
عندما تعلق الأمر بمغرب الاستقلال بدا أن ماكافوي مارس نوعا من الرقابة الذاتية على نفسه، أو ربما تلقى تعليمات وامتثل لها، وهذا هو الأرجح. وإلا كيف يمكن تفسير غياب لقطات الهيمنة الأمنية الفرنسية على الحياة العامة في المغرب سنة 1953، وظهورها بقوة في مهمته اللاحقة، بعد عودة السلطان من المنفى؟
يونس جنوحي
«فرنسا المتغطرسة» لم يكن مجرد عنوان أو انطباع يأتي بعد مطالعة صور توماس ماكافوي التي توثق لمرحلة عودة السلطان محمد بن يوسف من المنفى في نونبر 1955. يتعلق الأمر بعنوان فعلي رسّخه مصور مجلة «لايف» بعد أن رفعت الإدارة الفرنسية رسميا يدها عن المغرب.
أصبح ماكافوي أكثر تحررا في نقل صورة المغرب الجديد، بعد أن فرض واقع الأمر على فرنسا تعديل سياستها في المغرب، وعزل السلطان الذي نصبه المقيم العام والسماح بعودة السلطان الفعلي للبلاد.
هكذا نقل ماكافوي صورة لأفراد القوات الفرنسية، سواء من الجيش أو «البوليس»، وهو الموضوع الذي لم يكن متوفرا في مجموعته السابقة التي جمع صورها سنة 1953 بعد جولة في الأطلس وقصر الباشا الگلاوي في مراكش. وهو ما يعني أن ماكافوي كان خاضعا، ولو بشكل غير مباشر، للرقابة الفرنسية.. رغم أن أغلب الصحافيين، الذين عاصروا ماكافوي، كانوا يثنون كثيرا على استقلال عدسته، وميله إلى المغامرة حتى لو اقتضى الأمر وضع حياته على المحك مقابل التقاط صورة من زاوية فريدة.
لكن عندما تعلق الأمر بمغرب الاستقلال، بدا أن ماكافوي مارس نوعا من الرقابة الذاتية على نفسه، أو ربما تلقى تعليمات وامتثل لها، وهذا هو الأرجح. وإلا كيف يمكن تفسير غياب لقطات الهيمنة الأمنية الفرنسية على الحياة العامة في المغرب سنة 1953، وظهورها بقوة في مهمته اللاحقة، بعد عودة السلطان من المنفى؟
من بين أقوى اللقطات التي انفرد بها ماكافوي وعُرضت في أرشيفه الشخصي، بعد وفاته سنة 1966، لقطة توثق للإنزال العسكري المكثف الذي لجأت إليه السلطات الفرنسية لمراقبة الحضور الجماهيري الكبير في الرباط، وعلى امتداد جنبات الطرق التي مر منها موكب السلطان محمد بن يوسف، من المطار إلى القصر الملكي.
حتى الصور التي صدرت عن وكالة الأنباء الفرنسية في ذلك التاريخ، (16 نونبر 1955)، لم تُظهر جانب الإنزال العسكري وتطويق مواكب المُحتفين المغاربة بعودة السلطان، لكن ماكافوي، بعدسته الفريدة أو «القناصة» كما لقبها زملاؤه الأمريكيون، اصطادت صورة للتاريخ، لخصت المرحلة ككل.





