شوف تشوف

عرافون وعلماء

نجح وباء كورونا في أن يدخل العالم في دوامة لا متناهية من التحليلات والقرارات المتضاربة، إلى الحد الذي أضحت فيه كل دولة حالة سيكولوجية قائمة بذاتها. فهذا ترامب قرر أن يحجب التغريدات التي هونت في البداية من أمر فيروس كورونا، بعد أن تصدرت بلاده لائحة المصابين بالوباء، ومن المنتظر جدا أن تتصدر لائحة الوفيات أيضا، ليقرر طلب المساعدة من عدوه الصيني. وها هو ماكرون الذي قرر أن يقوم بإجراءات خاصة به دون تنسيق مع الجيران الأوروبيين، يتراجع عن هذا ويقرر التعاون معهم، بعدما احتلت فرنسا مراتب متقدمة هي أيضا في عدد الإصابات. وبعد أن رفض الاستعانة بالدواء الذي اقترحه الطبيب ديدييه راوول مدير معهد المستشفى الجامعي للأمراض المعدية بمرسيليا، بمبرر أن فاعليته لم تثبت إلى غاية الآن، عاد ليتراجع عن القرار ويقرر اعتماده. وإلى جانب اضطرابات كل من ترامب وماكرون ها هو بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني، ليس أقل اضطرابا، ففي بداية الجائحة، كان رأيه بسيطا قبل أن تثبت له أرقام المصابين والوفيات أنه أيضا رأي ساذج، بل وانتحاري، وهذا الرأي هو أنه لا داعي لفرض الطوارئ الصحية، مادام الفيروس يشكل خطرا فقط على المسنين وليس صغار السن. لذلك لا مانع لديه من أن يصاب ما دون ستين سنة بالفيروس لكونهم سيتعافون منه، وينبغي التركيز فقط على المسنين، قبل أن يتراجع عن هذا القرار ويقرر اعتماد الطوارئ هو أيضا.
هذا التخبط الواضح لا يمكن فهمه إلا بكون هذا الفيروس فاجأ الجميع. ومن الطبيعي أن تصاحب المفاجآت القوية اضطرابات سلوكية. والسؤال هو هل كانوا فعلا متفاجئين؟ وبماذا نفسر أن كثيرين، محللين واستراتيجيين وفنانين ومفكرين تنبئوا قبل سنوات بهذا الذي يحصل الآن؟ هل متخذو القرار في الدول لا يقرؤون ما يكتب؟
ففي الوقت الذي تتخبط فيه السلطات على مستوى العالم يمنة وشمالا لمحاصرة الوباء الذي فتك بآلاف الأرواح، اتجهت الأنظار لبعض التحليلات التي تنبأت بانتشار فيروس قاتل مشابه للفيروس الحالي. وها هي الصحف العالمية تعيد نقل مداخلة للملياردير الشهير “بيل غيتس” مؤسس مايكروسوفت قبل عام خلال مشاركته في مؤتمر استضافته الجمعية الطبية في ولاية ماساتشوستس، وتحدث فيها عن وباء سيمتحن قدرات البشر العلمية والتقنية. ليتم إغراق عناوين غيتس بآلاف الرسائل القادمة من أمريكا وخارجها، تستفسره عن طبيعة مداخلته المذكورة، أي هل هي مجرد تحليل وتنبؤ شخصيين أم هي نقل لمعطيات سرية توصل إليها بحكم النفوذ الذي يحظى به عبر العالم.
الأمر نفسه تداوله أكثر من ملياري إنسان يستعملون وسائل التواصل الاجتماعي، مقاطع من فيلم تتناول قصته انتشار وباء بالطريقة نفسها التي تحدث الآن، وهذا الفيلم هو”Contagion” أو “العدوى”، الذي صدر في 2011 وفيه نجد بطلة الفيلم تعود من رحلة عمل قادتها إلى هون كونغ، ولدى عودتها شعرت بأنفلوانزا لكنها بعد يومين ماتت وتوفي ابنها البالغ ست سنوات أيضا بسبب الأعراض الغامضة نفسها، لكن نجا زوجها بسبب مناعته. وفي الفيلم أيضا تصاب طبيبة عُينت للتحقيق في المرض. ومع انتشار الوباء وإصابة المزيد والمزيد من الأشخاص دون أي علاج في الأفق، ينفرط عقد النظام الاجتماعي، وتنتشر حالات النهب للمتاجر والمنازل انتشارا واسع النطاق. ينقل الرئيس الأمريكي تحت الأرض فيما تعاني خدمات الطوارئ من نقص في الموظفين ولم تعد تستجيب. وأثناء التشخيص المخبري للفيروس سيتم التوصل إلى أنه عبارة عن مزيج من المواد الوراثية من فيروسات الخنازير والخفافيش. الأخطر حسب سيناريو هذا الفيلم هو أنه بحلول اليوم 26 من اكتشاف الوباء، وصل عدد القتلى إلى 2.5 ملايين على الأقل في الولايات المتحدة و26 مليونا في جميع أنحاء العالم.
والحقيقة أن من يتابع اليوم ما يحدث سيصدم لهذه التفاصيل التي تقوي فرضيات سبق لنا الحديث عنها، من قبيل احتمال وجود حرب بيولوجية. بدليل أن السيناريوهات التي تعمل عليها كل الدول الكبرى هي أقرب إلى سيناريو هذا الفيلم، وما وصول عدد القتلى في إيطاليا يوم أمس إلى ألف شخص في يوم واحد، إلا دليلا على حالة التشابه الكبيرة بين سيناريو فيلم خيالي وسيناريو فيلم مرعب، ولكنه واقعي. وهذا التشابه حسب نقاد متخصصين أعادوا مشاهدة الفيلم جعلهم يقتنعون بأن الأمر يتعلق بفيلم وثائقي ينقل حوادث وليس فيلما خياليا. مع الإشارة هنا أيضا إلى أن التنبؤ نفسه يتم تداوله هذه الأيام بخصوص رواية كتبها دين كونتز التي صدرت عام 1981. والسؤال هل كل هذا مجرد مصادفة؟
لا تقف التحليلات التي تنبأت بوباء عالمي قبل سنوات على هذا، بل تعاملت معه على أساس أنه واقع حتمي سيحدث لا محالة، دون الركون لنظرية المؤامرة التي يمكن أن تضخمها تنبؤات مثل هذه، لذلك تم التركيز على سيناريوهات سياسية واقتصادية، منها الآني والاستراتيجي.
فهذا الوباء هو امتحان حقيقي لإنسانية الإنسان، وعليه أن يثبت قدرته على تغليب العمل الجماعي على حساب العمل الفردي، والإيثار على حساب الأنانية، وإن كان الخوف المرضي من هذا الوباء هو جوهر المشكلة، فإن قراءة التاريخ تجعلنا ننظر إلى الجزء الممتلئ من الكأس، أي أن نعتبر ما يحدث لحظة لتصحيح المسارات، لكون اللحظات الكبرى من تاريخ الإنسانية ولدت دوما من رحم الأزمات الكبرى. وبين لحظة الأزمة وما بعدها يمكن للمجتمعات البشرية أن تمر بلحظات انتقالية مليئة بالغموض واللايقين، لكنها تخرج منها حتما أكثر قوة وأكثر إنسانية. فإذا كانت الدول الآن، بما في ذلك المغرب، قد عمدت لإجراءات ينظر إليها على أنها حجر على الحريات الفردية، فإن هذا لن يكون وضعا دائما بأي حال من الأحوال، إذ الأهم هو ما ستصير عليه هذه المجتمعات بعد انحسار الوباء، فالمؤكد أنها ستصير أقوى، وقوتها لا تكون إلا بأن تفهم كل الأمم بأن قدرها هو العيش المشترك، وأنه مهما كانت أسباب الصراعات فإنها لن تكون أقوى من أسباب الحياة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى