق العمومي. أما أي مراجعة قانونية مستقبلية، فتكتسب وجاهتها بعد تقييم ناضج للتطبيق وتحديد الحاجات التي أفرزتها الممارسة، بهدف تدعيم الوظائف القائمة وتيسير ممارستها. وتظل الأولوية في المرحلة الحالية لاستثمار الإمكانات التي يوفرها القانون وتعزيز حضور المؤسسة في العلاقة اليومية مع الإدارة.
- تشهد المملكة إطلاق أوراش إصلاحية كبرى استعدادا لكأس العالم 2030؛ كيف ستواكب المؤسسة هذه الدينامية؟
تمثل هذه الأوراش اختبارا لقدرة المرفق العام على مواكبة تحول واسع، مع صون حقوق المواطن والاستجابة لانتظاراته اليومية. وستركز المؤسسة على الآثار الإدارية والمرفقية المصاحبة لهذه الدينامية، استنادا إلى ما ترصده التظلمات من تعقيد في المساطر، أو تأخر في الخدمات، أو تفاوت في الولوج إليها، أو ضعف في التنسيق بين المتدخلين. كما ستوظف معطياتها وصلاحياتها الاقتراحية للتنبيه المبكر إلى الاختلالات المتكررة، واقتراح سبل معالجتها، وتعزيز الحوار مع القطاعات المعنية. ويقاس نجاح هذه الأوراش، إلى جانب البنيات والتجهيزات المنجزة، بقدرتها على إرساء إرث مرفقي قوامه إدارة أكثر قربا ونجاعة، وخدمات عمومية تحسن حياة المواطن بصورة مستدامة.
- بعد خمسة عشر عاما على دسترة المؤسسة، هل نجح المغرب في ترسيخ ثقافة الإنصاف الإداري؟
أرسى المغرب أسسا مهمة لثقافة الإنصاف الإداري من خلال دسترة مؤسسة الوسيط، وتطوير إطارها القانوني، وتوسيع حضور الوساطة في علاقة المواطن بالإدارة. ويعزز إقرار التاسع من دجنبر من كل سنة يوما وطنيا للوساطة المرفقية هذا المسار، لما يحمله من تقدير للتراكم المحقق ودعوة إلى نشر قيم العدل والإنصاف على نطاق واسع. ويقاس رسوخ هذه الثقافة بقدرة الإدارة على الإنصات إلى المرتفق، وتعليل قراراتها، وتصحيح مواقفها، وتنفيذ الأحكام داخل آجال معقولة. وقد انتقل المغرب من مرحلة التأسيس القانوني والمؤسساتي إلى مرحلة تفعيل هذه المبادئ داخل الممارسة الإدارية، عبر حضور الإنصاف في إعداد القرار وتنفيذه وتقدير آثاره.
حسن طارق في أسطر
الدكتور حسن طارق هو أكاديمي وباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية، وأحد الوجوه البارزة في النقاش العمومي حول قضايا الديمقراطية والحكامة وحقوق الإنسان بالمغرب. راكم مسارا علميا ومهنيا متنوعا، جمع فيه بين التدريس الجامعي والبحث الأكاديمي والعمل السياسي والمؤسساتي، ما مكنه من بناء تجربة واسعة في مجالات الإصلاح الإداري، والوساطة، والعلاقة بين المواطن والإدارة.
حصل حسن طارق على الدكتوراه في القانون العام، واشتغل أستاذا للتعليم العالي، مساهما في تكوين أجيال من الطلبة والباحثين، كما نشر عددا من المؤلفات والدراسات والأبحاث التي تناولت قضايا الدستور، والانتقال الديمقراطي، والمؤسسات السياسية، والحكامة الترابية. وإلى جانب مساره الأكاديمي، خاض تجربة برلمانية كنائب بمجلس النواب، وشارك في عدد من النقاشات التشريعية المرتبطة بالإصلاحات السياسية والمؤسساتية.
كما شغل منصب سفير المملكة المغربية لدى الجمهورية التونسية، حيث ساهم في تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، قبل أن يحظى بالثقة الملكية ويُعين وسيطا للمملكة، خلفا لمحمد بنعليلو. ومنذ توليه هذا المنصب، يقود مؤسسة وسيط المملكة في مرحلة تتزامن مع تنزيل أوراش إصلاحية كبرى، من بينها ورش الدولة الاجتماعية، والرقمنة، وتحديث الإدارة، مع التركيز على ترسيخ مبادئ الإنصاف، وحماية حقوق المرتفقين، وتعزيز الثقة في المرفق العمومي.
ويطرح طارق تصورا للوساطة المرفقية يقوم على توسيع وظائفها الاستباقية، لتشمل الإسهام في تطوير أداء الإدارة، وتسوية المنازعات، وترسيخ مبادئ الحكامة، وتقوية التواصل بين الإدارة والمرتفق، والارتقاء بالخدمات العمومية.





