حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرصحةفسحة الصيف

فيتامين E ومضادات الأكسدة.. حين اختفى وعد حماية القلب أمام التجربة

في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كان من الصعب أن تجد فكرة وقائية في الطب تحظى بهذا القدر من الجاذبية.

فقد بدت أنيقة.

وبسيطة.

ومدعومة بالمنطق البيولوجي.

ومدعومة بالتجارب المعملية.

ومدعومة بالدراسات السكانية.

لذلك أحبها العلماء.

واقتنع بها الأطباء.

واحتفت بها الصحافة الصحية.

وتبنتها شركات المكملات الغذائية بحماس.

ولم يكن ذلك غريبا…

لأن الفكرة بدت منطقية بصورة تكاد تكون كاملة.

إذا كانت الجذور الحرة تساهم في إتلاف الشرايين…

وإذا كان فيتامين E يحد من تأثيرها…

فلماذا لا يحمي القلب؟

بدا السؤال منطقيا للغاية.

ثم اكتشف الطب شيئا مزعجا من جديد:

أحيانا لا يكفي أن تكون الفكرة صحيحة في المختبر…

لكى تكون صحيحة عند المريض.

 

أولا: ما المشكلة التي كان الأطباء يحاولون حلها؟

في النصف الثاني من القرن العشرين أصبحت أمراض القلب السبب الأول للوفاة في معظم دول العالم.

ورغم التقدم الكبير في علاج الجلطات وارتفاع ضغط الدم وارتفاع الكوليسترول… ظل البحث مستمرا عن وسائل جديدة للوقاية منها.

وكان العلماء يحاولون فهم ما الذي يجعل الشرايين تتلف أصلا.

وما الذي يحول تراكم الدهون البسيط إلى لويحات تصلب شرايين، قد تنتهي بجلطة قاتلة.

وكانت الإجابة التي بدأت تبرز تدريجيا:

الأكسدة.

فقد لاحظ الباحثون أن بعض الجزيئات شديدة النشاط الكيميائي، والتي عُرفت لاحقا بالجذور الحرة، تستطيع إحداث تلف في الخلايا والأنسجة.

وبدا أن لها دورا مهما في تطور تصلب الشرايين.

وهنا بدأت القصة.

ثانيا: كيف فكر الأطباء في الحل؟

لاحظ الباحثون أن الكوليسترول الضار (LDL) لا يبدو مؤذيا بالدرجة نفسها في صورته الطبيعية.

لكن عندما يتعرض للأكسدة داخل جدار الشريان، يصبح أكثر قدرة على إثارة الالتهاب وتكوين اللويحات الشريانية.

وفي الوقت نفسه كانت التجارب المعملية تظهر أن مضادات الأكسدة تستطيع تقليل هذه العملية.

وهنا ظهر المتهم الجديد:

الجذور الحرة.

وظهر البطل الجديد:

مضادات الأكسدة.

خصوصا فيتامين E.

بدا الأمر وكأنه معركة بيولوجية واضحة.

الجذور الحرة تضر الشرايين.

وفيتامين E يعاكس الجذور الحرة.

إذن لا بد أنه يحمي القلب.

وكان المنطق شديد الإقناع.

بل ربما بدا أكثر إقناعا من كثير من النظريات الطبية الأخرى في ذلك الوقت.

ثالثا: ما الملاحظات التي بدت مؤيدة للفكرة؟

لم يتوقف الأمر عند حدود النظرية.

فقد بدأت القناعة الحقيقية تتشكل.

فالتجارب المعملية كانت مشجعة.

والدراسات الحيوانية كانت مشجعة.

ثم جاءت الدراسات السكانية لتضيف مزيدا من الثقة…

فالأشخاص الذين يتناولون كميات أكبر من مضادات الأكسدة كانوا أقل إصابة بأمراض القلب.

والأشخاص الذين يستخدمون مكملات فيتامين E بدوا أقل عرضة للجلطات القلبية.

وكانت بعض الدراسات الرصدية تشير إلى انخفاض ملحوظ في المخاطر.

ماذا كان يرى الأطباء إذن؟

أشخاص يتناولون فيتامين E.

ثم تظهر لديهم أمراض قلب وجلطات أقل.

بدا التسلسل واضحا:

مضاد أكسدة ← ضرر أقل للشرايين ← أمراض قلب أقل.

كما أن التجارب المعملية كانت مؤيدة.

والنظرية البيولوجية كانت مؤيدة.

والدراسات الرصدية كانت مؤيدة.

حتى بدا وكأن جميع القطع تتجمع في الصورة نفسها.

وليس هناك سبب يدعو إلى الشك؟

لكن كان هناك سؤال لم يُختبر بعد:

هل يمنع فيتامين E الجلطات فعلا، عندما نختبره في تجربة عشوائية منضبطة؟

رابعا: كيف انتشرت الفكرة؟

انتشرت بسرعة هائلة.

بدأت شركات المكملات الغذائية تروج لمضادات الأكسدة، باعتبارها وسيلة للحفاظ على الشباب والصحة.

وأصبحت كلمة «مضاد أكسدة» تحمل هالة إيجابية خاصة.

وظهرت الكتب والمقالات التي تتحدث عن فوائدها المحتملة.

وأصبح ملايين الأشخاص يتناولون فيتامين E بصورة يومية.

ولم يكن الأمر مقتصرا على الجمهور ولم يكن أيضا مجرد دعاية فقط.

فكثير من الأطباء والباحثين كانوا مقتنعين أيضا.

فالمنطق العلمي بدا متماسكا.

والأدلة المبكرة بدت واعدة.

وكل شيء كان يسير في الاتجاه نفسه … أو …… هكذا ظن الجميع.

خامسا: التجربة.. ثم الصدمة

في التسعينيات بدأت تظهر التجارب العشوائية المنضبطة الكبرى.

وكان الهدف بسيطا:

إذا كان فيتامين E يحمي القلب فعلا… فينبغي أن تظهر هذه الحماية بوضوح عند مقارنة المرضى، الذين يتناولونه بالمرضى الذين لا يتناولونه.

بدأت أولى التجارب الكبرى.

وكان كثير من الباحثين يتوقعون أن تكون مجرد خطوة أخيرة، قبل إعلان الانتصار.

لكن النتائج جاءت باهتة.

قال البعض: ربما كانت الدراسة صغيرة.

فجاءت دراسة أكبر.

ولم تظهر الفائدة.

قال آخرون:

ربما احتجنا إلى عدد أكبر من المرضى.

فجاءت دراسات أكبر.

ثم تحليلات جمعت عشرات الآلاف من المرضى.

وفي كل مرة…

كانت النتيجة الصادمة تعود كما هي….

لم تنخفض الجلطات كما كان مأمولا.

ولم تنخفض الوفيات كما كان متوقعا.

وكلما ازداد حجم الدراسات، ازداد إحباط الأطباء وبدت النتيجة الصادمة أشد وضوحا.

فها هي الصورة التي بدت شديدة الإقناع في المختبر والدراسات الرصدية تتلاشى أمام التجارب المحكمة.

ثم جاءت الصدمة الأكبر.

فبعض التحليلات المجمعة لم تكتف بعدم العثور على فائدة واضحة فقط…

بل أشارت إلى احتمال زيادة طفيفة في الوفيات مع الجرعات العالية من بعض مضادات الأكسدة.

وهنا ساد الارتباك.

كيف يمكن أن تكون النظرية صحيحة؟

والتجارب المعملية صحيحة؟

والدراسات الرصدية مشجعة؟

ثم لا نجد الفائدة نفسها عند اختبارها في المرضى؟

وظل الأطباء يتساءلون في حيرة…

كيف يمكن أن تكون الجذور الحرة جزءا من المشكلة؟…

وكيف ينجح فيتامين E في مقاومة الأكسدة…

ثم لا تتحسن النتائج السريرية؟

كيف يمكن لفكرة بدت صحيحة في الكيمياء الحيوية…

أن تفشل عندما تدخل جسم الإنسان؟

ولأول مرة وجد الطب نفسه أمام مفارقة مختلفة عن كل ما سبق.

لم تكن المشكلة أن الملاحظة خدعتنا.

ولا أن الدراسات الرصدية وحدها خدعتنا.

بل إن المنطق البيولوجي نفسه بدا وكأنه يقودنا إلى استنتاج لم تؤكده النتائج السريرية.

زادت الحيرة….

ثم جاءت الإجابة التي غيرت فهم الطب لهذه القضية… لم تكن المشكلة في التجارب.

بل في افتراض أن ما ينجح بيولوجيا لا بد أن ينجح سريريا.

 

سادسا: لماذا كانت النتيجة صادمة؟

لأن كل شيء تقريبا كان يبدو مؤيدا للفكرة.

المنطق البيولوجي مؤيد.

التجارب المعملية مؤيدة.

الدراسات الرصدية مؤيدة.

لكن المرضى أنفسهم لم يحصلوا على الفائدة المنتظرة.

وهنا أدرك الطب حقيقة مزعجة أخرى وخطأ منهجيا جديدا.

فهم المرض…  لا يعني بالضرورة القدرة على تغيير مصير المريض

فليس كل ما يحسن مسارا بيولوجيا معينا يؤدي بالضرورة إلى تحسن النتائج السريرية.

فالجسم البشري أكثر تعقيدا من أن يُختزل في مسار كيميائي واحد.

وقد يؤدي التدخل في آلية تبدو مهمة إلى نتائج مختلفة تماما عندما نختبرها في الواقع.

 

سابعا: ماذا تعلم الطب؟

تعلم أن المنطق البيولوجي وحده لا يكفي.

وأن التجارب المعملية وحدها لا تكفي.

وأن فهم الآلية المرضية لا يكفي.

فقد نستطيع تفسير المرض بصورة صحيحة.

ثم نفشل في تحسين نتائجه.

ولهذا يحتل الدليل الناتج عن التجارب السريرية المحكمة مكانة أعلى من الأدلة البيولوجية أو المعملية وحدها.

ليس لأن البيولوجيا غير مهمة.

بل لأنها لا تستطيع وحدها أن تخبرنا ماذا سيحدث للمريض.

وهنا ظهر درس جديد لم تعلمنا إياه الحلقات السابقة:

ليست كل فكرة منطقية بيولوجيا صحيحة سريريا.

فقد ينجح العلاج في المختبر.

وقد ينجح على الورق.

وقد ينجح في النظريات.

لكن السؤال الذي لا يستطيع الإجابة عنه إلا الاختبار الحقيقي هو: هل يتحسن المريض فعلا؟

لكن مضادات الأكسدة لم تكن آخر مرة أغرانا فيها المنطق البيولوجي…

ففي المقال القادم سنرى كيف بدت إحدى الجراحات منطقية إلى درجة أن كثيرين اعتبروا نجاحها أمرا لا يحتاج إلى إثبات.

فإذا كان الجراح يرى الأنسجة التالفة بعينيه…

ويدخل إلى المفصل…

ويزيل ما يبدو سببا للألم…

فكيف يمكن ألا يتحسن المريض؟

ثم جاءت تجربة جريئة استخدمت جراحة وهمية…

لتكشف أن حتى الجراحات ليست استثناء من قواعد الطب المبني على الدليل، وأن أكثر العلاجات إقناعا قد تحتاج أحيانا إلى أصعب أنواع الاختبار.

 نافذة:

ليست كل فكرة منطقية بيولوجيا صحيحة سريريا فقد ينجح العلاج في المختبر وقد ينجح على الورق وقد ينجح في النظريات لكن السؤال الذي لا يستطيع الإجابة عنه إلا الاختبار الحقيقي هو هل يتحسن المريض فعلا

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى