شوف تشوف

الرأيالرئيسية

دعاء عصري

 

 

بقلم: خالص جلبي

في عيادة زميل لنا كنت أقرأ على الجدار دعاء خاشعا لم يفلت مني إلا أن طبعته، فأنقل بعضا منه كي يجعله القارئ على الجدار.

إذا أعطى الله المال أن لا يسلب السعادة. وبنت أوناسيس، صاحب إمبراطورية ناقلات النفط اليوناني، في النهاية انتحرت.
وإذا أعطى القوة أن لا يأخذ العقل.. فالجبارون يتحولون إلى مجانين.. تأملوا جنرالات الحرب؟
وإذا أعطى النجاح أن لا يأخذ التواضع.. فالمتفوقون متغطرسون، تأملوا بعضا من الألمان واليابانيين.
وإذا أعطى الرب التواضع أن لا يأخذ الكرامة.. وهو توازن أدق من الإستروجين والبروجسترون.
ربي علمني أن أحب الناس كما أحب نفسي.. وعلمني أن أحاسب نفسي كما أحاسب الناس… ربي ساعدني على قول الحق في وجه الأقوياء… وأن لا أقول الباطل، لأكسب تصفيق الضعفاء… ولا تدعني أصاب بالغرور مع النجاح.. ولا أصاب باليأس إذا فشلت.. وأن أتذكر دوما أبدا أن تجارب الفشل مقدمات النجاح بإذن الله.. وأن أتعلم أن التسامح أكبر مراتب القوة… والانتقام أول منازل الضعف.
يا رب إذا جردتني من المال، فاترك لي الزهد والتقوى… وإذا فقدت النجاح، فابق لي الأمل.. وإذا جردتني من نعمة الصحة، فابق لي الإيمان يا رب العزة والجلال.
شكرا لك زميلنا الفاضل، يا من يهب الأمل للمرضى والفكر لأمثالي من المتعبين.

والدعاء هو التوجه إلى منبع الطاقة في الوجود، حين تحدق الأخطار أو يستولي اليأس وليس من مخرج، كما كانت المظاهرات في سوريا تقول ما لنا غيرك يا الله، أو يكررها أهل غزة في شتاء 2023م مع التوحش الصهيوني، هكذا تتشكل فلسفة كاملة حول الدعاء. وحين نرجع إلى السيرة ترى فصولا من العذاب مع رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم، ولا ضوء في الأفق. كان ذلك حين توجه أخيرا إلى الطائف، عسى ولعل أن يكون ثمة نصير، فقد أغلقت مكة بصخورها أي ماء يتدفق؟ ولكن المفاجأة كانت كبيرة حين استقبله أحد المثقفين، فبدأ يفند ما يقوله نبي الرحمة (ص): إن كان ما تقوله صدقا فأنت أكبر منا حين تتصل بالملائكة ورب السماوات، وإن كنت كاذبا فلك الويل من أفاك أثيم. وهكذا بدأ تحريض الصبيان لضربه بالحجارة، كانت لحظات مؤلمة جدا، فتوجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى رب الأرباب بهذا الدعاء. هكذا إذن الدعاء ما يناسب المرحلة. أنا شخصيا أعرف الأدعية جيدا، فخطر في بالي تطوير نظام الدعاء بإضافات جاءتني في لحظة رحمة. لنقرأ دعاء الرسول في الطائف أولا:

اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهّمني، أو إلى عدوٍ ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو تحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، لا حول ولا قوة إلا بك.
وإليكم الدعاء العصري الذي نظمته أنا في ضوء الحياة التي نعيشها.
اللهم نمِّ فينا ملكة النقد الذاتي، وارفعنا إلى مستوى النفس اللوامة.

اللهم ابعد عنا روح التقليد، وازرع فينا روح الابتكار.

اللهم ارحمنا من نار التعصب، وألهمنا روح التسامح.

اللهم حررنا من ربقة الجمود، والتحنط العقلي، وعلمنا ترقية عقولنا، وإحكام تفكيرنا، وأن لا نخاف من العلم. وأن لا نسلم عقولنا لأي شخص ومؤسسة وحزب وطائفة وتقليد وكهنوت وناسوت.

اللهم علمنا النظافة، وروح الجمال، ودقة المواعد، وإتقان العمل، والذوق الرفيع في قيادة السيارات.

اللهم علمنا أن لا نلقي على الأرض العلب الفارغة، وأكياس النايلون (البلاستيك) والأزبال، وأن نحافظ على بيئتنا نظيفة من التلوث، بهجة للناظرين ومتعة للساكنين وصحة للقاطنين.

اللهم علمنا الأناقة في إتمام كل عمل، وحسن الأداء، وأن نقول للناس حسنا، والتعامل بالعدل مع كل عباد الله، وعدم أكل دين أي أحد، ولو كان من غير ملتنا. واجعلنا يا رب إنسانيين قائمين بالقسط شهداء لله ولو على أنفستا.

اللهم حبب إلينا الحوار والبعد عن الصدام، وارفع الظلم عن الإنسان أينما كان ومهما دان، وأطفئ الحروب في الأرض، وألق السلام بين الأنام.

اللهم علمنا فن الإصغاء للآخرين، والصبر على مخالفينا. وازرع فينا روح التسامح والغفران والرحمة وحب البشر والأرض والطير والشجر؛ فلا أروع من الحب، ولا أعظم من التسامح، ولا أنبل من الغفران.

اللهم لا تجعلنا ممن يسرع في التكفير، ويتورط في إلقاء أحكام الزندقة والهرطقة على الناس، وأن لا نسرع في حل المشاكل بالحرب والضرب؛ فهي جنون وجريمة وإفلاس أخلاقي.

اللهم حبب إلينا احترام الاختلاف، والتعددية في وجهات النظر، فهي خصوبة في جو الثقافة.

اللهم أسس في ربوعنا الديموقراطية، وازرع نبتات الشورى، وطهرنا من الاستبداد والديكتاتورية.

اللهم علمنا أن نستوعب اختلاف المكان والزمان والجغرافيا والثقافة وعلينا تقدير الاختلاف واحترامه فهذه هي أقدار البشر.

اللهم حبب إلينا زراعة الورود، والعناية بالشجر، وكراهية الغبار والوسخ، والتخلص من القذارة والفوضى، والتسيب الوظيفي، واحتقار الآخرين، ورشوة الموظفين. وأداء أعمالنا بروح إيجابية متفاءلة. اللهم علمنا احترام الوقت، والثقة بالإنسان، فلا نتجسس على أحد، وأن لا نخاف من الظالم. ونواجه التحديات بروح سلامية.

اللهم علمنا الرحمة بالناس، واحترام عقل الطفل، وتقدير المرأة، والشغف بالعلم، وعشق الكتاب. اللهم ازرع فينا الروح السلامية، وأبعد عنا روح العنف باللسان والسنان، وعقلية الانقلابات العسكرية الدموية، والاغتيالات الفردية، والتصفيات الطائفية، والاقتتالات الحزبية والمذهبية، وما قرب إليها من قول وعمل.

اللهم أدخل فقهاءنا العصر، وأن يستعيد المسجد وظيفته.

اللهم ارفع مستوى الوعي عند المواطن، فلا يكون مطية لأحد، وعبدا للحاكم.

اللهم ألهم المثقف أن لا يكون مدجنا للسلطة، وأن تكون صحافتنا حرة لا مرتزقة. وأن يستعيد الإعلام مصداقيته.

اللهم امنحنا قدرة ضبط النفس عند شدة الانفعال، ونار الغضب، وكسرة الحزن، وانهيار الخوف، وضباب الشهوة. وأن نكرر مع كل صلاة ثلاثا وثلاثين «سلام قولا من رب رحيم».

اللهم نسألك من خير هذا البلد ووالد وما ولد ونعوذ بك اللهم من شر هذا البلد. اللهم حببنا بصالحي أهل هذا البلد، وحبب صالحيه فينا.

 

نافذة:

اللهم علمنا فن الإصغاء للآخرين والصبر على مخالفينا وازرع فينا روح التسامح والغفران والرحمة وحب البشر والأرض والطير والشجر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى