
مع اقتراب كل محطة انتخابية، تظهر على السطح هشاشة الأغلبيات المسيرة لجل الجماعات الترابية، حيث تتحول التحالفات، التي يفترض أن تؤطر العمل الجماعي لخدمة الصالح العام والاجتهاد في تنزيل الوعود الانتخابية، إلى تكتلات ظرفية تحكمها الحسابات الضيقة وتقاطع المصالح الشخصية، والجري خلف الاستفادة من أموال الحملات الانتخابية واقتناص الفرص.
وفضحت الحملات الانتخابية السابقة لأوانها واقع هذه الأغلبيات الهجينة التي لا يجمع بين مكوناتها برنامج سياسي واضح أو رؤية تنموية مشتركة، بقدر ما يوحدها السعي إلى قضاء المصالح الخاصة ودعم مرشحين للانتخابات البرلمانية وفق أجندات انتخابية متقاطعة، بدل الالتزام بالانتماءات الحزبية أو البرامج التي قدمت للناخبين.
وفي ظل هذا الواقع السياسي المحلي البئيس، يعيش تدبير الشأن المحلي على وقع صراعات داخلية متواصلة بين مكونات الأغلبيات نفسها، حيث تحولت المجالس الجماعية إلى فضاءات لتصفية الحسابات السياسية والشخصية، ومع كل استحقاق انتخابي تتصاعد حدة الاتهامات المتبادلة بين الحلفاء المفترضين، ويكثر التلويح والتهديد بفضح اختلالات مرتبطة بالصفقات العمومية والخروقات التعميرية وملفات الفساد والرشوة، وهو الشيء الذي يجب أن تضع له السلطات المختصة حدا بتفعيل المحاسبة وتعقب كل تصريح أو التبليغ عن جرائم وتقديم تقارير بشأن ذلك إلى القضاء للفصل في التهم.
إن المناخ السياسي المحلي المشحون لا شك ينعكس سلبا على صورة العمل السياسي وعلى ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، كما يغذي الانطباع لدى الناخب بأن التنافس السياسي لا يدور حول البرامج والرؤى التنموية، بل حول الأشخاص وتدبير النفوذ وتصفية الحسابات، والجري خلف «الهموز».
وأفرزت هذه الصراعات المتكررة حالة من الشلل في أداء العديد من المجالس الجماعية، حيث يغيب التفعيل الحقيقي لاختصاصات رؤساء الجماعات، وتراجع الاهتمام بقضايا التنمية المحلية وتجويد الخدمات العمومية. كما يتجلى التعثر بوضوح في هزالة تنزيل مقتضيات القانون التنظيمي للجماعات الترابية 113.14، الذي منح الجماعات أدوارا أساسية في تدبير قطاعات حيوية تمس الحياة اليومية للمواطنين.
إن واقع الأغلبيات المسيرة للجماعات الترابية يطرح اليوم أسئلة عميقة حول جدوى التحالفات الهشة التي تقوم على المصالح الضيقة بدل البرامج التنموية الواضحة. فمهام رؤساء الجماعات ثقيلة واستراتيجية، ولو تم الاضطلاع بها بروح المسؤولية والكفاءة لكان المشهد مختلفا تماما من حيث التنمية المحلية ولتعززت ثقة المواطنين في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة. أما استمرار منطق المزايدات الانتخابوية والوعود الشعبوية، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وإضعاف الأمل في تنمية محلية حقيقية تستجيب لتطلعات السكان، وتتدارك التخلف الكبير عن ركب المشاريع الملكية الاستراتيجية وسعيها لخدمة المواطن وفق الجودة وتحقيق هدف الحياة الكريمة.





