
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، تتجدد الأسئلة حول واقع الأحزاب السياسية المغربية وقدرتها على تجديد نخبها وإفراز قيادات جديدة قادرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع.
فالمفارقة الصارخة أن عددا من الأحزاب، التي يفترض أن تكون مدارس للتكوين السياسي وإعداد الكفاءات، باتت تعاني من حالة مزمنة من العقم التنظيمي، جعلتها عاجزة عن إنتاج بدائل قيادية من داخل صفوفها، الأمر الذي انعكس سلبا على حيويتها ومصداقيتها لدى الرأي العام.
وتتجلى الأزمة الحقيقية التي تعاني منها الأحزاب السياسية في ضعف التداول على القيادة، حيث تتحول المسؤوليات الحزبية إلى مناصب شبه دائمة للزعماء الخالدين فيها، وتتم إدارة التنظيمات الحزبية بمنطق الولاء للزعيم وليس بالكفاءة، ويتم اتخاذ القرار بأشكال بيروقراطية صادرة عن الزعيم وليس بالتداول الديمقراطي بين أعضاء الحزب.
ومنذ سنوات طويلة، نجد الوجوه نفسها هي التي تقود الأحزاب السياسية، وتعتلي المنصات الخطابية في المناسبات الانتخابية أو غيرها، وتكرر الخطابات ذاتها باللغة عينها، وكأن عقارب الساعة توقفت في زمن ثابت لا يتغير، ومازالت هذه الوجوه تقدم نفسها بديلا لتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، وحل مشاكل المغاربة التي تراكمت منذ سنوات بتواجد هذه الوجوه التي شاركت في الحكومات المتعاقبة بتحالفات هجينة وغير منسجمة في بعض الأحيان.
وتكشف التطورات الأخيرة داخل عدد من التنظيمات الحزبية عن حجم الأزمة التي يعيشها المشهد الحزبي الوطني. فهناك أحزاب ما تزال رهينة لزعامات خالدة أو قيادات معمرة تتناوب على المواقع نفسها منذ سنوات طويلة، كما هو الحال داخل أحزاب العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث يبدو التداول الحقيقي على القيادة أمرا صعب المنال، رغم ما ترفعه هذه التنظيمات من شعارات الديمقراطية الداخلية وتجديد النخب.
في المقابل تجد أحزاب أخرى نفسها مضطرة للبحث عن «الزعيم المنقذ» من خارج دوائرها التنظيمية بسبب عجزها عن إفراز شخصية تحظى بالإجماع والكفاءة اللازمتين للقيادة. ولعل ما يعيشه حزب الأصالة والمعاصرة خير مثال على ذلك، بعدما انتهى مؤتمره الأخير دون التوافق على أمين عام جديد، فلجأ إلى صيغة القيادة الجماعية كحل مؤقت للخروج من المأزق، ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية شرع في البحث عن شخصية تتوفر على «الكاريزما» والقوة السياسية لقيادة الحزب خلال المرحلة المقبلة.
إن أزمة الأحزاب اليوم ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة بنيوية مرتبطة بضعف آليات التأطير والتكوين، وهيمنة منطق الولاءات والعلاقات الشخصية على حساب الكفاءة والاستحقاق. فالأحزاب، التي تعجز عن تجديد قياداتها وإعداد الخلف القادر على تحمل المسؤولية، لا يمكنها أن تقنع المواطنين بقدرتها على تجديد النخب التي ستدبر الشأن العام أو تمثلهم داخل المؤسسات المنتخبة.
وإذا كانت الديمقراطية تقاس بمدى قدرة المؤسسات على ضمان التداول على السلطة، فإن أول اختبار لذلك يبدأ من داخل الأحزاب نفسها. فالأحزاب التي تتحول إلى ملكيات سياسية صغيرة أو تبقى رهينة لوجوه بعينها لعقود طويلة، تفقد تدريجيا دورها كوسيط بين المجتمع والدولة، وتتحول إلى هياكل انتخابية موسمية لا تنتج الأفكار ولا تصنع القيادات.
لذلك فإن تجديد النخب الحزبية لم يعد ترفا تنظيميا، بل أصبح شرطا أساسيا لاستعادة الثقة في العمل السياسي وإنقاذ المشهد الحزبي من حالة العقم التي تهدد مستقبله ومصداقيته.





