الافتتاحية

صيانة الإنسان

ليس من باب الصدفة أن يعين الملك محمد السادس، أول أمس الخميس، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان دفعة واحدة، فهذا الصنف من التعيينات يحمل أكثر من دلالة قانونية وسياسية من أعلى سلطة في البلد، تجاه الدفاع عن حقوق الإنسان وحمايتها من أي انتهاك يمس بصورة البلد.
فالرهانات المعقودة على الملف الحقوقي كبيرة على المستوى الوطني أو الأجنبي، خصوصا مع التحولات الجوهرية التي طرأت على اختصاصات المجلس الوطني، الذي تحول إلى دركي لحقوق الإنسان يملك أسلحة فعالة لدفع السلطات إلى احترام الحقوق عبر ثلاث آليات جديدة، تتمثل في الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، والآلية الوطنية للتظلم الخاصة بالأطفال ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، والآلية الوطنية الخاصة بحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
ما زلنا لا نستوعب بعد قيمة إحداث هاته الآليات، خصوصا الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، بعد مصادقة المغرب على البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب، الذي صادق عليه المغرب سنة 2012، التي تعد بلا شك ثورة قانونية حقوقية بكل المقاييس، تسمح لنشطاء حقوق الإنسان بالقيام بحملات تفتيش لمختلف الأماكن التي يوجد فيها أشخاص محرومون من حريتهم، والاطلاع على واقع معاملة المعتقلين والاستماع إلى شكاياتهم بشأن أي انتهاك لحقوقهم وتعريضهم لأي شكل من أشكال التعذيب.
لكن يبقى أهم رهان معقود على المجلس الوطني، خلال ولايته الانتدابية، هو أن يبقى مؤسسة مفتوحة في وجه المواطنين، حيث يمكنهم أن يسمعوا صوتهم وأن يستمع إليهم، وحيث يمكن أن يعبروا له عما يكابدونه من معاناة في سبيل ممارسة حقوقهم التي يكفلها لهم الدستور. وهنا بالضبط، تكمن الحاجة إلى تجاوز المجلس في حلته الجديدة للوظيفة الكلاسيكية لمؤسسات حقوق الإنسان المستقلة، مؤسسة تبدي استشارتها للحكومة والبرلمان وإصدار التقارير السنوية وكفضاءات للتنشئة على الحقوق بأجيالها المختلفة والنهوض بها، بل ينبغي أن تتحول هاته المؤسسة وأذرعها الجهوية إلى فضاءات حقيقية للوساطة بين قرارات الدولة وردود فعل المواطنين، وآلية للتدخلات الاستباقية تجاه الاحتجاجات، والتخفيف من حجم الاحتقانات الاجتماعية التي تبدع في إنتاجها الحكومة.
بدون شك فإن تعيين أمينة بوعياش رئيسة للمجلس ليس نهاية للقصة، وليس لوحده مؤشرا كافيا للحديث عن قوة وجدية هاته الهيئة، خلال السنوات الخمس المقبلة، بل الأمر مرتبط بـ«بروفايلات» من سيتم اقتراحهم كفريق عمل ضمن 27 شخصية حقوقية و12 رئيس لجنة جهوية، وهنا يجب الحذر من آفة الزبونية والقرابات السياسية الضيقة، خصوصا بالنسبة لاقتراحات 8 أعضاء من طرف رئيسي غرفتي البرلمان، و8 أعضاء يقترحهم رئيس الحكومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى