ذاكرة المدن

خبير بتضاريس المغرب يصبح مستشارا للسلطان ومساعدا لبوحمارة ومتعاونا مع الفرنسيين

حسن البصري
غير بعيد عن حي القصبة بطنجة يوجد ممر كان يحمل اسم غابريال ديلبريل، لكن مع توالي الأيام سقط الشطر الثاني لاسم هذا الخبير الطوبوغرافي وظل غابريال حاضرا قبل أن يغيب عن الأذهان. ويبدو أن الرجل المثير للجدل استقر في نهاية حياته بمدينة طنجة والراجح أنه توفي فيها.
في كتاب «المغرب الخلاب» لجان دي تييس ومارسيل سان جيرمان، يمكن أن يتوقف القارئ، وهو يسافر في مغرب بلا ألوان، عند هذه الشخصية التي لعبت على الحبلين من أجل موطئ قدم في محيط السلاطين.
ولد ديلبريل في باريس، لكنه غادرها وعمره لا يتجاوز التسع عشرة سنة، في اتجاه الجزائر وأمله أن يعود إلى فرنسا ثريا كما كتب في إحدى رسائله. استقر في وهران عام 1891، وشرع في البحث عن منافذ الوجاهة والثراء، خاصة وأنه كان يتمتع بروح المبادرة، ما دفعه إلى مطاردة لقمة العيش نحو مدينة وجدة، ومنها إلى فاس ليجد نفسه ضمن المحيط السلطاني.
بفضل نباهته، تمكن غابريال من احتلال مناصب هامة في القصر السلطاني بفاس، وأصبح واحدا من مستشاري السلطان الحسن الأول، ورافقه في مهام خارجية بكل من تافيلالت والجنوب المغربي، حيث عهد إليه برصد الجانب الطوبوغرافي للمناطق التي كان يزورها الموكب، وأظهر نبوغا وهو يقدم شروحات علمية للسلطان وحاشيته، حتى فوجئ أصدقاؤه في وهران حين علموا بأن التاجر المشاكس أصبح، في ظرف عامين فقط، مستشارا للحسن الأول. بل إن القائد الفرنسي ديريكاغي استدعاه لجلسة عمل ودعاه لوضع خبرته رهن إشارة الجيش الفرنسي من أجل إنجاز خرائط لمناطق مغربية من أجل غاية استعمارية، بل إن غابريال قدم محاضرة قيمة في باريس عام 1894، نالت استحسان المغاربة والفرنسيين. وحين عاد إلى المغرب زاد اقترابه من منصة الحكم وأضحى أستاذا لمادة الجغرافيا في القصر، بحيث تتلمذ على يده المولى امحمد وشقيقه المولى عبد العزيز.
«حين سطع نجمه، تلقى غابريال دعوة من حاكم ولاية الجزائر، حيث كلفه بإعداد تقرير مفصل عن التنظيمات السياسية في المغرب وتأثيرات الزوايا على القرار السياسي، على أن يعزز تقريره بوثائق وخرائط على الخصوص. استجاب للطلب وأرسل تقريره المعزز بالخرائط إلى مديرية شؤون الأهالي في وهران، ركز فيه على المنطقة الحدودية»، كما يقول الباحث جان دي تييس.
حين جلس المولى عبد العزيز على عرش المملكة الشريفة، هرع غابريال صوب فاس، وجدد الارتباط برفاق الأمس، لكنه وجد مستشارا عسكريا حاول إبعاده عن السلطان، ويتعلق الأمر بالمستشار العسكري ماكلاين الموالي لبريطانيا، قبل أن يتعرض للطرد.
لم يتقبل خبير الخرائط والعارف بالتضاريس تخلي القصر عنه، فانضم إلى ثورة الروكي بوحمارة في تازة، وحول وجبة كسكس عينه هذا الأخير مستشارا له، وكان أمل غابريال الوحيد الانتقام من ماكلاين.
تعرف المغامر الفرنسي الكبير على بوحمارة منذ فترة اشتغالهما معا في قصور السلطان مولاي الحسن الأول العلوي، وابنه السلطان مولاي عبد العزيز، وبعد اكتشافه وطرده من المغرب، اتصل به بوحمارة وعينه في أعلى المناصب، كما يقول الباحث عمر منير.
حين أفل نجم المتمرد الروكي، فر غابريال إلى طنجة، وحسب رواية منير، فإن لقاء جمعه بالصدفة مع وزير الدفاع السابق المهدي المنبهي وأسر له هذا الأخير بأن بوحمارة لم تتم تصفيته كما قالت كتب التاريخ.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق