حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةثقافة وفنسياسية

شهدت جلاء آخر جندي أجنبي بسيدي إفني يوم استرجاعها

مذكرات حفيظ بنهاشم

علاقتي بالمناطق الجنوبية تعود لعام 1969، حيث تعددت مهامي الوظيفية في هذه المناطق، منذ أن كنت شابا حديث التخرج من الأكاديمية الملكية لتكوين الشرطة، فوج 1965/1966.

في 30 يونيو 1969، قدر لي أن أعيش عن قرب عملية جلاء آخر جندي أجنبي عن مدينة سيدي إفني، في لحظة تاريخية تجسدت فيها بطولات أبناء قبائل آيت باعمران، الذين قدموا نماذج من التضحيات والمقاومة المسلحة ضد الاستعمار الإسباني.

سيعرف التراب المغربي تحولات كبرى مع بداية القرن العشرين، بعد ضعف الدولة المركزية وسقوط البلاد فريسة للاستعمارين الفرنسي بتاريخ 30 مارس 1912 والإسباني بتاريخ 27 نونبر من العام نفسه.

ارتكز الاستعمار، في تقطيعه للتراب المغربي، على معاهدة وقعت بين فرنسا وإسبانيا، أصبح بموجبها شمال المغرب، إضافة إلى طرفاية وسيدي إفني وصحراء الساقية الحمراء ووادي الذهب، خاضعة لنفوذ الحماية الإسبانية، بينما احتلت فرنسا وسط المملكة الشريفة، فيما ظلت مدينة طنجة تحت الحماية الدولية.

بعد مرور عام على استقلال المغرب، تمت تصفية الاحتلال عبر مراحل:

2 مارس 1956: استرجاع المنطقة الوسطى التي كانت محتلة من طرف فرنسا.

7 أبريل 1956: استرجاع المنطقة الشمالية التي كانت خاضعة للحماية الإسبانية.

29 أكتوبر 1956: عودة منطقة طنجة الدولية إلى الحكم المغربي وإنهاء تدويلها.

15 أبريل 1958: استرجاع إقليم طرفاية الذي جسد محطة بارزة على درب النضال الوطني من أجل استكمال الاستقلال الوطني وتحقيق الوحدة الترابية.

30 يونيو 1969: واصلت البلاد، في عهد المغفور له الحسن الثاني، طيب الله ثراه، مسيرتها النضالية حيث تم استرجاع مدينة سيدي إفني، تلاه تنظيم المسيرة الخضراء، في 6 نونبر 1975، التي استكملت استرجاع الأقاليم الجنوبية إلى حوزة الوطن، إيذانا بنهاية الوجود الاستعماري في الصحراء المغربية، لتتكلل سلسلة الملاحم والمكارم في سبيل تحقيق الوحدة الترابية باسترجاع بلادنا لإقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979.

كانت مهمتي في سيدي إفني فرصة للتعرف على هذه الربوع، بعد أن كانت حدود مهامي السابقة في الجنوب لا تتعدى أكادير، خاصة خلال عملية إعادة إعمار المدينة بعد أن تعرضت لزلزال مدمر ليلة 29 فبراير 1960.

تم توقيع معاهدة تسليم سيدي إفني إلى المغرب، تميزت المفاوضات بشأن قضية مدينة إفني بنوع من التبصر والحكمة، حيث تم الاتفاق بين الطرفين على أن تمر الأجواء بشكل عادي، أثناء تسليم السلط، وإحاطة مضامينها بالسرية التامة، حتى يتم، في الوقت نفسه، تسهيل مأمورية إجلاء الجيش الإسباني إلى ثكناته العسكرية في إسبانيا، وتثبيت دعائم الدولة المغربية ورفع العلم المغربي في إفني، بإشراف من لجنة تسليم المهام وضع المعطي جوريو، الكاتب العام لوزارة الداخلية، على رأسها.

كنت ضمن الأطر الشابة التي جرى اختيارها، من طرف الإدارة العامة للأمن الوطني، للقيام بمهمة استتباب الأمن وتعويض القوات الإسبانية التي كانت تشرف على الجانب الأمني في هذا الإقليم المسترجع.  

السفر إلى سيدي إفني تم انطلاقا من مطار الرباط/ سلا عبر طائرة عسكرية قديمة نوع «دي سي 3»، التي كانت تتوفر عليها القوات المسلحة الملكية المغربية في تلك الفترة. قطعت المسافة الفاصلة بين العاصمة ومطار عسكري صغير بسيدي إفني في مدة قاربت أربع ساعات.

كان السفر مقلقا، ليس بالنسبة لي وحدي بل بالنسبة لأغلب زملائي الذين رافقوني في هذه الرحلة التي لا تتجاوز 600 كيلومتر، لكنها كانت متعبة، سيما وأنها كانت أول رحلة لي جوا في مساري المهني.

مصدر إزعاجي يرجع إلى الطائرة العسكرية التي كانت تسير بتثاؤب نحو هدفها، وتعبر بنا سواحل المحيط، حيث كنت أسترق النظر من نافذة الطائرة لأرى أمواج المحيط الأطلسي وهي تعانق رمال الشاطئ.

كنت أفكر في صعوبة العودة على متن الطائرة نفسها، وفي الساعات التي نقطعها في جوفها، لكن ما أن هبطت في مطار عسكري صغير بالمدينة المسترجعة، حتى نسيت هذه الهواجس، سيما أمام الاستقبال الحاشد لقبائل آيت باعمران.

علمت أنه، خلال فترة احتلال سيدي إفني من طرف إسبانيا، كان اقتصاد هذه المدينة يعتمد على المبادلات التجارية مع جزر الكناري، التي كانت واجهة اقتصادية للمناطق الصحراوية.

انشغلت لجنة تسليم السلط بقضايا البنيات التحتية الأساسية، خاصة الربط الهاتفي والطرقي، سيما في ظل هشاشة التجهيزات التي كانت تعرفها مدينة استرجعت بنضال قبائل آيت باعمران، خاصة في معركة جبل آيت باعمران الشهيرة.  

أيامي الأولى في سيدي إفني، صيف عام 1969، كانت صعبة، لقد جئنا إلى هذه المدينة في مهمة لا تتجاوز الأسبوعين كما هو وارد في وثيقة «أمر بمهمة»، تحولت المدة إلى شهرين كاملين.

لم أكن أتوفر على أمتعة ولم تتح لي فرصة زيارة عائلتي، ولم ترد الإدارة العامة للأمن الوطني على طلبات الاستفادة من إجازة قصيرة، تراقصت أمام عيني فكرة الهروب، سيما وأنني كنت حديث الزواج وفي عهدتي والدتي المريضة.  

 

 

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى