عمالنا بالخارج

عمالنا بالخارج

كلما حل الصيف توافد على الوطن حجيج من أفراد الجالية ومغاربة العالم. يحلون مع تباشير العطلة وغالبا ما يوازون عطلتهم مع احدى المناسبات الدينية -عيد الفطر أو الأضحى- حتى يتسنى لهم أداء سننهم بشكل صحيح بدل التحايل على قوانين البلدان المضيفة وحتى يفتحوا لأبنائهم أعيُناً على هويتهم الأصلية ولغتهم ووطنهم وثقافتهم الأم.

إنه شيء مثلج للصدر أن نجد مهاجرينا بَرَرَةً يمتثلون للحنين ونتمكن من رؤية أبناء عمومتنا سنويا حتى لا تفتر روابطنا الاجتماعية القائمة على الحرارة والصلة والتعاضد وغيرها من أوجه «الاستثناء المغربي» الشهير. لكنه شيء مقرف أن نقف على مجموعة من السلوكيات المشينة التي تتخلل تحركات بعض «عمالنا بالخارج» وهم داخل أرض الوطن، فأفراد جالياتنا الذين لا يسمع لهم صوت في دول إقامتهم والذين يمتثلون صاغرين للقوانين الجاري بها العمل في هذه الأخيرة، ما يلبثون فور أن يتجاوزوا المعابر الحدودية أن يعيثوا فسادا فينا كأنهم يحنون إلى «سيبة» الوطن ولا ينتبهون إلى أن الشعب الذي اضطر أن يبقى مهاجرا داخل البلد قد خطا خطوات كبيرة – وإن على مستويات محدودة – في اتجاه دمقرطة الفضاء العام وتخليقه وفرض القانون.

بعض عمالنا بالخارج يخرجون إلى الشارع بمناماتهم -أي والله- وبملابس خالية من الذوق محتذين خفا أو صندلا منزليين. ومن النساء يخرجن بأغطية شعر من نوع -حياتي- الذي لم تعد أية سيدة مغربية تتجاوز به عتبة الحمام العمومي، يربطنه على نواصيهن إمعانا في «تامغريبيت»، وحتى يجعلنه «مناسبا» للشارع فهن طبعا يتلطخن بالمساحيق الملونة ويتحلين بكيلومترات من السلاسل الذهبية و النظارات الشمسية.
بعض عمالنا بالخارج لا يحترمون الدور ويدخلون المرافق العمومية مختالين شاهرين أوراقهم الثبوتية التي غالبا ما تكون جواز سفر غير أخضر دون أن ينتبهو إلى أن الدولة تخصص لهم كواجب ضيافة مؤدى عنه بالعملة الصعبة، شبابيك خاصة في كل الإدارات العمومية.

بعض عمالنا بالخارج يتعاملون مع الأكل بشكل فظيع، لا يمكن أن لا تنتبه إليهم وهم يتسوقون ولا الى طاولاتهم حين تستجيب لرغبة في غذاء عائلي خارج البيت، يتعاملون مع النادل باستعباد خطير وبأنانية وتسلط، ويمعنون في إرجاع الطلبات.

بعض عمالنا بالخارج لا يحترمون قانون السير، ولا علامات الترقيم ويتجاوزون في الطريق كيفما اتفق، يفتحون النوافذ ويرفعون صوت الموسيقى ويبالغون في استعمال الزامور ويرمون أعقاب السجائر في المناطق الخضراء، وإذا صادفتهم في باحات الاستراحة تراهم يتركون أزبالهم وحفاظات أبنائهم على الطاولات.

بعض عمالنا بالخارج يستعيدون كل مغربيتهم حين تطالعهم لوحة الاستقبال الشهيرة «مرحبا بيكم في بلادكم» ومهما تأخرت ساعة وصولهم فذلك لا يمنعهم من تبادل السلام والعناق والبكاء والفرح بالعودة جهرا لأنهم متأكدون أن لا أحد سيرفع سماعة الهاتف ليطلب الشرطة وحتى لو حدث، فإن القانون المغربي لا يجرم إزعاج الجيرة ولا الضجيج في الأماكن العامة كما بلدان المهجر.
بعض عمالنا في الخارج تائهون بطباع هجينة، لا هم حافظوا على مغرب «الترابي والصواب» ولا هم لحقوا بمهجر «النظام والقانون».

نبذة عن الكاتب

كاتبة وصحفية

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة