
شرعت جل الأحزاب السياسية في شحذ سيوفها لركوب معاناة سكان المناطق القروية النائية والتحديات الطبيعية، والانضمام إلى الجهات المنتقدة، وارتداء الجبة الحقوقية، علما أن المنتخبين هم أول المسؤولين عن تراكم ملفات غياب التنمية، وتعثر العدالة المجالية، والفشل في تدبير الشأن العام، واعتماد عدد من المجالس على دعم وزارة الداخلية وبعض القطاعات الوزارية، لتفادي إفلاس ميزانياتها.
وطبعا، لا أحد ينكر المعاناة التي يواجهها سكان المناطق القروية والدواوير الجبلية، وهو ما أشار إليه الملك في خطابه بشكل صريح، عندما أكد أنه لا يقبل بمغرب يسير بسرعتين في مجال التنمية. لذلك، فإن كل المزايدات في هذا المجال تدخل في خانة الركوب الانتخابوي للملفات الاجتماعية، عوض الاجتهاد في إيجاد حلول ناجعة للفوارق المجالية.
إن التحديات التي يواجهها سكان العالم القروي، وبعض المناطق المهمشة بالمجال الحضري، واضحة، وتتطرق إليها التقارير الإعلامية باستمرار، كما توجد في صلب اهتمامات المشاريع الملكية. غير أن المعضلة الحقيقية تكمن في تخلف المجالس المنتخبة عن مسايرة الاستراتيجيات الكبرى، وتخبطها في الصراعات، وتصفية الحسابات الضيقة، والتهافت على المكاسب والمناصب، في غياب القدرة على تقديم قيمة مضافة لتدبير الشأن العام المحلي.
لقد وصلنا إلى حد التخمة في تشخيص المعاناة التي يعيشها سكان المناطق النائية، وتبعات غياب العدالة المجالية، وتعثر تنزيل أهداف المشاريع التنموية، وهو ما يتطلب اليوم الاجتهاد في تقديم حلول ممكنة لمعضلة بطالة الشباب، وفك العزلة، وتجويد الخدمات العمومية، والإبداع في تشجيع جلب الاستثمارات، ودعم المبادرات الشبابية، بما يراعي خصوصيات كل جهة وإقليم.
إن الوقت هو وقت العمل والجد، والملفات الاجتماعية الحساسة يتفق الجميع على أنها بمثابة الحصى التي تعيق تسارع وتيرة التنمية الشاملة. لذلك، يتعين على الأحزاب التحلي بالشجاعة السياسية، واعتراف منتخبيها بالفشل في التدبير، وتقديم برامج انتخابية دون الوفاء بتنزيلها على أرض الواقع، وهو ما يرفع سقف انتظارات السكان، ويراكم مشاكل العزلة والاحتقان الاجتماعي.
وليس غريبا أنه مع كل احتجاجات أو مؤشرات احتقان اجتماعي في منطقة ما، تكشف التحقيقات والتقارير الرسمية عن تعثر في تنزيل المشاريع المسطرة، واختلالات في التنفيذ، وعيوب في الصفقات العمومية أو تأخر إنجازها، أو عجز المجالس المنتخبة، وتحول رؤسائها إلى مناضلين يرفعون شعارات المطالبة بالحقوق، عوض المساهمة في توفيرها. وهو ما يستدعي التفعيل الأمثل لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، لأنه لا شيء أخطر على السياسة من وجود الرجل غير المناسب في المكان الذي يتطلب عملا جادا ومواجهة التحديات، والقدرة على استيعاب رهانات مشاريع مغرب 2030.





