شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرسياسيةملف التاريخ

عندما أخبر السلطان واشنطن بأن فرنسا ستُنصب ابن عبد الحفيظ مكانه

وقائع اجتماع سري بين مبعوث محمد الخامس والقنصلية الأمريكية أياما قبل المنفى

 

دخل المبعوث الملكي، السيد الصبيحي، إلى مكتب القنصل الأمريكي في الرباط، حاملا معه رسالة شفهية من الملك الراحل محمد الخامس إلى الحكومة الأمريكية. حدث هذا قبل أسبوع من نفي العائلة الملكية وتنصيب بن عرفة سلطانا للمغرب.

كان الملك الراحل محمد الخامس قد حصل من مصادره الخاصة، بينهم رجال يثق بهم يوجدون في حاشية الكلاوي، على معلومات تفيد باقتراب موعد تنصيب ابن السلطان عبد الحفيظ على العرش مكان محمد الخامس.

السلطان حدد للأمريكيين موعدا للانقلاب المرتقب ضده، وأخبرهم بأن البلاد سوف تدخل في نفق مظلم إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

الأمريكيون بدورهم، اعتمدوا مصدرين محليين، وتأكد لهم فعلا أن السلطان محمد بن يوسف يحظى بشعبية كبيرة، وشرعية على الأرض، من شأنها أن تؤجج الأحداث إذا عزلته فرنسا.

الملاحظ من الوثيقة الأمريكية أن سيناريو المنفى لم يكن مطروحا، وإنما كانت المعلومات المتداولة تتعلق بعزل عن السلطة، وانقلاب فرنسي في قلب المغرب.

 

يونس جنوحي:

 

 

محمد الخامس يعلم بتفاصيل مخطط عزله عن العرش ويحذر من المظاهرات

هذه الوثيقة الأمريكية، التي تُنشر تفاصيلها لأول مرة، تكشف إلى أي حد كان الملك الراحل محمد الخامس يعرف ماذا يحاك ضده. ورغم أن المغرب وقتها لم يكن يتوفر على جهاز مخابرات مؤهل لكي ينافس الاستخبارات الأمريكية والفرنسية، إلا أن السلطان محمد الخامس أرسل مبعوثا خاصا، لينقل سرا إلى الأمريكيين المعلومات التي يتوفر عليها، والتي تأكد له من خلالها أن فرنسا تعتزم تعيين ابن المولى عبد الحفيظ، وكان اسمه «الحسن»، على العرش.

يتعلق الأمر إذن بانقلاب على السلطان محمد بن يوسف، اكتشفه ونقل مضامينه إلى الأمريكيين، على لسان الصبيحي.

حدث هذا في صباح العاشر من غشت 1953. الوثيقة الأمريكية التي تحمل ترقيم 771.00/8-1953، والمسجلة في تمام السابعة مساء من ذلك اليوم، تقول إن المبعوث السري للسلطان، واسمه الصبيحي، جاء إلى القنصلية الأمريكية في الرباط، وقال للأمريكيين إن السلطان محمد بن يوسف بعثه لكي يخبر حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بأن المغرب «في وضع خطير للغاية». تقول الوثيقة أيضا إن السلطان قال للأمريكيين، على لسان الصبيحي، إنه يتوقع عزله واستبداله بالحسن الحفيظي (ابن المولى عبد الحفيظ). وأن المغرب سوف يُقسم إلى دولتين، شمالية وجنوبية.

الصبيحي، حسب الوثيقة دائما، نقل إلى الأمريكيين أن الملك محمد الخامس يعتقد أن الانقلاب المخطط له من طرف الباشا الكلاوي والسيد «بيدو»، سوف يُنفذه شخص آخر هو «دو بليسون»، مستغلين غياب المقيم العام لأيام.

السلطان محمد بن يوسف توقع أيضا أن «الدماء سوف تتدفق»، وقد نقل المبعوث الصبيحي هذه العبارة حرفيا للأمريكيين، في شوارع المغرب، وأن «حربا أهلية تلوح في الأفق»، إذا واصلت فرنسا سياستها الحالية في المغرب.

كما ذكر الصبيحي، أن السلطان يتوقع أن يتم الانقلاب عليه ما بين الخامس عشر والعشرين من غشت، وهو ما يكشف أن المعلومات التي حصل عليها السلطان من مصادره الخاصة، مؤكدة.

الصبيحي قال للأمريكيين إن الملك محمد الخامس استقى معلوماته من مصادر من متخلف مناطق المغرب، وأن بعض هذه المصادر من حاشية الباشا الكلاوي نفسه!

الصبيحي قال للأمريكيين إن الإعداد يجري لمظاهرات، مناصرة للملك محمد الخامس ورافضة لتحركات الباشا الكلاوي، قد تخرج عن السيطرة وتصبح دموية. وقد كان للأمريكيين أيضا مصادرهم وتأكد لهم فعلا أن مواجهات وشيكة سوف تحدث في المغرب في حالة جلوس الحسن الحفيظي على العرش مكان السلطان محمد بن يوسف.

سوف نرى في هذا الملف كيف أن الفرنسيين غيروا المخطط في آخر لحظة، وأن المعلومات التي أوردها محمد الخامس بخصوص ساعة الصفر، كانت دقيقة جدا. وما وقع أن الكلاوي وفريقه المعارض لمحمد الخامس، عملوا على استبدال الحسن الحفيظي، الذي أزيل اسمه من الخطة في الأيام الساعات الأخيرة، وجاء مكانه ابن عرفة، الذي سبق للملك الراحل محمد الخامس أن سمع أن فرنسا تخطط لوضعه على العرش منذ 1951.

ماذا وقع إذن؟

 

ابن حسين و«ولد القايد».. المخبران اللذان تجسسا على جولات القياد المعارضين للسلطان

بالعودة إلى الوثيقة الأمريكية، فإن موظفي القنصلية علقوا على ما قاله المبعوث الملكي، الصبيحي، الذي كان بالمناسبة رجل ثقة الملك الراحل محمد الخامس. والمعروف أن عائلة الصبيحي كانت مقربة دائما من المخزن، وفي قلب السلطة في محور الرباط وسلا. كما أن دار الصبيحي لعبت دورا كبيرا في تدبير الشأن العام منذ أيام السلطان مولاي يوسف، والد الملك الراحل محمد الخامس. إذ أن محمد الخامس كان يتردد على دار الباشا الصبيحي، ومنها كان يزور مناطق الرباط وسلا في جولاته التفقدية.

موظفو القنصلية الأمريكية في الرباط، كتبوا معلقين على ما نقله لهم الصبيحي، مؤكدين أن كلامه دقيق، وصحيح. حتى أن موظفين علّقوا على الوثيقة، وهنا ننقل ترجمة حصرية لأقوى مضامين هذا التعليق : «نشعر أن مكائد الكلاوي سوف تؤدي فعلا إلى أزمة وشيكة، لكننا بشكل مستقل لا نعتبر الوضع حرجا إلى هذا الحد كما يتصوره القصر. ومع ذلك، فإن الافتقار إلى صحافة المعارضة، وعزل القنصلية عن بعض المصادر الوطنية، والمصادر الأخرى باستثناء مصادر قليلة، يحد من رؤيتنا للأمور. مما لا شك فيه أن السلطان مطلع على نطاق واسع، ويدرك أن انتقال السلطة الذي لا شرعية له، من شأنه أن يضعف مكانته في حالات الطوارئ المستقبلية.

إذا حدث انقلاب في المغرب، فإن مسألة إراقة الدماء التي تنبأ بها السلطان سوف تصبح حقيقة. ونحن نتلقى عرائض مؤيدة للسلطان، موقعة من قوائم طويلة من المغاربة».

تتحدث الوثيقة، في شق تعليق القنصلية الأمريكية على اللقاء مع المبعوث، الصبيحي، عن الدور الذي لعبه رجلان مغربيان في تأكيد المعلومات التي تلقاها الأمريكيون من مبعوث القصر.

جاء في الوثيقة أن الأمريكيين كان لهم مصدران، وهما ابن قايد منطقة «بولو» -مدينة بنسليمان حاليا-. وأضاف موظف القنصلية قائلا: «وأخبرنا مُخبر آخر، وهو مالك أرض مغربي اسمه ابن حسين، بشكل منفصل اليوم، عن جولة الكلاوي التي كانت مدعومة بقوة أمنية فرنسية».

الأكثر من هذا، أن الأمريكيين قللوا من شأن الكلاوي، وقالوا في الوثيقة إن موقفه ليس قويا بما يكفي، وأنه يعيش خلافا أسريا داخليا، في تلميح إلى التنافس الحاصل في محيط أبناء الكلاوي وأبناء عمومته حول السلطة في نواحي مراكش، واعتبر الأمريكيون أن هذه المعطيات قد تقلل من فرص الكلاوي لكي تعتمد عليه فرنسا في المراحل المقبلة.

تختم الوثيقة بما يلي: «السلطان ينتظر الرد، رغم أننا وعدنا بنقل الرسالة فقط. الصبيحي سوف يلتقي السلطان يوم الثاني عشر من غشت، وسوف يتصل بالقنصلية في وقت لاحق من نفس اليوم».

طلب موظفو القنصلية من الإدارة في واشنطن، في نص الوثيقة، الحصول على تعليمات من العاصمة للتعامل مع الأزمة. بدا واضحا أن الملك الراحل محمد الخامس قد ألقى بالكرة في ملعب الأمريكيين، باعتبارهم قوة حاضرة في المغرب، أياما قليلة قبل محنة المنفى، التي دامت قرابة السنتين، وانتهت بعودة السلطان محمد بن يوسف إلى العرش، ورحيل فرنسا عن المغرب.

 

 

ابن عرفة يقسم على المصحف أمام محمد الخامس بأنه لن يجلس على العرش!

هناك معلومة سوف تكون صادمة لأغلب الذين يعرفون قصة ابن عرفة وكيف أصبح ملكا للمغرب بعد نفي الملك الراحل محمد الخامس في غشت 1953.

الوثيقة الأمريكية التي تناولناها في الملف، والتي تقول إن السلطان محمد بن يوسف راسل الأمريكيين وقال لهم إن فرنسا تعد لانقلاب عليه وأنها اختارت ابن المولى عبد الحفيظ، السلطان الذي وقع معاهدة الحماية في مارس 1912 وغادر المغرب صوب فرنسا ولم تسمح له الإدارة الفرنسية بالعودة إلى المغرب، كشفت أن الملك الراحل محمد الخامس كانت لديه مصادره داخل الإدارة الفرنسية، وأن المعلومة التي وصلت إليه لا يمكن أن تكون مغلوطة، لولا أن الفرنسيين غيروا رأيهم في آخر لحظة، وأبعدوا ابن السلطان السابق المولى عبد الحفيظ.

لكن المعلومة المثيرة، والتي لا يعرفها الكثيرون، أن الملك الراحل محمد الخامس كان يعرف أن فرنسا تضع عينيها على ابن عرفة. وهذا الأمر أكده الملك الراحل الحسن الثاني لمؤرخ المملكة عبد الوهاب بن منصور.

وتعود الواقعة التي حكاها الملك الحسن الثاني لمؤرخ المملكة، إلى سنة 1951. وكان وقتها الملك الراحل الحسن الثاني وليا للعهد، يلازم والده في عمله المكتبي اليومي في القصر الملكي بالرباط.

وصل إلى علم الملك الراحل محمد الخامس في ذلك اليوم، أي سنتين قبل نفيه، أن فرنسا تخطط لإبعاده عن العرش، وأن المقيم العام سوف يعين ابن عرفة مكانه.

يقول عبد الوهاب بن منصور في كتاب: «الحسن الثاني، حياته، جهاده ومنجزاته»: « «قال لي جلالته، أي الحسن الثاني: كنت مع أبي في المنزه الجديد وهو يتهيأ في الطبقة الثانية للخروج إلى صلاة الجمعة بعد إمضاء البروتوكول (يتعلق الأمر بالوثيقة التي فرض جوان على السلطان إمضاءها بالقوة، والتي لم يلبث أن قام باستنكارها وفضحها) بأيام قليلة، فرأيت محمد بن عرفة يدخل عليه حاملا في يده مصحفا وهو يحلف له بأغلظ الأيمان أنه لم يتصل بالمتآمرين وأن لا صحة لما يروج بشأن ترشيحه للجلوس على العرش، فقال له والدي وهو يعرف أن المتآمرين اتصلوا به ورشحوه للملك: آلشريف، أما وقد حلفت لي في المصحف فقد آمنا بالله ! ».

لكن بدا أن المقيم العام الفرنسي جوان كان له رأي آخر. فقد اتضح بعد سنتين أن المغرب على موعد مع الانقلاب الذي استشعره الملك الراحل محمد الخامس، قبل وقوعه، ليس مرة واحدة فقط، وإنما مرتين. الأولى قبل وقوعه بسنتين، والثانية أسبوعا واحدا فقط قبل حدوثه.

 

كيف عاش الأمريكيون «فاجعة» 1953 مع المغاربة؟

حسب ما أشار إليه الباحث الأمريكي، المتخصص في علم الاجتماع، «كيفن دواير» في مؤلفه «حوارات مغربية»، في تعليقه على حوارات أجراها مع الفقير الشرادي المغربي في تارودانت خلال النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، فإن الأمريكيين عند وصولهم إلى المغرب لم تكن علاقتهم جيدة تماما مع المغاربة. خصوصا وأن أحداث اعتداءات طالت مغاربة في مدينة الرباط، نُسبت إلى الجنود الأمريكيين.

هذا الباحث الأمريكي نقل المعلومة على لسان محاوَره الذي عاش تلك الأحداث عند وصول الأمريكيين إلى المغرب سنة 1943. وأكد أن بعض حالات الاغتصاب والاعتداء على المغربيات، نُسبت إلى الجنود الأمريكيين، وهو ما جعل السكان المحليين في الدار البيضاء والرباط ينظرون إليهم بنوع من الريبة، قبل أن ينسج بعض الجنود علاقات إنسانية مع المغاربة.

لكن عند نفي الملك الراحل محمد الخامس، كان الأمريكيون قد عاشوا مع المغاربة تفاصيل تلك الفاجعة، خصوصا وأن المظاهرات وأولى عمليات المقاومة المسلحة في المغرب، استهدفت الفرنسيين بالخصوص، ولم تطل الأمريكيين.

كان هذا أكبر دليل على أن الأمريكيين كانوا في «حالة حياد»، على الأقل في أعين المغاربة.

عقد المغرب آمالا كبيرة على وجود الأمريكيين وبقائهم في القاعدة العسكرية حتى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان يروج داخل أوساط الرأي العام المغربي، بمختلف أطيافه، أن قضية استقلال المغرب ووصولها إلى المنتظم الدولي، سوف تحظى بدون شك بدعم وتعاطف أمريكي.

هذه الفرضية كانت قوية خصوصا عندما جاء الرئيس الأمريكي للقاء رئيس وزراء بريطانيا في الدار البيضاء، في لقاء آنفا الشهير خلال الحرب العالمية الثانية. وقتها كتبت الصحافة أن الدور الذي لعبه الملك الراحل محمد الخامس وتعاونه مع الأمريكيين، جعل حظوظ المغرب قوية للفوز بتعاطف أمريكي في قضية استقلال المغرب.

لكن نفي الملك الراحل محمد الخامس، جعل المغاربة يفقدون الأمل في الوساطة الأمريكية، وبدا وقتها أن الفرنسيين مضوا في تنفيذ مخططهم للاستيلاء الكامل على المغرب ونفي سلطانه الشرعي.

استمرار الوجود الأمريكي في المغرب، حتى بعد نفي السلطان محمد الخامس، ووجود ابن عرفة في السلطة، كان إشارة إلى أن سياسة أمريكا في المغرب كانت محايدة. خصوصا وأن صحافيين أمريكيين زاروا المغرب وقتها وكتبوا مقالات وألفوا كتبا وسجلوا مقابلات مع مختلف الشخصيات المؤثرة في السياسة الداخلية للمغرب، وكانت بعض هذه المقالات تضايق الإقامة العامة الفرنسية. إلى درجة أن بعض الصحافيين الأمريكيين طُلب منهم ألا يواصلوا عملهم الصحافي في المغرب وألا يرسلوا مقالات إلى الصحف والمجلات الأمريكية والدولية، من شأنها أن تنقل أخبار المظاهرات المغربية ضد فرنسا ورفض السلطان ابن عرفة، أو «سلطان الفرنسيس» كما كان يُطلق عليه.

تسبب هؤلاء الصحافيون الأمريكيون، بحكم أنهم يراسلون وكالات وصحف ومجلات أجنبية في دول مختلفة، في إحراج كبير للإدارة الفرنسية في المغرب. حتى أن مجلة «شيكاغو تريبيون» تسببت في أزمة دبلوماسية بين الإقامة العامة الفرنسية في الرباط والإدارة الأمريكية، بسبب مقال مطول نشرته المجلة، تصف فيه الأجواء الجنائزية في الرباط بعد نفي السلطان محمد بن يوسف، ونشرت صور المظاهرات التي رفعت فيها شعارات تطالب باستقلال المغرب فورا عن فرنسا.

 

 

اختيار سلطان المغرب «البديل» تم في مراكش وليس بالرباط!

على الرغم من أن الوثيقة الأمريكية التي تناولناها في هذا الملف تتحدث عن معلومة استباقية حصل عليها السلطان محمد بن يوسف من مصادره الخاصة، تأكد له فيها أن فرنسا سوف تنقلب عليه وتضع مكانه سلطانا، هو ابن المولى عبد الحفيظ، إلا أن ما جرى لاحقا كشف أن الفرنسيين غيروا خطتهم في آخر لحظة.

وما يؤكد أن ابن عرفة لم يسع قيد حياته لكي يصل إلى العرش، أن الباشا الكلاوي هو الذي رشحه للفرنسيين وجيء به، بطريقة مرتجلة، من قلب منزله في فاس، لكي يجلس على العرش.

هنا، نذكر شهادة غاية في الأهمية يشرح فيها ابن الباشا الكلاوي، عبد الصادق الكلاوي، تفاصيل ما وقع كما عاشه إلى جوار والده في تلك الأيام العصيبة من شهر غشت 1953. وبدا من هذه الشهادة أن تنصيب بن عرفة جاء من مراكش، وليس من الرباط، رغم أن الأخير كان يعيش في دار متواضعة في فاس، ونُقل فورا لكي يتلقى خبر تعيينه سلطانا للمغرب. ماذا وقع حتى تغير فرنسا خطتها التي تسربت ووصلت إلى علم الملك الراحل محمد الخامس؟

يقول عبد الصادق الكلاوي: «في الواقع لم أشاهد ابن عرفة في منزل والدي إلا في يوم 15 غشت أي اليوم الذي تم تنصيبه إماما.  وكنت أعرف قبل ذلك أنه وصل مراكش منذ خمسة أيام. وأنه قد وضع مع حاشيته القليلة في جناح المرمر الذي يخصصه أبي لضيوفه. وقد قضى 5 أيام هناك في العزلة ينصت لمذياع ذي صوت مبحوح، في الوقت الذي عرفت فيه الحديقة تحته حركة دائبة كانت غريبة عنه غرابة تامة. وقبل يومين من إعلانه إماما قرر أبي استبدال مكان إقامته وجعله يقيم في الدور الأخير من جناح مكتبه.. ولم يتدخل ابن عرفة في أي شيء من يوم وصوله إلى يوم تنصيبه على العرش. فقد كان الباشا منهمكا في نقاشه مع الآخرين، كالكتاني وبوركبة ودهوتفيل، وفالا، وبونيفاس، والجنرال غيوم وأخيرا فيمون.. وكان يرسل له (لابن عرفة) من حين لآخر أي شخص ليخبره باختصار بتطور الأمور، وبالأخص ليخفف عنه الملل ولكي لا تفتر همته. ولم يطلع الرجل العجوز لا على حالات التردد التي سادت بين الـ10 و15 غشت. كان من الضروري الإسراع في البحث له عن لباس أبيض من برنس وجلباب للمناسبة، وهو ما وجدوه في بيت ملابس أبي. وحين قرأ الفقيه بوركبة نص البيعة في جو أرادوا له أن يكون جديا واحتفاليا وذا أبهة، وبعد أن انحنت جمهرة الحاضرين صائحة «الله يبارك في عمر سيدنا» باعتبارها صيغة البيعة التقليدية، لم يكن الشريف بن عرفة يعرف بعد أنه لم ينصب إلا إماما لا سلطانا ولم يكن يدري أن الدور الذي مُنح إياه هو مجرد دور صوري بلا امتيازات دهرية. وفقط بعد هذا الحفل الغريب الذي لم يسبق أن شهدته التقاليد السلطانية الإسلامية، تكلف عبد الحي الكتاني بتوضيح الأمور والفروق له، وسيظل بن عرفة هناك في انتظار يوم 20 غشت، كي يستقر في مصيره التعس، بعد أن يُنفى السلطان محمد بن يوسف إلى كورسيكا، ويعترف به المخزن في الرباط سلطانا».

 

 

الـCIA  كانت حاضرة في حفلات الكلاوي الخاصة

هذه المعلومة لن تكون بالتأكيد صادمة لكل من يعرف معلومات عن طبيعة علاقة الباشا الكلاوي بالأمريكيين منذ وصولهم إلى المغرب سنة 1943. فالرجل لم تكن إقامته الخاصة ولا مكتبه يخلو أبدا من زوار أمريكيين.

فبالإضافة إلى صداقته مع رئيس الوزراء البريطاني تشرشل في عز الحرب العالمية الثانية، كان الباشا الكلاوي صديقا مقربا لأبرز الأسماء العسكرية الأمريكية التي هندست للإنزال الأمريكي في شمال إفريقيا لحسن الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء.

كان يجمع في إقامته الفخمة بمراكش، بين مشاهير الفن والسينما والسياسة، والمخابرات بطبيعة الحال. لهذا كان من الطبيعي أن تضع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أعينها في قلب إقامته، وبين كراسي صالوناته الفارهة.

لقد كانت الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية، خصوصا الاستخبارات العسكرية تضع التهامي الكلاوي نصب عينيها، حتى أنها تنصتت فعلا على مكالماته وحاولت في تقارير استقراء رأيه في الحرب العالمية الثانية وما إن كان يتفق مع الموقف الألماني أم الفرنسي وما إن كان أصدقاؤه يستغلون سُمعته لإجراء مكالمات خاصة من هواتفه المنتشرة في مختلف غرف قصره الفخم في مراكش، خصوصا الأجنحة التي كانت خاصة بالضيوف.

ورغم ذلك فإن الأمريكيين لم يجدوا أية نقط سوداء بخصوص مواقف الباشا، حتى أنه كان يرحب بإحياء بعض الأعياد الأمريكية في حديقة قصره على شرفهم ويجلب لهم الديك الرومي خصيصا لإحياء احتفالات الفصح وأعياد الميلاد.

والمثير أن الكلاوي فكر مرة في استقدام طباخ عالمي من القاعدة العسكرية في القنيطرة بعقد عمل مفتوح لكي يتولى الطبخ للأصدقاء الأمريكيين للباشا، لكن الطباخ كان مهتما أكثر بالبقاء في القاعدة العسكرية وقدم بالمقابل خدمات للباشا أثناء العطل تمثلت في الإشراف على إعداد بعض الأطباق العصرية لضيوفه، واعجب كثيرا بالمطبخ المغربي خصوصا وأنه وجد في مطابخ الكلاوي طباخين رجال فقط، ولم يكن هناك أي وجود للنساء. وعندما سأل الباشا عن الموضوع أجابه بكثير من الفخر أن أعقد الأكلات المغربية وأكثرها صعوبة تكون في الغالب اختصاصا رجاليا ويبدع الرجال في إعدادها أكثر من النساء. وبدا أيضا أن الباشا كان ملما ببعض أسرار الطبخ إذ كان يحرص أثناء الاحتفالات الكبيرة التي أقامها في قصره خلال الحرب العالمية الثانية على أن يتجول بين «الكوانين» التي تُطهى فوقها الوجبات التي قدمها لضيوفه ويتابع إعدادها أولا بأول حتى لا تكون هناك أخطاء قد تُحرجه مع الضيوف خصوصا إذا كان من بينهم من يزورون المغرب لأول مرة.

كان بعض الجنود من أصحاب الرتب الرفيعة، يلجأون إلى إقامة الباشا، نظرا لغياب فنادق في محيطه، ويجدون داخل الإقامة جميع سبل الراحة التي توفرها الفنادق المصنفة، ويقضون شهر العسل، مستفيدين من هدايا كان الباشا الكلاوي يقدمها لهم خصيصا في تلك المناسبات. وهكذا كان هذا الرجل الذي يشاهد صارما في الغالب، بشوشا ومغدقا بسخاء عندما يتعلق الأمر بالحب.

وقد شهدت الحفلات التي أقامها طيلة سنوات قوته كرجل نافذ في المغرب، مناسبات تعارف بين أجانب وأجنبيات كللت بالزواج فيما بعد، ولا زالوا يحتفظون لإقامة باشا الكلاوي بتذكار على أساس أنها مهد بدء العلاقة التي تجمع الطرفين. إذ أن تلك الحفلات كانت تقام بناء على دعوات يتولى المقربون من الباشا الكلاوي توزيعها على معارفهم من الجنود في السلاح الأمريكي والذين كانت مكاتبهم في القنيطرة، بالإضافة إلى عسكريين فرنسيين بارزين، وضيفات من نخبة المجتمع الفرنسي، واللواتي اخترن أن يبدأن حياتهن في المغرب باعتباره مستعمرة فرنسية.

إحدى أشهر هذه القصص، والتي لم يتطرق لها ابن الباشا في الكتاب الذي ألفه عن أبيه وأسماه «الأوبة»، رغم أنه ذكر أمورا كثيرة تتعلق بحيثيات حياة والده وعلاقاته مع النافذين الأجانب الذين استضافهم جميعا في منزله الخاص، ونشر رسائل تؤرخ لكل تلك الزيارات، إلا أنه لم يتحدث عن الزيجات التي كان والده الباشا الكلاوي سببا مباشرا فيها. إذ كانت بعض الضيفات اللواتي كن يلبين دعوة الباشا الكلاوي لحضور الحفلات الخاصة التي يقيمها، يتعرفن على عسكريين وموظفين مهمين في الخارجية، فرنسيين وأمريكيين وجنسيات أخرى، ويحدث أن تتطور تلك العلاقات لتكلل بالزواج.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى